العالم الذي نعيش فيه (1( عالم واقعي: اللاعبون يتغيرون، لكن اللعبة تبقى

Al Ghad - - 22 -

ستيفن كوتين* - )فورين أفيرز( عدد تموز )يوليو(/ آب )أغسطس( 2018 والعوائد المطلقة، كما تقترح النظرية الاقتصادية التقليدية، أكثر أو أقل. وقد أفضى إلى التقليل من عدم المساواة على المستوى العالمي، عن طريق تمكين مئات الملايين من الناس من النهوض من ربقة الفقر المدقع.

ولكن، في الوقت نفسه، كـان هـذا الاقتصاد مُعاد التوجيه يزيد من عدم تكافؤ الفرص المحلية والشعور بالخيانة السياسة في داخل الدول الغنية نفسها. وبالنسبة لبعض الخاسرين، يصبح الجرح أكثر إيلاماً بسبب ما يبدو إهانة ثقافية، بينما تصبح مجتمعاتهم أقل ألفة باطراد. وقد ركزت النخب الغربية على حصاد منافع العولمة بدلاً من تقليل كلفها، ونتيجة لذلك، زودت العملية بشحنات من القوة الإضافية، لتزيد بذلك من عواقبها المدمرة.

أقنع كثيرون جداً أنفسهم بأن التكامل العالمي يتعلق أساساً بالاقتصاد والتماثل، وبأنه سوف يمضي قدماً بصورة حتمية. ولم يكن سوى بضع متنبئين، مثل العالِم السياسي صامويل هنتغنغتون، هم الذين أشاروا إلى أن الثقافة تظل أقوى، وأن التكامل يمكن أن يبرز الاختلافات بدلاً من أن يحلها، سواء في الوطن أو في الخارج. وفي العام 2004، لاحظ هنتنغتون:

"في أميركا اليوم، توجد فجوة رئيسية بين نُخب الأمة والجمهور العام حول بروز الهوية الوطنية مقارنة بالهويات الأخــرى وحـول الــدور المناسب لأميركا في العالم. وأصبحت عناصر مهمة من النخبة تنفصل بشكل متزايد عن بلدها، وفي المقابل، أصبح الجمهور الأميركي يشعر بخيبة أمل متزايدة من حكومته".

وسرعان مع اغتنم رجال الأعمال السياسيون "الخارجيون" اللحظة.

بعد أن اعتنقت أيديولوجية العولمة، تركت النُخب الغربية نفسها مكشوفة أما تحدٍ سياسي جماهيري متأسس في الأغلبية القومية التي كانت هذه النُخب قد تخلَّت عنها. وربما تكون حجج المدافعين عن التمردات الشعبية مليئة بالزيف، لكن عواطف ناخبيهم حقيقية، وتعكس المشكلات الرئيسية التي تجاهلها الخبراء المفترضون أو رفضوها.

كان ذلك حينذاك

مع كل التغيرات الهائلة التي حدثت على مدى القرن الماضي، فإن الصورة الجيوسياسية الماثلة اليوم تشبه إلى حد كبير تلك التي كانت حاضرة في السبعينيات، بل وحتى العشرينيات من القرن الماضي، ولو مع اسثناء واحد حاسم. القوة الروسية المتناقصة -وإنما المقيمة- في أوراسيا؟ صحيح. وجود ألمانيا في قلب أوروبـا قوية، وإنما عقيمة؟ صحيح. عملاق أميركي مشتت الانتباه، قوي بما يكفي ليقود، لكنه متردد في فعل ذلك؟ صحيحي. برازيل وجنوب إفريقيا تهيمنان على مناطقهما؟ صحيح. ولـكـن، وبـصـرف النظر عـن المؤشرات على بداية حركة لمراكز القوة الهندية والعثمانية والفارسية، فإن الفارق الأكثر أهمية اليوم هو حلول الصين محل اليابان لتكون اللاعب الأساسي في ميزان القوى الآسيوي.

كان اجتهاد الصين هائلاً ومشهدياً، وكسب ذلك البلد بالتأكيد موقعه الجديد عن جـدارة. لكنه ما كان يمكن أن يحقق ما حققه على مدى الجيلين الماضيين من دون الانفتاح الاقتصادي والأمـن العالمي اللذين وفرتهما الولايات المتحدة كقوة مهيمنة ليبرالية. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر وإلى القرن العشرين، وعلى النقيض من الأوروبيين واليابانيين، أنفقت الولايات المتحدة القليل من الجهد –نسبياً- في محاولة إقامة حكم استعماري مباشر في أراض أجنبية. وقد اختارت بدلاً من ذلك تعزيز مصالحها أكثر من خلال التحالفات الطوعية، والمؤسسات متعددة الأطراف والتجارة الحرة. وجاء هذا الاختيار مدفوعاً إلى حد كبير بالمصلحة الذاتية المستنيرة أكثر من كونه مدفوعاً بالإيثار والغيرية، وكان مدعوماً بهيمنة عسكرية عالمية. وبهذا، فإن الهيئات العديدة متعددة الأطراف وعمليات نظام ما بعد الحرب تُفهم أفضل ما يكون -ليس كمفهوم خيالي جديد يدعى "النظام العالمي الليبرالي"، وإنما كآليات لتنظيم وتوسيع مدار النفوذ الجديد والهائل للولايات المتحدة.

تحاول الدول القوية ذات الأيديولوجيات المتميزة بشكل عام أن تمارس التبشير، وعادة ما يتقاطر المتحوِّلون بشكل عام إلى فائز. ولذلك يجب أن يكون مفاجئاً بالكاد أن تصبح الديمقراطية، وحكم القانون، والقيم الأميركية الأخــرى، شعبية على نطاق عالمي خلال سنوات ما بعد الحرب، بالنظر إلى قوة المثال الأميركي )حتى على الرغم من حقيقة أن المثُل الأميركية كانت تُكَّرم من خلال انتهاكها أكثر من احترامها(. لكن القوة النسبية للولايات التحدة تراجعت الآن، وأصبحت الماركة التجارية الأميركية تواجه المتاعب، وتكشَّفت هشاشة نظام ظلَّ معتمداً على قوة الولايات المتحدة وكفاءتها وصورتها.

هل ستجد القوتان العظميان الجديدتان طريقة لإدارة منافستهما من دون السير إلى الحرب؟ إذا لم تتمكنا من فعل ذلك، فيحتمل كثيراً أن يكون السبب هو تايوان. ويشكل هذا النمر الآسيوي المزدهر أيضاً شيئاً آخر يُعزى إلى العولمة، بعد أن أصبحت تايوان غنية وقوية ومـزدهـرة بعد بدايتها غير المثيرة للإعجاب قبل سبعة عقود. لكن بكين ظلت حازمة في إصرارها على استعادة الأراضـي كافة التي تعتبرها ممتلكاتها التاريخية، وقد أعاد الرئيس الصيني، شي جين بينغ، شخصياً التأكيد على أن تايوان هي أرض صينة و"مصلحة جوهرية". كما أن جيش التحرير الشعبي، من جانبه، حشد القدرة بالتدريج من أجل الاستيلاء على الجزيرة بالقوة.

ربما تبدو هذه الخطوة المتطرفة مجنونة، بالنظر إلى حجم الفوضى التي يمكن أن تثيرها، وبكم من العمق يعتمد نجاح الصين الداخلي المستمر على الاستقرار الخارجي. لكن استطلاعات الـرأي بين سكان الجزيرة سجلت اتجاهاً حاسماً نحو الإبقاء على كيان تايواني منفصل، على النقيض مما كانت بكين قد توقعته من التكامل الاقتصادي. )ليست النخب الغربية هي الوحيدة التي تنطوي على الأوهام(. فهل ستقف بكين تزداد قوة باطراد على الهوامش وتشاهد جائزتها التي سعت إليها طويلاً وهي تنسرب من يدها؟ هكذا هي الأمور الآن على مدى العقد الأخير، أربكت روسيا التوقعات حين تمكنت من النجاة من أسعار النفط المتقلبة والعقوبات الغربية. وقـد يكون نظام فلاديمير بوتين حكومة عصابة من اللصوص، لكنه ليس ذلك فحسب. فحتى الأنظمة الاستبدادية الفاسدة يمكن أن تعرض حكماً رشيداً مستداماً في بعض المجالات الرئيسية، وقد تمكنت سياسة اقتصاد كلي ذكية من إبقاء روسيا عائمة.

لـدى الصين، أيضاً، نظام استبدادي بلطجي وفاسد، وقد أثبتت هي أيضاً كونها أكثر تكيفاً بكثير مما تخيل معظم المراقبين أنه ممكن. وقد تمكنت نُخبها من تطوير بلد بحجم قارة بسرعة ونطاق لم يسبق لهما مثيل، إلى درجة يتساءل معها الكثيرون عما إذا كانت الصين ستهيمن على العالَم. وكان المرء ليتوقع في العام 1800 أن تهيمن الصين بعد قرن لاحقاً –لكن القوة الصينية انهارت بدلاً من ذلك وحلَّقت القوة الأميركية. لذلك تبقى إسقاطات الخط المستقيم محفوفة دائماً بالمخاطر. ولكن، ماذا لو أن تلك النبوءة من بواكير القرن التاسع عشر لم تكن مخطئة، وإنما كانت مبكرة فحسب’

مع أن النظم الاستبدادية قوية جداً، فإنه هشة مع ذلك؛ في حين أن الديمقراطية بائسة ومثيرة للشفقة، وإنما مرنة وقــادرة على المقاومة. وما تزال الصين الآن سائرة في شوط طويل من النجاح المستقر، لكن الأمور يمكن أن تتغير بسرعة. فبعد كل شيء، قاد ماو تسي تونغ نفس النظام بالضبط، وكان واحداً من القادة الأكثر بربرية وتدميراً للذات في التاريخ. وتماماً كما افترض الكثير من الناس ذات مرة أن الصين لا يمكن أن تقطع أبداً هذا الشوط البعيد بهذه السرعة الكبيرة، فإن البعض يفترضون الآن أن صعودها يجب أن يتواصل بشكل حتمي -ولو مع القليل من التبرير.

جاء قرار شي جين بينغ مركزة السلطة من مصادر متعددة، لكن واحداً منها بالتأكيد هو تقدير لكَم هي المشاكل التي تواجهها الصين صعبة. وردة الفعل الطبيعية للأنظمة الاستبدادية على الأزمـات هو تشديد قبضتها على القمة. ويسمح ذلك باستغلال أكبر للأحداث في المدى القريب، وينتج أحياناً نتائج قصيرة الأجل مثيرة للإعجاب. لكنه لم يكن حتى الآن وصفة للنجاح الأصيل على المدى الطويل.

مع ذلـك، في الوقت الحالي، تتطلع الصين – مدعومة باقتصادها الهائل- إلى بسط سلطتها في كل الاتجاهات، من بحر الصين الشرقي إلى بحر الصين الجنوبي، إلى المحيط الهندي، إلى آسيا الوسطى، بل وحتى إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية. وقد اجتمعت الثروة مع الثبات لخلق صورة مثيرة للإعجاب للقوة الناعمة إلـى جانب صــورة القوة الصلبة، والتي تمكِّن الصين من شق الطرق إلى تخوم مناطق منافستها نفسها.

على سبيل المثال، تشكل أستراليا ديمقراطية غنية وقوية بدرجة عالية من التضامن الاجتماعي، وعموداً حاسماً للنظام الأميركي -ويصادف أنها تقع في طريق توسع الصين. وكان نفوذ الصين وتدخلها هناك ينموان بثبات على مدى الجيل الأخير، كنتيجة طبيعة للاعتمادية الاقتصادية المتبادلة، وبفضل حملة مثابِرة طويلة الأمـد شنتها الصين لإغواء أستراليا لتكون نسخة القرن الحادي والعشرين من تطبيع فنلندا 1) Finlandization.) وتجري عمليات مشابهة عبر كل آسيا وأوروبا، بينما تعكف الصين على بناء "أوراسيا كبرى" متمحورة حول بكين، بل وربما تحويل وجهات أوروبـا نفسها بعيداً عن الأطلسي.

في الوقت الحالي، يعطي تراجع الولايات المتحدة دفعة للصين. لكن هناك في الحقيقة، كما لاحظ آدم سميث، "قدر كبير من الدمار في الأمة"، وتبقى الولايات المحدة أقوى قوة في العالم، وبمسافة كبيرة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه ستكون لعبة ثنائية صرفة. نعم، لقد سمحت المملكة المتحدة لألمانيا بأن تصعد وتقود تحدياً للهيمنة ضدها –مرتين. لكنها سمحت أيضاً للولايات المتحدة بأن تصعد، وهكذا، عندما جاءت تلك التحديات، كان من الممكن –كما فهم ونستون تشرشل- أن يأتي "العالم الجديد"، بقدرته وقوته، لنجدة "العالم القديم".

بنفس الطريقة، سمحت الولايات المتحدة للصين بأن تصعد، لكنها سهّلت أيضاً نمو أوروبا، واليابان، والهند، والبرازيل والكثير من الآخرين. ومهما كان مقدار احتمال ضيق هؤلاء اللاعبين بعناصر من القوة الأميركية أو مطاردة الاستثمار الصيني، فإنهم سيفضلون استمرار الترتيبات الحالية على إجبارهم على الخضوع للـ"المملكة الوسطى".

قد تبدو قضية اليوم متعلقة بما إذا كان مجال النفوذ الصيني يمكن أن يتسع من دون أن ينقض النظام الحالي الــذي صنعته الـولايـات المتحدة والنظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. لكن السفينة أقلعت فعلاً: فقد توسع مجال الصين بشكل مذهل وســوف يواصل ذلــك. وفـي الوقت نفسه، كسب انبعاث الصين لها الحق في أن تكون صانعاً للقواعد. وبذلك، يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الصين ستعامل الدول الأخرى بازدراء وقسوة، لأنها تستطيع -ومــا إذا كانت الولايات المتحدة ستتقاسم معها القيادة العالمية، لأنها يجب أن تفعل.

هل تكون التزامات المُهيمن متعالقة، بحيث يعني التخلي عن بعض منها تقويض البقية؟ هل يمكن أن تتحلل التحالفات والضمانات في مكان بينما تبقى تلك الموجودة في مكان آخر متماسكة؟ باختصار، هل إعادة التخندق ممكنة، أم أن أدنى إلماح إلى التراجع يجب أن يتحول إلى هزيمة؟ ربما يكون انتقال أميركي منفذ جيداً من نشاط الهيمنة المفرط إلى انخراط عالمي أكثر انتقائية على أساس المصالح الجوهرية موضع ترحيب في الوطن والخارج على حد ســواء، مهما كان مقدار شكوى الساسة والمفكرين من هذا الاتجاه. لكن حالات إعادة التخندق السلمي تظل نادرة، ولم تبدأ أي منها من مثل هذه القمة.

لا يخبرنا التاريخ بأي شيء عن المستقبل سوى أن المستقبل سيفاجئنا. ربما تعمل تقنيات الطباعة ثلاثية الأبـعـاد، والـذكـاء الاصطناعي والـثـورات الرقمية والجينية، على إحداث انقلاب في التجارة وتزعزع استقرار العالم بشكل جذري. لكن النتائج الجيدة في الجيوسياسة تبقى ممكنة أيضاً –فليست الواقعية مشورة لليأس. وحتى يتمكن مجالدو اليوم من اجتياز المتناقضات وتجنب التشاجر والإطباق على حناجر بعضهم البعض مثلما فعل معظم أسلافهم، ثمة أربعة أشياء ستكون ضرورية. على صانعي السياسة الغربيين أن يجدوا طرقاً لجعل أغلبيات كبيرة من مواطنيهم تستفيد من -وتعتنق عالماً مفتوحاً ومتكاملاً. ويجب على صانعي السياسة الصينيين أن يواصلوا صعود بلدهم بشكل سلمي، من خلال التسويات، بدلاً من التحول إلى الإكراه في الخارج أيضاً. وتحتاج الولايات المتحدة إلى إيجاد التوازن الصحيح تماماً بين الردع القوي والطمأنة القوية مع الصين، وأن تعيد ترتيب بيتها محلياً. وأخيراً، سيكون على نوع من المعجزة أن يعتني بتايوان. *مؤرخ وأكاديمي ومؤلف أميركي. وهو حالياً أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة برينستون، وزميل معهد هوفر في جامعة ستانفورد. آخر كتبه هو الثاني مما يفترض أن تكون ثلاثة مجلدات، والذي يناقش حياة وأوقات الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، "ستالين في

انتظار هتلر، ‪2017(.) 1941-1928."‬ *نشر هذا المقال تحت عنوان: ‪Realist World:‬ ‪The Players Change, but the Game‬ Remains

هامش: (1( تطبيع فنلندا، هو العملية، أو النتيجة التي دفعت فنلندا -لأسباب اقتصادية- إلى تفضيل، أو على الأقل عدم معارضة، مصالح الاتحاد السوفياتي السابق على الرغم من عدم تحالفها سياسياً معه.

– )أرشيفية(

ركزت النخب الغربية على حصاد منافع العولمة بدلاً من تقليل كلفها، ونتيجة لذلك، زودت العملية بشحنات من القوة الإضافية، لتزيد بذلك من عواقبها المدمرة ما كان صعود الولايات المتحدة ليحدث من دون ضعف الصين، بالنظر إلى مدى أهمية الهيمنة الأميركية على آسيا للتفوق الأميركي تخلق العولمة الثروة عن طريق إغواء المراكز الحضرية الدينامية في الدول الغنية بالاستثمار في الخارج بدلاً من الاستثمار في الأطراف في الوطن اجتمعت الثروة مع الثبات لخلق صورة مؤثرة للقوة الناعمة إلى جانب القوة الصلبة، وهو ما يمكن الصين من شق الطرق إلى تخوم مناطق خصمها سوف يتحدد مسار العصر القادم إلى حد كبير بالكيفية التي تدير بها الصين والولايات المتحدة موارد قوتيهما والعلاقة بينهما

عامل يستعد لتنظيف تمثال الزعيم الصينى الراحل ماو تسي تونغ فى مقاطعة سيتشوان بجنوب غرب الصين

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.