السلاح الإلكتروني

قبل كل شيء، يجب على الولايات المتحدة أن تُثبت للجميع أن الهجمات الإلكترونية والتلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي سيكون أمراً مكلفاً

Al Shabiba - - المؤشر -

يتنقلون بحقائب تحتوي على أموال وأسرار.

وإذا كان الرئيس الروســـي فلاديميـــر بوتين يرى أن بلده يخوض صراعـــاً مع الولايـــات المتحدة ولكـــن الذي يردعه عن استخدام مســـتويات عالية من القوة هو مخاطر اندلاع حرب نووية، فربما يكون »الســـلاح الأمثل« إذن هو السلاح الإلكترونـــي. وهذا هو عنوان كتاب مهـــم جديد كتبه ديفيد ســـانجر، مراســـل صحيفة نيويـــورك تايمز، الـــذي يرى أن الهجمـــات الإلكترونية »يمكن اســـتخدامها لنَسْـــل الخيوط المدنيـــة التي تمنـــع انفراط الديمقراطيـــة ذاتها« فضلا عن »اســـتخدامها لتقويض البنوك وقواعد البيانات وشـــبكات الكهرباء وغيرها .«

لقـــد كان التدخـــل الإلكتروني الروســـي فـــي الانتخابات الرئاســـية الأمريكية في العـــام 2016 مُبتكَـــرا. فلم تكتفِ وكالات الاســـتخبارات الروســـية باختراق البريد الإلكتروني للجنـــة الوطنية الديمقراطية وتســـريب النتائـــج من خلال منظمـــة ويكيليكس وغيرهـــا من المنافذ مـــن أجل توجيه الأجنـــدة الإخبارية الأمريكية، بل اســـتخدمت أيضا منصات تواصـــل اجتماعي يقع مقرها في الولايات المتحدة من أجل نشـــر أخبار كاذبة وحشـــد جماعات أمريكية معارضة. فإذا كانت القرصنة الإلكترونية عملا غير قانوني، فإن اســـتخدام وســـائل التواصل الاجتماعي لبـــث الاضطراب ليس كذلك. وتجلت عبقرية الإبداع الروســـي في حـــرب المعلومات في الجمع بين التكنولوجيات الحالية بدرجة من إمكانية الإنكار لتظل في درجة أقل من مستوى الهجوم العلني.

وقد حذرت وكالات الاستخبارات الأمريكية الرئيس باراك أوباما من الأســـاليب الروسية، وحذر أوباما بدوره بوتين من التبعات الســـلبية لذلك حينما التقى الرئيسان في سبتمبر 2016. ولكن لم يرغب أوباما في أن يذكر اســـم روسيا علنا أو أن يتخذ إجراءات قوية خشـــية أن تقوم روسيا بالتصعيد بمهاجمة آلية الانتخابات أو القوائم الانتخابية فيلحق الضرر بالنجاح المتوقـــع لهيلاري كلينتون. لكن بعـــد الانتخابات، تحـــدث أوباما على الملأ وطرد الجواســـيس الروس وأغلق بعـــض المرافق الدبلوماســـية، لكن ضعف الـــرد الأمريكي قلص من أي أثر رادع. ولأن الرئيس دونالد ترامب قد تعامل مع الأمر على أنه تحدٍ سياسي يطعن في شرعية فوزه، فقد فشلت إدارته في اتخاذ خطوات قوية.

إن مجابهة هذا السلاح الجديد تتطلب استراتيجية لتنظيم رد وطني واســـع النطاق يشـــمل جميع الوكالات الحكومية ويؤكـــد على مزيد من الردع الفعال. ويمكن إنزال العقوبات ضمن نطاق الفضـــاء الإلكتروني بتصميـــم أعمال انتقامية إلكترونية، كما يمكن تنفيذ عقوبات في عدد من النطاقات بتطبيق جزاءات اقتصادية وشخصية أقوى. كما أننا نحتاج إلى الـــردع القائم على الحرمان والمنـــع – مما يجعل عمل المهاجم أكثر تكلفة من قيمة المكاسب التي سيجنيها.

وتوجد طرق كثيرة من شـــأنها أن تجعل الولايات المتحدة هدفا أصعب وأقدر على الصمود. وتشـــمل هذه الخطوات: تدريب مســـئولي الانتخابات الذين يعملون على المستوى المحلي وعلى مســـتوى الولاية، واستخدام سجلات ناخبين ورقيـــة كنســـخة احتياطيـــة لآلات التصويـــت الإلكترونـــي، وتشـــجيع الحملات الانتخابية والأحزاب على تحسين الأمن الإلكتروني الأساســـي كاستخدام التشفير والتوثيق الثنائي العامل، والتعاون مع الشـــركات على منع برامج الروبوتات على وســـائل التواصل الاجتماعي، واشـــتراط تحديد هوية مصـــادر الإعلانـــات السياســـية (كمـــا يحـــدث حاليـــا على التلفزيون)، وتجريم الإعلانات السياســـية الأجنبية، وتعزيز التقصي المســـتقل للحقائق، وتحســـين معرفـــة الجمهور بوســـائل التواصل الاجتماعي. وقد ساعدت تلك الإجراءات على الحد من نجاح التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الفرنسية العام 2017 .

وقد يكون للدبلوماســـية أيضا دور في ذلك. فحتى حينما كانت توجد عداوة أيديولوجية مريرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في أثناء الحرب الباردة، كانت الدولتان قادرتيـــن على التفاوض بشـــأن الاتفاقيـــات. ونظرا للطابع الاســـتبدادي للنظام السياسي الروســـي، قد يكون الاتفاق علـــى عدم التدخل في الانتخابات الروســـية أمراً بلا جدوى. ومع ذلك، قد يكون من الممكن إرساء قواعد تحد من كثافة وتكـــرار الهجمات المعلوماتية. ففي أثناء الحرب الباردة، لم يقتل أي طرف من الطرفين جواسيس الطرف الآخر، وكان للاتفـــاق المتعلق بحوادث البحر أثر في الحد من مســـتوى التحرش أثناء المراقبة البحرية المشـــددة. أما اليوم، فيبدو أن التوصل إلى تلك الاتفاقيات أمر مستبعد الحدوث، لكنها تستحق التفكير فيها في المستقبل.

وقبل كل شـــيء، يجـــب على الولايات المتحـــدة أن تُثبت للجميع أن الهجمات الإلكترونية والتلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي ســـيكون أمرا مكلفا، ومن ث م لا يظل هو السلاح الأمثل للحرب الذي لا يصل إلى مستوى النزاع المسلح.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Oman

© PressReader. All rights reserved.