تعليم جامعي مجّاني!

Al Ghad - - 8 -

كان طريفا حديث رئيس إحدى الجامعات الخاصة، الذي كان يتحدث على شاشة تلفزيون محلي، قبل أيام، حين سأله المذيع: لماذا التعليم الجامعي في كل العالم مجاني إلا عندنا؟

قال الأكاديمي بثقة: لأنك لا تستطيع أن تجمع بين شيئين، جودة التعليم ومجانيته!

وهكذا اطمأنت قلوب المشاهدين أن التعليم الجامعي لدينا أكثر جودة منه في بريطانيا!

ثم راح يُنظر عن قدرات الدولة على التعليم ووو.. فقال له المذيع أن دولا فقيرة جدا في الجوار، منهارة تماما، أو على الأقل اقتصادها بحالة نزيف مستمر، مثل مصر، لكن ذلك لم يوقف مجانية التعليم، فضحك الأكاديمي ساخراً وأجاب: ولكن انظر للجودة!

وكأنه يريد أن يقنعنا ان جامعته الخاصة التي لم تكمل السنتين هي أكثر جودة من “جامعة الاسكندرية” أو “عين شمس”!

هذا التبجح الذي لا يحتمل في الدفاع عن سياسات اقتصادية مشوهة صار لا يمكن السكوت عليه، وليس مرغوبا على الشاشة، فالمواطن ليس بهذا الغباء، ومخاطبته لا يجب أن تكون بهذا التسطيح!

لن نتحدث هنا عن الدول الغنية، ودول العالم الأول، والشعوب المدلَّلة، التي تنعم بفائض من “الحقوق” والخدمات و”النِعَم” مقابل الضرائب التي تدفعها، بل نقارن أنفسنا بدول عربية أكثر فقراً وضنكاً، مثل مصر والمغرب وسورية، ففي بلد مثل مصر عدد سكانها يقارب المائة مليون يحتفظ كل من ينهي الثانوية العامة بحقه بمقعد جامعي دون مقابل، فيما في المغرب الذي يتجاوز عدد سكانها أربعة أضعاف الأردن يأخذ كل طالب جامعي مكافأة شهرية إضافة إلى مقعده الجامعي!

في بلادنا يشكّل التعليم الجامعي اختبارا صعبا للعائلة كاملة، حيث تضطر الى إعادة ترتيب أولوياتها وبرنامج إنفاقها، وجدولة ديونها، لتعليم طالب واحد، وينعكس ذلك على الوضع المعيشي لكل أفراد الأسرة، حيث يدفع الجميع “ثمن” أن يحظى الشقيق أو الشقيقة بفرصة التعليم الجامعي.. أما في الأسرة التي يتزامن أن يجلس إثنان او ثلاثة من أبنائها على مقاعد الجامعة معاً، فتلك محنة تقتضي التضحية بالكثير، للحصول على شهادة هي في أغلب دول العالم الفقير حق عادي لا يلفت الانتباه ولا يستدعي الشكر!

وحين لاحظ المعنيون عندنا أن الرسوم والأقساط لم تحقق الجشع المطلوب، ومبالغة في سياسة “الجباية”، اخترعوا فكرة التعليم الموازي، بحيث تدفع شريحة أخرى من الطلبة ضِعف أو ضِعفي ما دفعت الشريحة الأولى، ثم يجتمع طلاب الشريحتين بعد ذلك في قاعة دراسية واحدة ويتلقون نفس المحاضرة، عند نفس الدكتور، رغم أن “الموازي” اخترع بحجة أن التخصص لا يستوعب هذا العدد من الطلبة ! لكن سياسة الدفع تجعل القاعة أوسع ومقاعدها أكثر!

ولتعظيم عدد هذه الشرائح الموازية، والمدرّة للدخل المضاعَف، يجري كل عام رفع معدلات القبول في برنامج التنافس، رغم أن الطلاب المقبولين في لائحة التنافس الجامعي هم أيضاً مصدر دخل عالٍ، ويشكلون منجماً ثميناً لسياسة “الجباية!

المواطن الذي فهمت الحكومات المتعاقبة فيما يبدو أنه “أغنى ما نملك”، فاتجهت الى “استثماره” كأفضل مصدر للدخل القومي.

بالتأكيد لا يدفع مواطنو تلك الدول ضرائب أكثر منّا )لا أحد فيما أعتقد يدفع مثلنا(، وبالتأكيد ليست تلك الدول أعلى دَخلاً منّا، ولا هي أكثر استقرارا اقتصاديا مِنّا، فضلا عن أن عدد سكانها أضعاف ما لدينا، فلماذا يكون التعليم العالي حقا مجانيا لكل فرد في هذه الدول، إلا نحن!

هل لدى الحكومة إجابات مقنعة لهذا السؤال، غير تلك الأناشيد المملة التي نسمعها عن “ضعف الموارد”، ثم ما هي الخدمات المجانية التي تقدمها الدولة لمواطنها إذا كان يدفع سنويا بدل تعبيد الشارع الذي يمرّ من أمام بيته ؟ هل يمكن للحكومة الجليلة أن تعدّ لنا كشفا بالخدمات المجانية التي يتلقّاها المواطن الأردني!

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.