ربيع الغاز.. الذي أجهضته موسكو والرياض!

Okaz - - ﺍﻟﺮﺃﻱ -

ربما هـو الـقـدر وربـمـا هـي الجغرافيا واملصالح املستقرة هي من جمعت الرياض وموسكو، فكال العاصمتني تنظران للمشروع الغربي خاصة ما أطلق عليه «الشرق األوسط الجديد» بريبة كبيرة ليس ألهدافه امللتوية فقط، بل ولوضوح آثاره التدميرية. هــنــاك أوجـــه شـبـه بــني الــدولــة الــســعــوديــة والــروســيــة، فالبلدان محافظان وينتميان لفكرة الدولة املركزية املسؤولة عن التنمية وتحقيق األمن والرفاهية والدفاع عن مصالح األمة، كما أنهما يــرفــضــان الــتــدخــالت الــوقــحــة مــن الــغــرب ويــعــتــزان بسيادتهما وقيمهما ويـفـهـمـان أن تـلـك الــتــدخــالت مــن منظمات أو أجهزة إعــالم هي في حقيقتها واجهة خشنة لسياسات غربية هدفها االبتزاز وتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية. بــعــد تــحــول روســيــا لــعــمـالق إنــتــاج الــغــاز وأكــبــر مــصــدر لــه لم يعد الغرب «األنـانـي» قــادرًا على تحمل رؤيـة روسيا املتعاظمة اقتصاديًا وعسكريًا هـي مـن تسيطر على أســواق الطاقة، ال بل وهي من يتحكم في تدفئة مواطنيها ولو أرادت روسيا أن تغلق أنابيب الـغـاز عـن األوروبــيــني لبقي عشاؤهم بــاردًا لسنوات لن يستطيعوا إكمال طبخه، إنه قدرهم الذي يفرون منه. أملانيا وفرنسا خططتا إلنهاء سيطرة موسكو على الغاز، لذلك كان البد لألوروبيني من إيجاد مصدر آخر للغاز الروسي، جاء بحر قـزويـن كخيار أول بما فيه مـن مـخـازن غــاز هـائـلـة، إال أن روسيا تنبهت للخطة األوروبية مبكرًا وأجهضتها في مهدها، كان األوروبيون قد عقدوا أول اتفاقاتهم العام 2009 ملد أنابيب غاز من بحر قزوين باتجاه إيران وتركيا ثم بلغاريا وأوروبا. استبدل األوروبيون ولو مؤقتًا مشروع بحر قزوين بالخطة باء، وهنا كانت األنظار تتجه إلى املنطقة الرخوة في هذا العالم أال وهي العالم العربي، فخلق لها مشروع الشرق األوسـط الجديد أو ما يمكن أن يطلق عليه «ربيع الغاز»، من أجل هد هذا الشرق وتجريفه وتحويله ملستنقع يسهل بعدها مد أنابيب الغاز من الخليج الـعـربـي حيث منابع الــغــاز «الـقـطـري اإليــرانــي» مرورًا بالسعودية فاألردن وسوريا وتركيا وأخيرًا أوروبا. الــربــيــع الــعــربــي جـــاء كـمـا رســــم لــه تـمـامـًا حــامــال مـعـه املداميك والــجــرافــات وكــل أحــالم الـغـرب خـاصـة تـجـار الـيـسـار وسماسرة الــغــاز، املـخـطـط عـلـى الـــورق كــان سـهـال لـكـن التنفيذ جــاء داميًا ومـرهـقـًا جـــدًا، كما أن الـدولـتـني الــقــادرتــني على إفــشــال املخطط «روسيا والرياض» كانتا على أهبة االستعداد. الطريق شائك جـدًا فهو يبدأ من حقول الغاز في قطر والبـد أن تسمح الرياض بمروره عبر أراضيها باتجاه سوريا ثم تركيا ثم أوروبـا، فهل ستقبل السعودية وروسيا ذلك، من هنا جاء القدر والجغرافيا مسعفًا، فالرياض كما موسكو لديها غـاز ولديها مصالح إستراتيجية في املنطقة والعالم وال تقبل أن تكون مجرد منفذة للمشروع أو أن يتم ابتزازها وإشعال الحرب عليها كما حصل الحقًا. دعونا نتابع السيناريو.. يشتعل «الربيع العربي» في الدول املستهدفة، مصر وهي مزودة للغاز، وليبيا وهــي كذلك مليئة بحقول الـبـتـرول والــغــاز، على أن تلتقي أنابيبها مع األنبوب الرئيسي املمتد من الدوحة إلى أوروبــا، وعلى الرغم من خالف الرياض مع دمشق فهي ترفض تغيير األنظمة عبر االحتجاجات ألن نهايتها حـروب أهلية ال محالة، صحيح أن الرياض دخلت على خط األزمة السورية الحقًا لكنه دخـول هـدف لحماية املكون السني من االجتياح والتمدد اإليراني، ولقد اشتكى القطريون على لسان حمد بن جاسم وزير خارجيتهم األسبق من الــدور السعودي قائال إنـه هو من أعاق مشروع تحطيم دمشق. الروس هم أيضًا بقوا على تخوم سوريا حتى أعلن الرئيس بشار األسد أن جيشه تعب وهو على وشك السقوط، ساعات حتى بدأ سالح الجو الروسي بتوجيه ضربات جوية في األراضي السورية بتاريخ 30 سبتمبر ،2015 بعد أن طلب الرئيس السوري بشار األسد دعمًا عسكريًا من موسكو ووافق مجلس االتحاد الروسي على تفويض الرئيس فالديمير بوتني استخدام القوات املسلحة الروسية خارج البالد. موسكو لم ولن تقبل بسقوط سوريا لتنشأ على إثرها دولة غير حليفة تسمح بمرور الغاز القطري عبر أراضيها ألنها ترفض أن تتحول إلى مجرد دولة هامشية في هذا العالم، وكذلك الرياض تـؤمـن أنــه مــن غـيـر املـعـقـول فــرض أمــر واقـــع عليها والتغاضي عـــن مــصــالــحــهــا االقــتــصــاديــة واإلســتــراتــيــجــيــة وتــمــريــر الغاز عبر أراضيها إرضـــاء ألملانيا وفرنسا وإيـــران وقـطـر، لقد سقط املشروع لكن آثار السخط والغضب ال تزال في تصرفات وحمالت وحروب حلف الغاز التي اجتمعت وجمعت الدولتني السعودية والروسية. * كاتب سعودي

محمد الساعد * @massaaed m.assaaed@gmail.com

Newspapers in Arabic

Newspapers from Saudi Arabia

© PressReader. All rights reserved.