نهاية عدم الانحياز الإسكندنافي

Al Ghad - - 13 - كارل بيلدت*

تغير المشهد الأمني في السنوات الأخيرة في شمال أوروبا. ففي الرد على النزعة التحريفية العدوانية الروسية، قرر حلف شمال الأطلسي نشر مجموعات قتالية تتألف من كتائب في إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، فضلاً عن أسراب من القوات الجوية لحراسة سماء هذه الدول. وفي كل من السويد وفنلندا، يتزايد الإنفاق على الدفاع، ويدور الآن جدال مستمر حول ما إذا كان من الواجب ترقية الشراكة المميزة مع منظمة حلف شمال الأطلسي إلى العضوية الكاملة. ‪* * *‬ ستوكهولم - منذ أن ترجلت القوافل العسكرية القادمة من مختلف دول منظمة حلف شمال الأطلسي من سفنها الراسية في غرب السويد، تكتظ الشوارع السويدية بهذه القوات إلى الحد الذي دفع الشرطة إلى إصدار التحذيرات المرورية. والآن، تنطلق هذه القوات إلى النرويج، حيث من المقرر أن يجتمع نحو 50 ألف جندي، وطيار وملاح جوي، وبحار، في إطار أكبر مناورة عسكرية لحلف شمال الأطلسي منذ سنوات. والهدف الواضح من هذه العملية المسماة "تريدنت جنكشر" هو إثبات قدرة الحلفاء على الدفاع عن النرويج ضد أي معتد أجنبي.

ولا نحتاج إلـى تسمية المعتدي المحتمل بطبيعة الحال. فمن الواضح أنه ليس السويد أو فنلندا، وقد ساهمت كل من الدولتين بجنود في التدريب. وخلال حقبة الحرب الباردة، خضعت فنلندا إلى ضغوط سوفياتية مع سعي الكرملين إلى توسيع حيز المناورة المتاح له. لكنها ظلت ثابتة دائماً على التزامها بالدفاع عن هويتها الشمالية والغربية.

على نحو مماثل، امتنعت السويد عن الانضمام إلـى حلف شمال الأطلسي، نظرا لحيادها الجيوسياسي القديم، وانطلاقا من التضامن مع الفنلنديين. وعلى الرغم من انضمام الدنمارك والنرويج إلى الحلف، فقد اختارت كل منهما الامتناع عن استضافة أي قوات أجنبية في وقت السلم.

لكن المشهد الأمـنـي تغير فـي السنوات الأخيرة في شمال أوروبا. ففي الرد على النزعة التحريفية العدوانية الروسية، قرر حلف شمال الأطلسي نشر مجموعات قتالية تتألف من كتائب في إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، فضلا عن أسراب من القوات الجوية لحراسة سماء هذه الدول. وفي كل من السويد وفنلندا، يتزايد الإنفاق على الدفاع، ويدور الآن جدال مستمر حول ما إذا كان من الواجب ترقية الشراكة المميزة مع منظمة حلف شمال الأطلسي إلى العضوية الكاملة.

من جانبها، تعترف السويد بالفعل بأن أراضيها سوف تقع داخل مسرح عمليات حلف شمال الأطلسي إذا اندلع صراع في شمال أوروبا، وكان هذا الإدراك موضع اعتبار على نحو متزايد في سياستها الأمنية واستعداداتها الدفاعية. وتدرك مؤسسة السياسة الخارجية السويدية أن أي تهديد لسيادة دول البلطيق أو النرويج يشكل أيضا تهديدا لأمن السويد. ومن ثم فإن السويد لا تشارك في هذا التدريب العسكري فحسب، بل وتعمل أيضاً على تطوير شراكة أمنية مع بولندا لضمان القدرة على الدفاع عن منطقة بحر البلطيق.

الواقع أن شراكة السويد متزايدة العمق مع حلف شمال الأطلسي بعيدة كل البعد عن عقيدة عدم الانحياز في حقبة الحرب الباردة. ففي ذلك الحين، كان رُعاة الحياد ليعترضوا بشدة على أي تلميح إلى التعاون مع حلف شمال الأطلسي والغرب على أنه عمل من أعمال الخيانة. وكانت الاستراتيجية تتلخص في إقناع الكرملين بأن لا شيء من هذا القبيل قد يحدث أبدا.

لكن كل ذلـك كــان، بطبيعة الحال مجرد تمثيلية. فقد جند الاتحاد السوفياتي ما يكفي مـن الأصــول عالية المستوى فـي الحكومة السويدية لاكتشاف روابطها السرية مع الغرب. وأياً كان ما سيق الشعب السويدي إلى تصديقه حول حياد البلاد، فقد أدرك السوفيات أن ذلك كـان كذبا. والآن انتهى الـخـداع: فقد أصبح التكامل العسكري الكامل مع منظمة حلف شمال الأطلسي قاب قوسين أو أدنى.

ومع ذلك، تظل العضوية الكاملة في الحلف قضية مثيرة للجدال في السويد. في الأيام الخوالي، كانت السياسة الخارجية التي تنتهجها السويد ممزقة بين نهجين مختلفين تمام الاختلاف. فمن ناحية، كانت السويد ناشطة منفتحة على الخارج، وتبدو أقرب إلى منظمة غير حكومية من كونها دولة قومية؛ ومن ناحية أخــرى، حافظت على سياسة "أمنية عميقة" مفرطة الواقعية، وإن كان الحديث عنها يدور دوماً بصوت خافت من وراء الأبـواب المغلقة. وحتى يومنا هــذا، يقف نفس الـصِـدام بين الثقافات في طريق أي مناقشة عقلانية حول السياسة الأمنية.

أما عن فنلندا، فإنها كانت تتبنى دائماً العديد من التوجهات الثانية، ولكن لم يكن لديها أي توجه أول تقريباً. وفي غياب أي قدر يُذكَر من الخلاف الداخلي، فإنها كانت قادرة على التكيف مع الحقائق الجيوسياسية الجديدة بسهولة أكبر كثيراً. وعلى سبيل المثال، أعلنت فنلندا بوضوح أنها تعتبر الالتحاق بعضوية منظمة حلف شمال الأطلسي خياراً مهماً لسياستها الأمنية، وهو الأمر الذي لم يكن يسار الوسط السويدي على استعداد لتقبله بعد.

على الرغم من ذلك، ومع التدريب العسكري المرتقب، سوف يشاهد السويديون لواء بقيادة سويدية )يضم وحدات سويدية وفنلندية( وهو ينضم إلى قوات حلف شمال الأطلسي في إطار تدريب دفاعي واسع النطاق. وسوف يشهدون المدى الذي أصبحت عليه بالفعل القوات الجوية السويدية والفنلندية والنرويجية من التكامل. وســوف يراقبون فنلندا وهـو تقود تدريبات بحرية في بحر البلطيق.

في السنوات المقبلة، سوف تستمر السويد في الاقتراب من حلف شمال الأطلسي. وسوف تؤدي التدريبات المشتركة إلى تنسيق عملياتي أعمق وإنشاء قــدرات ردع مشتركة لمنطقة شمال أوروبا وبحر البلطيق بالكامل.

من المؤكد أن التعبئة اليوم ليست مدفوعة بتهديد شديد من روسيا. لكن الجهود العدوانية القوية التي تبذلها روسيا لتحديث مؤسستها العسكرية تتطلب أن يعكف الغرب على زيادة قدراته الدفاعية في المنطقة. ويتعين علينا أن نبعث برسالة واضحة مفادها أن أعمال العدوان الانتهازية لن تمر من دون رد، سواء الآن أو في المستقبل. ومـن خـلال الاستعدادات الدفاعية اللائقة، سوف يصبح بوسعنا أن نضمن السلام والاستقرار في المنطقة، وهو شرط أساسي مسبق للتقدم نحو علاقة بنّاءة مع روسيا في الأمد البعيد.

*كان وزير خارجية السويد من العام 2006 إلى العام 2014 ورئيس الوزراء فيها من العام 1991 إلى العام 1994، عندما تفاوض على انضمام السويد إلى الاتحاد الأوروبــي. وهو دبلوماسي دولي معروف، شغل منصب المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبـــي إلـى يوغوسلافيا السابقة، والممثل الأعلى للبوسنة والهرسك، ومبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى البلقان، والرئيس المشارك لمؤتمر دايتون للسلام. وهو رئيس اللجنة العالمية لحوكمة الإنترنت وعضو في مجلس الأجندة العالمي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي حول أوروبا.

الجهود العدوانية القوية التي تبذلها روسيا لتحديث مؤسستها العسكرية تتطلب أن يعكف الغرب على زيادة قدراته الدفاعية في المنطقة

قوات مشاركة في مناورات عسكرية مشتركة للدول الاسكندنافية - )أرشيفية(

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.