Al-Watan (Saudi)

الغلو في الدين والانفلات عنه

-

العلاقة بين (الغلو في الدين) و(الانفلات عن بعض أحكامه) هي - في نظري - علاقة السبب بالنتيجة، فالغلو في الدين سببٌ للانفلات عن كثيرٍ من أحكامه، وتهوينٌ من شأنه في النفوس، وذلك أن هذا الدين يسرٌ، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، وإذا غلبه انقطع وعجز وأعرض عنه، واندفع لنقده بقوةٍ تساوي قوة اندفاعه عندما كان غاليا ومتشددا فيه، وكما يقال: لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة ومعاكسة له في الاتجاه، ولا يبالي الشيطان في أي واد هلك أتباعه، أفي وادي الغلو، أم في وادي الانفلات، المهم أن يبعدهم عن منهج الاعتدال والوسطية، ويوقعهم في الضلال، كما قال الله تعالى (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أنَ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)، ومن نظر في سيرة بعض المندفعين في تنقص المظاهر الشرعية - هداهم الله -يلحظ أنهم كانوا من الغلاة سابقا، ومنهم من كانوا يفتاتون على ولي الأمر، ويتعدون بأيديهم على ممتلكات الناس ومحلاتهم التجارية التي يرونها تتضمن ما يحرم بيعه، ومنهم من ابتلوا بالأحزاب والحركات المنتسبة للإسلام، التي تجعل المنضم إليها حزبيا، لا يرى الدين إلا من خلال مرئيات قادة تلك الأحزاب التي تتخذ الدين مطية لأمور سياسية، ومصالح شخصية، ولذلك يندفعون بغير هدى من الله، متوهمين أنه لا يحمل همَّ الإسلام والدفاع عنه، والغَيرة عليه، إلا حزبهم، فحجَّروا واسعا، وأساؤوا الظنون بغيرهم، واتهموا العلماء الراسخين بالتخاذل وعدم القيام بالواجب، إلى آخر شغبهم وغوغائيتهم التي آذوا بها الناس، وضيقوا بها على عباد الله، فلما طال عليهم الأمد، وعجزوا عن مشادة الدين، انتقلوا من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، ولكن هذه المرة بمحاربة مظاهر التدين، لتوهمهم أن كل متدينٍ هو من مجموعتهم السابقة أهل الغلو، فانتقلوا من الغلو إلى الانفلات والغرور، ونصَّبوا أنفسهم حاكمين على تدين الناس، ومتخصصين بالمذاهب والحركات والجماعات، مع كونهم جهالا لم يُعرفوا بعلمٍ ولا بصيرة، ولو تابوا إلى الله وتعلموا العلم على أيدي العلماء الراسخين، واستقاموا على دين الله برفق وسكينة، وبُعدٍ عن التنطع والانفلات، لكان خيرا لهم، ولاهتدوا إلى التدين الصحيح، الذي أمر الله به ورسولُه، ولانشرحت صدورهم، وذاقوا حلاوة الإيمان، فالدين يسر، يؤخذ برفق وسدادٍ ومقاربة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام (إن الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأبَْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَة وَالرَّوْحَة وَشَيء مِنَ الدُّلْجَة)، وأما العنف والصخب والبذاءة فليست من الدين في شيء، ولعله لا يكاد يُعرَف أحد نشأ على الدين السمح والفطرة السليمة، والعلم النافع، وسلم من الانضمام للحزبيات والتنظيمات، أنه انتقل إلى الغلو أو الانفلات، لأن الإيمان وسلامة المنهج إذا خالط بشاشة القلوب، لا ينتقل منه العبد إلى قولا وعملا، ولم يكن انتسابه للكيد والتشويه، أو سلما للارتزاق والتملق، فإنه لا يكون حزبيا قط، وأما من اتخذ السلفية حزبا، أو صار مطيةً وخادماً لحزب المنفلتين من أهل الشهوات، أو الحركيين من أهل الشبهات، فذاك لضعف

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from Saudi Arabia