استمرار الحرب الأهلية الأميركية

Al Ghad - - 7 - جيفري د. ساكس*

نيويورك — مـا تــزال أميركا في حالة حـرب أهلية حقيقية. لقد هُزمت الكونفدرالية فـي الجولة الأولــى في ستينيات القرن التاسع عشر. لكن، أصبحت الكونفدرالية الآن في القمة بشكل مؤقت. لا تزال الولايات المتحدة دولة منقسمة إلى ثقافتين.

منذ البداية، كانت الولايات المتحدة عبارة عن ساحة معركة بين رؤيتين متنافستين. كانت العقيدة الفلسفية الأساسية لأميركا هي أن "كل الناس خلقوا متساوين". لكن الحقيقة الفعلية هي أن الذكور البيض كانوا أكثر مساواة بكثير من أي شخص آخر. كان الرجال البيض يستعبدون الناس، ويحرمون النساء من التصويت، ويستولون على أراضي وحياة الأميركيينالأصليين.

خلال الحرب الأهلية ،1865-1861 تمكنت 19 ولايــة شمالية من هزيمة الكونفدرالية المالكة للعبيد، التي كانت تتشكل من 13 ولاية انفصالية، ثم احتلتها الحكومة الفيدرالية لمدة اثنتي عشرة سنة. لكن بعد انتهاء "إعادة الإعمار" في عـام 1877، مــارس الجنوب العنصرية النظامية بقوة لمدة قـرن تقريبًا، إلى أن أصــدر الكونغرس الأميركي قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون حقوق التصويت لعام 1965، بدعم من الديمقراطيين الشماليين. منذ ذلك الحين، ترك الناخبون الجنوبيون البيض الحزب الديمقراطي بشكل جماعي. احتضن الجمهوريون ما يسمى بـ "الإستراتيجية الجنوبية" والتي تتمثل في مقاومة صعود الأميركيين من أصل أفريقي والأقليات الأخرى ومعارضة التشريع الذي من شأنه نقل أي مال أو منصب أو سلطة لهم.

وهكذا أصبح الجمهوريون ينتمون إلى حزب الجنوب، والديمقراطيون إلى حزب الشمال الشرقي والمحيط الهادئ، مع انتماء الـولايـات الغربية الوسطى والجبلية إلى المناطق المتأرجحة. تميل منطقة البحيرات العظمى الصناعية نحو الديمقراطيين بينما تميل الولايات الزراعية في الغرب الأوســط والولايات الجبلية إلـى الجمهوريين. كما حملت الولايات الغربية الوسطى والجبلية ثقافة الــحــدود للمستوطنين البيض الذين قمعوا الأميركيين الأصليين والمهاجرين الآسيويين وذوي الأصول الأسبانية.

تُسبب ملكية السلاح انقسامًا آخر بين الديمقراطيين والجمهوريين. تعكس ثقافة السلاح عند الحزب الجمهوري نفس التوجه الثقافي الذي يميز وجهات نظره المناهضة للأقليات. يشير المؤرخ روكسان دونبار أورتيز في كتاب تحت عنوان "لودد" الـى أن "الميليشيات المنظمة تنظيما جيدا" والمذكورة في التعديل الثاني للدستور الأميركي، الذي يمنح الحق في حمل السلاح، كانت عبارة عن مجموعات من البيض الذين قاموا بمهاجمة القرى الأميركية الأصلية ومــطــاردة العبيد الفارين.

وكما يشير آفيديت أشـاريـا وماثيو بلاكويل ومايا سين في كتابهم الأخير الذي يحمل عنوان "الجذور العميقة: كيف لا تزال العبودية تشكل السياسة الجنوبية"، فقد أدى إرث العبودية والتمييز العنصري عقب الحرب الأهلية إلى ظهور الثقافة السياسية الحالية في الجنوب. كما يقولون إنه "في المناطق المالكة للعبيد سابقا، يعد البيض الأكثر احتمالًا لمعارضة الحزب الديمقراطي والعمل الإيجابي، والتعبير عن المشاعر التي يمكن تفسيرها على أنها استياء".

لا تختلف الأحــــزاب الديمقراطية والجمهورية على المستوى الثقافي والجهويفحسب،ولكنأيضاًاعلىالمستوى الاقتصادي. تقود دول شمال شرق آسيا والمحيط الهادئ الولايات المتحدة إلى التكنولوجيا المتقدمة والابتكار والتعليم العالي والوظائف ذات الأجر الجيد ونصيب الفرد من الدخل. لكن الجنوب متخلف للغاية. لا يدافع الرجال البيض من الطبقة العاملة في جنوب ووسط الغرب فقط عن وضعهم وعن امتيازاتهم العرقية، بل أيضا عن وظائفهم في الصناعات حيث تقضي الأتمتة والتجارة الخارجية على العمالة بشكل مطرد.

مع التخلي عن السياسة الجمهورية القائمة على التمييز العرقي لصالح السياسة القائمة على الصراع الطبقي، سيستفيد البيضمنالطبقةالعاملةفيالجنوببشكل كبير. وبعد كل شيء، تعمل نخب الشركات البيض - وليس الأفارقة الأميركيون الفقراء، والأسـبـان، والأقليات الأخــرى - على منع البيض من الطبقة العاملة من الالتحاق بالمدارس العامة الجيدة، والحصول على الرعاية الصحية المتاحة، والسلامة البيئية. يستغل أعضاء مجلس الشيوخ البيض الجنوبيون الحرب الثقافية لحماية المانحين الأغنياء لدى الجمهوريين، الذين يتغذون على تخفيض الضرائب على الشركات وإلغاء القيود البيئية في حين يجعل الحزب من الأميركيين الأفارقة والأسبان كبش فداء لهم.

*جيفري د. ساكس هو أستاذ التنمية المستدامة والسياسة والإدارة الصحية في جامعة كولومبيا، ومدير مركز كولومبيا للتنمية المستدامة وشبكة حلول التنمية المستدامة

للأمم المتحدة. ينشر بالتعاون مع "بروجيكت

سنديكيت"

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.