التطهير الجيني أو أطفال حسب الطلب!

Al Ghad - - 12 - د. عاصم منصور [email protected]

اهتزت الأوساط العلمية والطبية على وقع الأنباء القادمة من الصين عن نجاح فريق علمي صيني في إجــراء أول عملية تصحيح جيني لطفلتين توأم حيث تم تعديل الجين الــذي يكسبهما مناعة ضد مرض نقص المناعة المكتسبة بعد أن قام بتخصيب بويضات بحيوانات منوية تم الحصول عليها من رجال مصابين بفيروس "اتش آي في" الذي يسبب مرض نقص المناعة المكتسبة وقام بإبطال الجين المسؤول عن هذا الفيروس ليحصل على أجنة مقاومة للمرض.

قد يبدو هذا الحدث الطبي فتحا عظيما للوهلة الأولــى لكننا يجب أن لا نأخذه بمعزل عن الجوانب الأخلاقية والاجتماعية والقانونية المرتبطة به فمنذ نجاح العلماء في استخدام تقنية هندسة الجينات في تعديل التركيبة الجينية للأجنّة والوسط العلمي يتخوف من اليوم الذي سيتمكن فيه العلماء من إنتاج أطـفـال معدلين جينياً لكن هذا الجدل الذي كان نظريا في السنوات الماضية أصبح واقعيا اليوم في حال تم التأكد من الأنباء القادمة من الصين.

ففي الوقت الذي تجرم فيه معظم الدول ومن ضمنها الولايات المتحدة عملية إصــلاح جينات الأجنة فإن القانون الصيني لا يعتبرها مخالفة للقانون رغم المعارضة الشديدة لها من قبل مئات العلماء الصينيين الـبـارزيـن والـذيـن أطلقوا صرخة حــول الـضـرر الــذي سترتبه هذه التجارب على سمعة الأبحاث العلمية الصينية.

لا شك أن معالجة بعض الطفرات الجينية قد يكون الحل الأمثل لعلاج بعض الأمراض الوراثية وهي كثيرة وواسعة الانتشار، وقد تغلب العلم على الكثير من العقبات التقنية لكن العالم ليس جاهزاً بعد للإجابة عن العديد من الأسئلة الأخلاقية والاجـتـمـاعـيـة الناتجة عــن هذه التقنية.

فهناك مخاوف مشروعة تنتاب الأوساط العلمية من سوء استغلال هـذه التقنية في تحوير الجينات لتصميم أطفال بصفات جسدية معينة من لـون البشرة أو البنية الجسدية أو القدرة العقلية وبالتالي التلاعب في تنوع الجنس البشري من خلال السعي إلى الكمال البشري.

لقد حــاول البعض عبر التاريخ بوسائل مختلفة التلاعب في عملية الانتخاب الصناعي للجنس البشري مـن خــلال التخلص مـن الضعفاء وأصـحـاب الأمـــراض والسعي إلى النقاء العرقي لكن الخوف هنا أن يتم ذلك من خلال التلاعب بالجينات البشرية من خلال إنتاج بشر خالين من الطفرات الجينية وهي عملية غير مأمونة العواقب، حيث لا توجد ضمانة علمية فـي عــدم حصول أضرار جسيمة خلال عملية الإصلاح الجيني.

هـذا الموضوع هو أحـد مظاهر الفصام بين التقدم العلمي الذي لم يواكبه تقدم في مجال التعامل مع القضايا الأخلاقية والاجتماعية المرتبطة به فرغم التطور الكبير الــذي حــدث مـؤخـرا على تقنيات تصحيح الجينات والذي جعل منها أكثر أمنا من الناحية التقنية إلا أن المسائل الأخلاقية والاجتماعية التي ستحضر حتما بقوة نتيجة لهذا التطور ما زالت تراوح مكانها.

لا شك أن تقنية إصلاح الجينات سيكون لها شأن في العلاج والوقاية من الكثير من الأمــراض الوراثية لكن طمع الانـسـان قد يــؤدي إلى انـفـلات لا تحمد عقباه فخطورة عملية التصحيح الجيني تكمن في عـدم اقتصارها على الحاضر بل انتقال الجينات المعدلة والمحورة إلى الأجيال القادمة ما قد يؤدي إلى تغيرات في الجنس البشري لا رجعة عنها فهل تحقق أنابيب المخابر مـا عـجـزت عـن تحقيقة الأنظمة الشوفينية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.