إصلاح الواقع بالصراحة والتنقية

Al-Watan (Saudi) - - محليات - عبدالله فدعق

العالم اليوم يموج بقضايا متنوعة في ميادين متعددة، تحتاج إلى تبيين حكمها، حتى لو صدر بخصوصها حكم فقهي بشري سابق؛ فمعارف اليوم غير معارف الأمس

متخصصو العلم الشرعي لهم كلام طويل عن قاعدة (النصوص متناهية، والوقائع غير متناهية)، فبعضهم ينكر التوسع في المصادر (التبعية)، ويؤكد على الاكتفاء بالمصادر (الأصلية)؛ والأصلية هي القرآن الكريم، والحديث الشريف، والإجماع، والتبعية هي القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والعرف، وسد الذرائع، وعمل أهل المدينة، وقول الصحابة، والاستصحاب، والاستقراء، وشرع من قبلنا؛ ويعتبرون أن تخطي الكتاب المبين، والسنة المطهرة إلى ما سواهما، منازعة لله، سبحانه وتعالى، ولرسوله، صلى الله عليه وسلم، في الأحكام، وتطاول على السيادة الشرعية، والصحيح هو أن كلام الله، جل جلاله، غير متناه، بخلاف الوقائع، والنوازل التي تتجدد على الناس باستمرار، ومعلوم قطعا أنه لم يرد في كل حادثة نصٌ صريح، والرأي السائد لدى العلماء الذين فتح الله عليهم بالفهم أن النصوص الأصلية لم تستوعب إلا القواعد الكلية للتشريع، وجانبا آخرا من الأحكام الفقهية التي تتصل بحياة الناس وواقعهم، والناظر نظرة مذهبية في الفقه الإسلامي يجد أن كل مذهب له موقفه من المصادر التشريعية غير الأصلية؛ فالظاهرية مثلا، يرفضون (القياس) جملة وتفصيلا، والشافعية لا يقبلون (الاستحسان)، والمالكية يقدمون عمل أهل المدينة، وهكذا..

العالم اليوم يموج بقضايا متنوعة في ميادين متعددة؛ في الطب والاقتصاد والسياسة، وغير ذلك من قضايا تحتاج إلى تبيين حكمها، حتى لو صدر بخصوصها حكم فقهي بشري سابق؛ فمعارف اليوم غير معارف الأمس، وإن اتفقنا على أن

(الاجتهاد المطلق) لفقهاء اليوم صعب، فإن هذا لا يمنع من (اجتهاد المذهب)، و(اجتهاد الفتوى)، والأول معناه أن يكون عند العالم القدرة على إبداء الفتاوى في المسائل الجديدة، بناء على الأصول التي سار عليها إمامه، والثاني معناه أن يكون عند العالم القدرة على النظر في الأدلة، والترجيح بين مختلف الآراء..

اليوم، ولنهضة فقهية مأمولة؛ علينا عدم السكوت على الدخلاء على العلم الشرعي، الشاذين عن حِكم الشريعة وأسرارها، وعلينا مخاطبة الناس بلغة فقهية سهلة ومعاصرة، بعيدة عن التشدق والتفيقه، وعلينا عدم الجمود على ما مضى، وبالأخص في المسائل التي تفتقر إلى نصوص مباشرة عليها، أو تلك التي تعارضها نصوص مباشرة؛ ـ مثلا ـ كيف يمكن ترديد أن من ترك الصلاة »ينخس بحديدة«، ويقال له صل، وإلا قتلناك، والحق سبحانه وتعالى يقول {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}، وكيف نقبل تعميم قوله صلى الله عليه وسلم »جئتكم بالذبح« الذي قاله في مناسبة خاصة، ونغض الطرف عن قول المولى سبحانه وتعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، وقوله فداه نفسي: »إنما أنا رحمة،« و»بعثت رحمة«؛ وعلينا عدم الخجل من تنقية كتب أسلافنا من الآراء الشاذة، والقيام بعمل تهذيبات وملخصات لها..

أختم بالتأكيد على مسيس الحاجة إلى تنمية معلومات طلاب العلم الشرعي، وتوسيع مداركهم، وتطوير الدرس الفقهي؛ حتى نتمكن من مقابلة الفكر الغلط، الذي ابتلينا به أمس، وأيضا اليوم، وكذلك لكي نتخلص من مشكلاتنا المتأزمة، في هذا العصر الذي قدر الله، سبحانه وتعالى، لنا أن نكون شهودا عليه.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Saudi Arabia

© PressReader. All rights reserved.