سيل األمس في ذاكرة اليوم

Okaz - - ﺍﻟﺮﺃﻱ - محمد بشير علي كردي

«الشيء بالشيء يذكر». نقلتني السيول التي أودت بحياة عشرات من طلبة مدرسة في غور األردن، وما تالها من مداهمة السيول عــددا مـن املــدن العربية، إلــى الـذكـر بالخير والـثـنـاء على سائق حافلة كنت من بني ركابها في رحلة من مكة املكرمة إلى الطائف في صيف يوم قائظ قبل نحو 60 عاما. انطلقت بنا الحافلة من مواقف النقل في إجياد باتجاه واحة الزيماء التي أنعم الله على سكانها باملاء والخضرة، ومياهها العذبة ترفد مياه العاصمة املقدسة. توقف السائق في واحدة من مقاهي الزيماء؛ لها إطاللة على حقول خضراء مثمرة تكثر فيهاِّ أشجار املـوز كأنه محلىَّ بالعسل... تناولنا الشاي املعطر بمطيبات األعشاب، ومن بعد اتجه السائق نحو الطريق اللولبي صـعـودا إلـى السيل الصغير، ومـن هناك باتجاه السيل الكبير. فجأة، توقف في جوف الــوادي مجيال نظره يمنة ويسرة، ومن ثم اندفع بالحافلة صعودا إلى هضبة مرتفعة، مــرددا بصوت عال دعاء السالمة. كان ذاك التوقف املفاجئ والصعود بسرعة إلى الهضبة موضع استغراب الركاب؛ بعد أن شاهدناه يفرش بساطا ويبدأ بتحضير الـشـاي، متابعا النظر إلـى السماء ومسبحا. لم يعجب التوقف املفاجئ والــخــروج مـن الطريق بعض الــركــاب وهــم على مسافة قصيرة من وصولهم وجهتهم في الطائف! وبنظرة الواثق مما يعمل، ابتسم مشيرا بيده إلى برق يلمع نذيرا بقدوم هطول أمطار غزيرة. وأضاف راجيا أن يلتزموا الهدوء ألن السيل قــادم بعد قليل. ومــا كانت إال دقـائـق ليندفع سيل عارم قالعا الشجر وجارفا التربة واألحجار وكاد السيل يصلنا... هــدأ الـسـيـل، وتــوقــف تــدفــق املــيــاه. تـوجـهـنـا ألخــذ مـقـاعـدنـا في الـحـافـلـة. وعـــاد سائقنا طـيـب الــذكــر لـيـحـول دون ذلـــك، ويطلب مــرة ثانية أن نلتزم الـهـدوء، ألن السيل الـقـادم أشــد من السابق. صدق حدسه، وبدقائق شاهدنا سيال أشد هيجانا وقوة جارفا مع الحجر والشجر مركبات كانت في وسـط الــوادي وحموالت سيارات نقل. مـع األلــم والــحــزن على تلك املـركـبـات ومــن فيها، ذكــرنــا السائق بأهوال يوم القيامة «يـوم ال ينفع مال وال بنون إال من أتى الله بقلب سليم». وفي ركعتي شكر لله تعالى على سالمتنا من سيل جــارف مهلك، الفضل فيه بعد الله لسائقنا تــواله الله برحمته

ا أو في ديار الحق. من الحافلة، شاهدنا على طرفي الطريق مناظر مروعة، فقدرنا كفاءة السائق... واليوم والـذاكـرة تنقلني إلـى ذكـرى ذلـك اليوم، أتــســاءل كــم مــن سـائـقـي املــركــبــات والــحــافــالت فــي بـلـدانـنـا على درايـــة بــمــســارات الـسـيـول عـنـدمـا تـبـرق الـسـمـاء وتــرعــد وتمطر؛ فيتجنبوها لسالمتهم وسالمة من معهم! * كاتب سعودي

Newspapers in Arabic

Newspapers from Saudi Arabia

© PressReader. All rights reserved.