Al Ghad

ماذا نترجم..؟!

- علاء الدين أبو زينة ala.zeineh@alghad.jo

ذات مــرة، تلقيت من دار نشر عرضاً لترجمة روايــة مهمة من أفضل الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة. وبعد أن قطعت شوطاً جـيـداً فـي ترجمة نـص لـم يكن سهلاً، قررت الاعتذار عن الترجمة، )لأنني لم أكن مرتاحاً(. فكرتُ في ذلك الحين: كاتب الرواية يهودي، وأبطال الرواية يهود أميركيون. وفي الحقيقة، لم تكن في الرواية أي إشـارة إلى الكيان الصهيوني، ولــم يــرد فيها أي ذكــر للعرب أو مشكلة الــشــرق الأوســــط. كـان موضوعها تاريخ عائلة يهودية في أميركا وتفاعلاتها هناك، انتهاءً بابنة مراهقة تخرق التقاليد، وتتمرد وتنضم إلى حركة مناهضة للحرب في فيتنام، وتشارك في الاحتجاجات إلـى حد زرع قنابل. وربما كان العامل المهم وراء عدم الارتياح هو الجهة التي علمت أنها تموّل الترجمة، ودفعني شكي في

نواياها إلى التفكير بأنه لا بد أن يكون هناك شيء وراء اختيارها لا أدركه.

باستبعاد مسألة الجهة الراعية، تــســاءلـ­ـتُ منذ ذلــك الحين عن شروط العمل الذي يمكن ترجمته، ومــلــتُ إلــى التفكير بــأن قصة الكاتب اليهودي والعائلة اليهودية تعارضت جوهرياً مع تصوراتي العامة عن المعرفة وما أبشر به. في النهاية، ينتمي هذا الموقف إلى اختيار إغلاق الأذنين والعينين عن سماع ورؤية شيء يقال ويحدثُ في العالم كطريقة لإنكار وجوده وعدم الرغبة في إطلاع الآخرين عليه. ويبغي أن يكون هناك فرق بين رفض الاطلاع على شيء مطروح وبين رفض أطروحته أو قبولها. ولا ينبغي أن يكون الانفتاح على المعرفة ،وللمعرفة، موقفاً شخصياً، وإنما موقف ثقافي/ سياسي سائد إذا ما أريــد لهذه الأمــة أن تكون حاضراً واعياً في العالَم، يعرف عنه، ويتفاوض معه من موقف العارف بما يُباع عليه وما يعرضه.

مـــاذا نــتــرجــ­م، ســـؤال محاط بالمشاكل، أسهل إجابة عنه هي سرد العناوين: «الترجمة العلمية، والقانونية، والسياسية، والأدبية، والتتابعية، والفورية»، كما قيل في مؤتمر أخير عن الترجمة. لكنّ هناك عملياً عشرات الأشياء التي تحدد ما

يجده الناس في سوق الترجمة.

هناك العامل التجاري الذي يجعل الناشر يفكر في مادة يُمكن أن تُجاز في أكبر عدد من الـدول العربية. وهــنــاك مـوقـف الجهة الراعية للنشر، الذي يجعلها تستبعد كل ما يتعارض مع هذا الموقف. وهناك الخوف من الميل الشائع إلى لصق موقف المادة المترجمة بالناشر والمترجم. على سبيل المثال إذا ترجمتَ نصاً لصهيوني يصف العرب بأنهم إرهابيون، تُعامل كأنك أنت الذي وصفتهم كذلك – مثل الممثل الذي يتقمص دور شرير في عمل فني، فيسبه الناس في الشارع.

وهــنــاك اتـهـامـك بـأنـك تعبث بالأخلاق، أو الدين، أو تحرض على الثورة والاضطرابا­ت، إذا ترجمت شيئاً «مـوت الأيديولوج­يا» مثلاً، أو المثليين، أو شيئاً كتبه سياسي غـربـي أو صهيوني فضح فيه صفقات سياسية، أو عـرض فيه قراءة لا تُعجِب للمجتمع العربي – ومئات المحرمات. ومن تجربتي، مثلاً، إن دولة عربية رفضت إجازة عمل أدبي مترجم لأن شخصية فيه تعبر عن موقف شخصي من الدين. وعرفت عن تردد في ترجمة عمل داروين المهم، خوفاً من ردة فعل تتهم الجهة التي تترجم تفسيراً لأصل الأنواع غير الرواية الدينية، بترويج الكفر... وهكذا.

باختصار، يميل الاختيار العربي السائد، بشقيه الثقافي والسياسي، إلــى عــدم الرغبة فـي سماع أي كلام مختلف قد يحرك التصورات الساكنة العنيدة غير المرنة التي تكوّن هذه المنطقة، حتى مع أن كل شيء في الواقع يُملى على العرب، سواء في المعرفة أو السياسة -بل وحتى طريقة حياتهم نفسها في «الليمبو» الشرير الذي علقوا فيه.

هذه الانتقائية سيئة المشورة لما نترجم ونسمعه طباق للقرد الذي لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم. إنـهـا تجردنا مــن إمكانية فهم العالم وإدراك موقعنا فيه. وبذلك تجردنا من إمكانية الردّ، لا عملياً ولا معرفياً، والمراوحة في المكان الضيق فاقد الخيارات والخيال.

مـــاذا نـتـرجـم، قــد نجيب في صفحات، وقد نجيب في كلمتين: كل شيء. ينبغي الإعداد لإمكانية سماع الجميع، في الشرق والغرب والجنوب ومن كل اللغات. وينبغي الـبـدء فـي الترجمة مـن العبارة الأولى من دون حتى الاطلاع على كل النص لأجل «التقييم» الذي سيستبعد الكثير. بعد كل شيء، هذا شيء قيل في العالَم، وينبغي سماعه. لكن التصور بعيد المنال، بطريقة مخيبة.

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan