غرائب القيادة!

Okaz - - ﺍﻟﺮﺃﻱ -

مـــــن املـــــؤكـــــد أن املــــركـــــبــــات ال تـــمـــثـــل نظامًا تكنولوجيًا متقدمًا يحتاج إلـى براعة تقنية ومهارة بدنية، كما أن قيادتها ال تحتاج إلى امتالك مؤهالت علمية وقدرات عقلية خارقة، أما ما تحتاجه بالفعل فهو تفعيل منظومة أخالقية ملزمة، وفي املقابل فإن ذلك ال يعني عدم التشدد في فرض وتنقيح وتطوير اللوائح املـروريـة بل والتشدد في تطبيقها، ويعد نظام ساهر أحد أهـم العوامل الجوهرية التي أسهمت في تطوير املنظومة املـــروريـــة فــي املــمــلــكــة، وكــــان دافــعــًا رئـيـسـيـًا وجــوهــريــًا في انضباط السائقني وخفض عدد الحوادث املرورية وتقليل خطورتها. من املؤكد أن املسؤولني في اململكة يولون اهتمامًا ورعاية كبيرة للمنظومة املــروريــة، وهـو مـا ينعكس فـي التحديث والتطوير املستمر للوائحها وقوانينها التي يتم تحسينها باستمرار لضمان تمتعها بالشمول والنفاذية واملوثوقية، وهو ما ملسناه من خالل حزمة التحديثات التي صدرت قبل فترة للوائح وأنظمة تعديالت نظام املرور، ممثلة في إدخال الــعــديــد مــن الـتـعـديــالت عـلـى أنـظـمـة مــــدارس تعليم قيادة املـركـبـات، وإجـــراءات استصدار رخــص الـقـيـادة، وإجراءات مــبــاشــرة الـــحـــوادث املـــروريـــة وطـــرق الـتـعـامـل مــع أطرافها، بــخــالف تــعــديــالت جـــدول املــخــالــفــات املـــروريـــة والعقوبات املترتبة عليها. ولكن على املستوى اإلنساني والشخصي أعتقد أن القيادة تـعـكـس شـخـصـيـة وســلــوكــيــات قــائــد املــركــبــة، فــهــدوء قائد املركبة أو انفعاله يعكسان مدى انضباطه أثناء القيادة سواء بوجود األنظمة املرورية أو عدمها، ولعله من فضلة القول أن نذكر بأنه كلما تم التشدد في تطبيق القوانني املرورية كلما قل التفاوت بني سلوك قائدي املركبات، فالجميع يلتزم بتطبيق القوانني املرورية، وفي هذه الحالة يصعب التمييز بــني املـلـتـزم أخـالقـيـًا واملـلــتــزم خـوفـًا ورفــضــًا لـدفـع الغرامة ونيل العقاب، غير أن الفرق يتضح جليًا عندما تتم القيادة في مناطق ال يتم فيها التشدد في تطبيق اللوائح املرورية. ال تسع السطور هنا لذكر الكثير من النماذج التي تمثل قمة الغرابة في السلوكيات املفرطة في األنانية التي شاهدتها وربما شاهدها الكثير غيري، لكن لعل سرد بعضها يوضح لنا أن القوانني املرورية ال تجدي كثيرًا دون التحلي بمنظومة أخالقية، أذكر -قبل أيام- عند قيادتي في أحد الشوارع التي ال تتسع إال ملركبة واحـــدة، أنـنـي وبمجرد أن شـارفـت على الــوصــول إلــى نهاية الــشــارع حتى فوجئت بـدخـول مركبة يقودها شاب تتوقف أمام عربتي، وعندما طلبت منه العودة قليال للخلف حيث إن املسافة املتبقية لي ال تتجاوز عدة أمتار، طلب مني بصالفة وبال مباالة العودة للخلف ألول الطريق ألفسح له املجال، مثال آخر وهو عند رغبة البعض في القيام بــدوران U-Turn في إحـدى الطرق، تجد أن هناك الكثير من املركبات مصطفة بالتوالي للوصول إلى مدخل الدوران، وقد تفاجأ وقتها بمركبة تتجاوز كل هذه املركبات املصطفة ويقوم قائدها بإقحام مركبته عنوة وباستهتار لعمل ،U-Turn معطيًا نفسه األولوية واألفضلية عن غيره، وبرأيي أن هذه السلوكيات وأمثالها ترفع من حالة الغضب لدى الكثير من السائقني بوجه عام وتدفعهم للرد بعداونية نتيجة الشعور بالحنق من تلك األنانية وعـدم االنضباط، وهو ما يولد الرغبة لدى الجميع في املزيد من التشدد في فرض املزيد من العقوبات املرورية، علها تردع أمثال هؤالء وتحد من تسيبهم وأنانيتهم املفرطة. نحن بحاجة -وقبل التفكير في األنظمة املرورية التي تحد من هذه السلوكيات املتهورة- إلى ترسيخ مفهوم أخالقيات القيادة، حتى يتوقف السائقون عن محاولة خرق القواعد املـــروريـــة أو الــتــنــصــل مـــن االلـــتـــزام بــهــا كـلـمـا سـنـحـت لهم الفرصة لذلك، فنحن نريد من قائدي السيارات التوقف في اإلشارات الحمراء كنوع من االلتزام األخالقي، وليس ملجرد الخوف من العقوبة، ولن نصل أبدًا ملستوى األمان املطلوب عند القيادة، كما أننا لن نحظى بقيادة سلسلة وآمنة على الطرق إال عندما تصبح األخالقيات الحميدة جزءًا ال يتجزأ من ثقافة قائد املركبة. الشك أننا جميعًا نلمس تردد الكثير من النساء عن القيادة حتى لحظتنا الراهنة، على الرغم من حصول أغلبهن على رخـــص قــيــادة مــن الـــخـــارج، وذلــــك خــوفــًا مــن تــهــور بعض قــائــدي املــركــبــات، وال تـقـتـصـر مـهـمـة تــرســيــخ السلوكيات اإليجابية الفعالة بني قائدي السيارات على مكاتب تعليم القيادة فحسب، بل هي مهمة توعوية تتشارك فيها العديد مــن املـنـابـر واملــنــصــات، منها مــا هــو رسـمـي ومـنـهـا مــا هو تطوعي وتوعوي، ومنها ما يأتي بطريق الترهيب ومنها ما يأتي بطرق الترغيب املختلفة، غير أن هذا األمر يجب أن يحتل مكانة مهمة في ثقافتنا لـدالالتـه على مـدى التطور الحضاري والثقافي ألبناء اململكة. * كاتب سعودي

د. محمد حسن مفتي * mohammed@dr-mufti.com

Newspapers in Arabic

Newspapers from Saudi Arabia

© PressReader. All rights reserved.