Elkalima

الكابوس لم يأتنا بغتة

- مصطفى زكى

لـــم يكـــن يو ًمـــا مزع ًجـــا.. فقـــط.. نحـــن مـــن توهمنـــا غافليـــن أننـــا نعيـــش فـــى عالـــم يحمـــل إلينـــا مثاليـــات لـــم تصنعهـــا ســـوى خياالتنــا العاجــزة ع ـن إدراك الوجــه اآلخــر األكثــر وضو ًحــا في ـه.. أو لنقـــل.. الوجـــه األوحـــد.

ذلـــك الكابـــوس لـــم يأتنـــا بغتـــًة كمـــا أوهمنـــا أنفســـنا.. ســـبقته إرهاصـــات غـــرس بذورهـــا أولئـــك الممســـكو­ن بخيـــوط نراهـــا جيـــًدا.. ونـــدرك قســـوتها.. نصفـــق إذا انقطـــع أحدهـــا لتعـــاود أيادينـــا المرتعشـــ­ة ترميمـــه بإحـــكام مبهـــر..

خيــوط رأيناهــا.. ونراهــا.. تحيــط أعناًقــا، فولينــا وجوهنــا إلــى حيـــث ال نعلـــم.. وهـــم يعلمـــون.. وهـــا نحـــن نحصـــد مـــا غرســـوا.. فقـــد حـــان موســـم حصـــاد خاليـــا صدورنـــا.

ل ـم يع ـد الس ـؤال الي ـوم: ه ـل ت ـم تخلي ـق ذل ـك الفي ـروس اللعي ـن، أو مـــن ذا الـــذى تعمـــد إبـــادة العاجزيـــ­ن عـــن مالحقـــة القطيـــع؛ ففـــى كل األحـــوال يتصـــدر اإلنســـان.. أى إنســـان.. فـــى كل زمـــان ومـــكان علـــى ســـطح هـــذا الكوكـــب البائـــس.. اإلنســـان فقـــط.. يتصــدر المشــهد كإجابــة وحيــدة قاطعــة لــكل التســاؤال­ت.. باتــرة لشـــتى محـــاوالت الوصـــول..

وهنـــا.. اليـــوم.. أرى الســـياق مناســـًبا لجـــزء مـــن مقـــال ســـابق لـي، منشـور تحـت عنـوان «حـرف تايـه.. الوجـه األفضـل للحيـاة»، حيـــث وجدنـــا أنفســـنا مجبريـــن علـــى إحصـــاء األرواح أرقاًمـــا.. مجـــرد أرقـــام:

ـ ..« وبنظـرة سـريعة علـى إحصـاءات ضحايـا الحـروب نسـتطيع أن نتبيــن مــدى تعــدى المدعــو إنســاًنا ـ إن اســتحق االســم ـ علــى بيئتــه االجتماعيـ­ـة.

ففـــى الحـــرب العراقيـــ­ة اإليرانيــ­ـة مثـــال بيـــن عامـــى ٠٨٩١ و٨٨٩١ ُقـــدر عـــدد الوفيـــات بحوالـــى مليـــون فـــرد.. والرقـــم المخيـــف نفســـه تكـــرر قبلهـــا فـــى الغـــزوات اليابانيــ­ـة لكوريـــا وحـــرب بيافـــرا، ناهيـــك عمـــا أصـــاب أســـر القتلـــى مـــن تشـــريد وضيـــاع وأزمـــات اجتماعيـــ­ة ونفســـية!

نعـــم.. الرقـــم صحيـــح.. مليـــون ضحيـــة تقريبـــا لـــكل حـــرب مـــن الحـــروب الثالثـــة، وهـــو الرقـــم الـــذى يعتبـــر صغيـــرا نســـبيا مقارنــة بحــروب أخــرى أشــد ضــراوة وقســوة وتعدًيــا علــى البيئــة االجتماعيـ­ــة، فقـــد شـــهدت الحـــرب الســـوفيت­ية فـــى أفغانســـت­ان بيـــن عامـــى ٩٧٩١ و٩٨٩١ حوالـــى مليـــون وســـتمائة ألـــف قتيـــل، وحصـــدت الثـــورة المكســـيك­ية بيـــن عامـــى ٠١٩١ و٠٢٩١ أرواح مليونـــى إنســـان، بينمـــا شـــهدت حـــرب فيتنـــام بيـــن عامـــى ٥٥٩١ و٥٧٩١ مـــا يقـــرب مـــن أربعـــة مالييـــن قتيـــل.. وكانـــت حصيلـــة ح ـرب الكونغ ـو الثاني ـة أكث ـر م ـن خمس ـة ماليي ـن قتي ـل.. وحص ـدت الحـــروب النابليوني­ـــة أرواح مـــا يقـــارب الســـتة مالييـــن إنســـان، ويظـــل الرقـــم فـــى تصاعـــد مرعـــب إلـــى أن يصـــل فـــى الحـــرب العالميـــ­ة الثانيـــة بيـــن عامـــى ٩٣٩١ و٥٤٩١ لحوالـــى ٥٨ مليـــون قتيــل؛ ليتجــاوز مجمــوع ضحايــا تلــك الحــروب الكبيــرة وغيرهــا والتـــى يقـــدر عددهـــا بثمـــان وعشـــرين حرًبـــا رقـــم الســـبعما­ئة مليـــون قتيـــل.. وهـــو الرقـــم الـــذى إذا ضاعفنـــاه خمســـة أضعافــ كمتوســـط لعـــدد أفـــراد األســـرة ـ ســـنجد مـــن نـــال منهـــم تأثيـــر الحــروب بشــكل مباشــر يصــل عددهــم إلــى رقــم يصعــب تصــوره.

تلـــك األرقـــام المرعبـــة.. ناهيـــك عـــن ضحايـــا الحـــروب الصغيـــرة والقمـــع بأشـــكاله، واإلرهـــا­ب، والحـــواد­ث الفرديـــة، علــى مــر التاريــخ.. هــى القــدر اليســير الــذى أمكــن إحصــاؤه مــن عـــدوان اإلنســـان علـــى «أخيـــه اإلنســـان» إن جـــاز التعبيـــر..

فمـــاذا ـ إذن ـ عـــن تأثيـــر ذلـــك المســـمى إنســـاًنا علـــى باقـــى الكائنـــا­ت مـــن مشـــاركيه الحيـــاة علـــى كوكبـــه؟!!

أيهـــا الفضائـــى البعيـــد ـ بافتـــراض وجـــودك ـ الـــزم مكانـــك، فمــا رصــده تليســكوبك هــو الوجــه األفضــل «المنقــرض» للحيــاة علـــى هـــذا الكوكـــب البائـــس».

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt