أما زالت جازان سلة خبزنا

Al-Watan (Saudi) - - محليات -

منذ نعومة أظفار عقولنا، وتفتح خلايا أذهاننا، ومنذ أن بدأنا نعي رسالة الحرف وفاعلية الكلمة، وأيضا منذ أن بدأنا نتهيأ لاستيعاب مفهوم مفردة »الوطن«، واستنشاق رائحة غبار الأرض، ورشّت بقعُ الحبر بعض مساحات ملابسنا المتواضعة، وتعفرت أطراف أصابعنا الغضة بألوانها الزاهية، عندما كنا لا نحسن سقاية أفواه أقلامنا من ثغور المحابر المسترخية إلى جانبنا على »بُسط« مفروشاتنا الخسفية، ولا نستطيع المحافظة على نصاعة بياض أوراق دفاترنا وكراساتنا، التي نكلف بتفريغ بعض صفحات كتب المطالعة على سطورها النحيلة.

منذ تلك الأزمنة الضاربة في القدم -بالنسبة لأعمارناونحن نسقي ظمأ تفاؤلنا المستقبلي بماء تلك العبارة التي ما يزال صداها يتردد في مسامعنا، ويكحل رؤية أعيننا »جازان سلة خبز المملكة«.

ما يزال »شارع الجمّالة« في جازان يتذكر ويزهو بترنح وخيلاء الجِمال المثقلة ظهورها بالأكياس المتخمة بمحاصيل الذرة، وما يزال »المحناط« متباهيا بمناداة الباعة والمشترين في ساعات الصباح الأولى، وعندما تشتد الهاجرة، وتسكب الجباه السمر عرق كفاحها المرير من أجل لقمة العيش.

»فرضة الميناء« -إن كان هناك من يتذكر تلك الأياموترقب زرقة البحر، المائج أحيانا، والساكن أحيانا أخرى، وعلى مداه الممتد امتداد الأفق يتبختر بياض الأشرعة، وينثر البحارة أهازيج التجديف »يا الله صباح الخير.. يا الله صباح الخير.. أول صلاتي على النبي.. رزقك على الله يا طير .«

ليتذكر المتذكرون تلك الأيام، عندما كانت الأرض تصغي لترانيم تدفق وديانها، وترفل في سندسية خضرة مساحاتها الشاسعة، المفتونة بترنح السنابل وأريحية العطاء، وابتهاج راع أو مزارع يطفئ وهج الظهيرة بأنغام شبابته التي تعانق أنامله العاشقة حد الوله ومشارف الذوبان.

آه.. يا جازان.. هل يعرف أبناؤك اليوم تلك الأيام؟، وهل أستطيع أن أنقش على معصمك الأنيق سؤالي الواله: أما زلت يا جازان سلة خبز المملكة؟!

Newspapers in Arabic

Newspapers from Saudi Arabia

© PressReader. All rights reserved.