خالد.. وإيران!!

Okaz - - ﺍﻟﺮﺃﻱ - د. نايف الجهني * @karmanaif

عندما تتسع الفجوة بني مخيلة اإلنسان، أو املجتمع بشكل عام، وواقعه، يحدث حينها االنــفــجــار الـــــذي ال تــصــور لـشـكـلـه وقوته، وقبل ذلك يبدأ بالتصرف وفق منطق تائه بني املخيلة وبـني الـواقـع، الــذي يصور ذلـك اإلنـسـان أو هـذا املجتمع كمخلوق مـشـوه التركيب والـسـلـوك ومـمـسـوخ املشاعر، كون وعيه أصبح ذلك الطريد الذي ال تعرف وجهته في صحارى الوجود الشاسعة... هـــذا بـالـضـبـط مــا حـــدث ويــحــدث اآلن مــع دولــــة إيــــران، الــتــي جـعـلـت املـجـتـمـع، فـــرده وجــمــاعــاتــه، ذلـــك املخلوق املتأرجح أملـا وتيها بني غيث املخيلة واتـسـاع صورها وبني نار الواقع ولهيبها الحارق. بزغت روح هذه الفكرة وأنــا أستمع ملا قاله صاحب السمو امللكي األمير خالد بــن سـلـمـان، سفير بــالدنــا فــي واشــنــطــن، وهــو يختصر واقـع االختالف بني السعودية وإيــران، في مقولته لدى مشاركته في اللقاء السياسي السنوي مليت رومني: نحن دولــة تعمل وتسعى لتحقيق رؤيــة 2030 وإيـــران دولة تسعى وتنطلق من رؤية عام 1979....، وهو يؤكد على أن إيران تسير إلى الخلف بطموح ال ينتهي......، فباإلضافة إلى عمق تصريحه وقوته وما يحمله من دالالت، نجده يـحـمـل تــوجــهــا ولــغــة جــديــدة فــي الــســيــاســة، وهـــي لغة االختصار، التعبير الذي يشبه الرصاص، ويزيح أكوام الـثـرثـرة الـبـالـيـة عــن طـريـق الــقــول والتعبير السياسي، وهــذا ما يعكس صـدق تقديم الرؤية السعودية للغتها وعناصرها وطبيعة العمل فيها. ولعل ما حملته كلمة األمير خالد استطاع به أن يمسح الضباب والغبار والكالم األثري عن املرآة التي تبصر من خاللها إيران وجهها كل صباح، لتجد الحقيقة عالقة في كل زاوية، فتكتشف، وال أظن أن تعنتها سيساعدها على ذلك، ما كانت تخفيه املرآة من معالم، ستجد أن الصفعة الـتـي وجـهـت لـهـا، ذات قــدرة على جعل كيانها يتوقف قـلـيـال عــن الــتــرنــح بـسـبـب شـــدة الــســكــر بـخـمـر االفتتان بالقوة والتعلق على جبال األحـالم البدائية، ليدرك أنه يعيش فعال في حالة من التفكير العبثي في تخيل صنع املستقبل، حيث ال يجتمع العلم واألخالق والتخطيط، مع االرتهان للنظر لهذا املستقبل بعينني طافحتني بالظلمة، فإيران التي قال عنها سموه، تعيش في رؤية تسير على ساللم التاريخ والتفكير املـاضـوي، هي إيــران التي تمد أشــجــارهــا لـجـيـرانـهـا لـتـسـقـط عـلـيـهـا أصــلــب الحجارة وأشرس أدوات الخيانة، فالتفكير البدائي والرؤى التي لم تنعتق من قيود وسجون املاضي املشوه، ال يمكنها أن تحقق ذلك التوازن لكيانها الذي يبهج ترنحه سكرا، رغـبـة الـقـوى العظمى فـي الـرقـص على إيـقـاعـاتـه، ليس اتـبـاعـا ورضـــا، بــل تتبعا ليصل الـنـائـم مــرة أخــرى إلى فــراشــه، الــذي أخـرجـه منه حلم ال يـكـاد يبصر إال نفسه تنتفخ، حاملة بتغيير املكان، متناسية أن التشوه الخلقي والخلقي في كيانها السياسي، إنما هو انعكاس لحالة التيه بني تطلع وتخيل وحب أطياف من شعبها للحياة، وبني واقع يفرضه هذا النظام الذي مازالت حاالت النمو املتأخر تالحق أطرافه. إن الــذي يريد الحديث عن الـفـارق بيننا وبـني إيــران، ال يجهد نفسه في البحث. فعال. بل يرجع إلى هذه املقولة التاريخية لسموه «املشكلة مع إيران ليست طائفية إنما صـــراع رؤى، نحن فــي اململكة لدينا رؤيــة ،2030 وهم لـديـهـم رؤيـــة ،1979 نـحـن نــريــد أن نــقــود املـنـطـقـة نحو املستقبل ورفاهية الشعوب، وهم يريدون جر املنطقة الى املاضي بصراعاته الفكرية والطائفية». ومن هذا يمكننا القول ودون أدنى شك، أن هناك فارقا كبيرا في معادلة البناء التنموي التي تنتهجها بالدنا، عبر رؤيتها، وتلك التي تنتهجها إيران، فاألولى تحلق برؤيتها عبر جناحني، جناح التوازن الديني القائم على قــواعــد راســخــة فــي الـفـهـم الــواضــح لـلـديـن، الـــذي يسعى لالنفتاح املعرفي والتنموي والحضاري، وجناح الفهم العميق للشجاعة والــقــوة، الــذي هــو الحكمة، والسعي للسالم والدفاع عن الحقوق..؛ أما الثانية فهي تتخبط في فضاء التحليق كطيور مغلقة العينني، وتضرب السكون بأجنحة التطرف والفهم الخارج من الضالالت والبدع للدين، والتطلع للعالم بشعور الطمع الحاد والتعالي عــلــى املــفــاهــيــم والــخــلــط بـــني شــجــاعــة الــجــبــان وفكرته القديمة في ضرب الصغير ليخاف الكبير، وتوهمها بأن حفظ البالد يأتي من خالل السالح وحده. فاململكة تجاوزت عبارات القول السياسي الطويلة، إلى ذلك االختصار في القول والقول عبر العمل، برؤية أزالت كل العوالق الفكرية ودمرت كل مفاهيم التصور السلبي لعالقتنا باآلخر وعالقتنا ببعضنا وبنظرتنا لعناصر املـجـتـمـع والــتــي تـعـد املــــرأة ودورهــــا مــع الــرجــل أكثرها فاعلية، وها هو خالد بن سلمان يقولها وبقوة وثقة، ال رغبة لديها لاللتفات للضجيج والفتونة السياسية، وال وقت أصال لديها للمزيد من املفاوضات واملساومات التي لـم تستوعب أن الكائن السياسي فـي هـذه الـبـالد، ينمو ولله الحمد كأي مخلوق تشكل مالمح جوهره املضيئة جل رؤيته في السير نحو املستقبل الذي يقف في األمام وليس في الخلف. وهو يحمل والء لم تصنعه الشعارات ولـم ترفعه أيــادي اآلخرين الهزيلة، بل عبر الــوالء الذي شكله حبه الفطري لوطنه وإيمانه بقضاياه، مرددا هذه املقولة «الشعب السعودي ال يحب بلده ألنه متطور، إنما يعمل على تطوير بالده ألنه يحبها».

Newspapers in Arabic

Newspapers from Saudi Arabia

© PressReader. All rights reserved.