التفعيل املعاصر ملتعة املطلقة في مواجهة مآالت ما بعد الفراق

Okaz - - News -

تــواجــه بعض الـنـسـاء بفراقها مــن الـــزوج مصيرًا يكتنفه الــكــثــيــر مـــن الــظــلــم والــجــحــود والــنـــكـــران لــجــهــودهــا التي بذلتها ألسرتها من رعـايـة وقـيـام على شؤونها، التي قد تتضاعف في بعض البيئات العربية واإلسالمية لتشمل هذه الرعاية أهل الزوج ومعاونة زوجها في أعماله خارج البيت كما يحدث في بعض نواحي الريف والبوادي. لذلك أخـذت بعض الـدول العربية واإلسالمية تتلمس حلوال لوضع هؤالء النساء، فأخذت بعضها بالنظام األوروبي الفرنسي الذي يقضي باالشتراك املالي بني الزوجني فيما يكتسبانه خالل حياتهما الزوجية كنظام اختياري، ويكون للزوجني األخذ به متى صرحا بأن زواجهما يخضع لهذا النظام، أو إذا سكتا عن اختيار نظام مالي لحياتهما الزوجية، في حني ال تكون امللكية مشتركة بينهما إذا صرحا باتفاقهما أن زواجهما يخضع لنظام مالي آخر، ويجري العمل اآلن في تونس على إقراره كنظام إلزامي للزوجني. وكانت وجهة من أيد العمل بهذا النظام في البالد العربية أنه يضمن للمرأة عند الطالق أن تحظى بنصف الثروة املشتركة بما يحقق للزوجة حماية من التشرد واالفتقار متى ما بدا للزوج طالقها، أو إذا فارقها بالوفاة. ولـكـن فــي الحقيقة أن هــذا الـنـظـام غـيـر أنــه يـتـعـارض مــع أحــكــام الشريعة اإلسالمية القاضي باستقالل الذمة املالية للزوجني، ويتعارض مع تشريع النفقة حني يجعل املرأة تنفق على نفسها وزوجها وأسرتها من مالها الذي شـاركـت بـه، ومـع تنظيم التوريث اإلسـالمـي بما يـخـل بالكثير مـن حدوده وقــواعــده، فـوق كـل ذلـك هـو ال يضمن الحماية لجميع النساء؛ ألنـه يعطي حق التصرف في املــال املشترك لكال الـزوجـني، وقـد تكون ما تجنيه بعض النساء يفوق ما يجنيه الزوج؛ فيؤدي إلى استغالل املال املشترك في اإلنفاق الشخصي أو على زوجـــات أخـــر، مما يجعل املـــرأة أكـثـر عــرضــة لالنتهاب لتسلط يد الرجل على مالها بحق حرية التصرف. وجــاءت فتوى املفتي املغربي الشيخ أحمد بن عرضون في القرن العاشر لتصب في ذات الغاية، وهي حماية املـرأة من مآالت ما بعد الفراق، فكانت فتواه التي وسمت (بحق املــرأة في الكد والسعاية) للمرأة التي عاصرها فــأزعــجــتــه املــســؤولــيــات الــجــســام الــتــي حـمـلـهـا إيــاهــا الــعــرف داخــــل البيت وخــارجــه، والــتــي قــد تطلق أو يـمـوت عنها الـــزوج فــال تملك مــاال وال تجد مأوى. وهذه الفتوى انبنت على عرف فاسد يدفع باملرأة إلى العمل خارج البيت أعـمـاال شـاقـة، وهـو مـا يتعارض مـع التشريع اإلسـالمـي الــذي يقرر باتفاق الفقهاء أن املــرأة غير ملزمة بالعمل خـارج البيت وال تجبر عليه، بل وفي عملها داخل البيت خالف مشهور. وربما يجد الفقيه صعوبة بالغة في مقاومة األعـراف املتجذرة فيلجأ إلى مــحــاوالت تجنبه االصــطــدام بــه، فتكون مثل هــذه الـفـتـاوى، مـع أن األجدر واألليق بالعلماء التصدي لألعراف الفاسدة بما يحل الظاهرة املشكل من جذورها عوضًا عن إصدار فتوى عليها ترسخها وتعمق من تجذرها. فاملرأة املوصوفة في فتوى ابن عرضون التي تقوم بجميع متطلبات البيت، ورعاية أهل الزوج، وتعمل خارج البيت أعماال شاقة من الزراعة والحصاد وحمل الحطب، وغيرها من األعباء الجسام هي بحاجة إلى فتوى تحميها من هذا الظلم الواقع عليها. ثم نشعر بقلق الفتوى؛ ألنها جعلت ما تستحقه املرأة من ثروة زوجها بعد الطالق أو الوفاة بمقدار النصف منها هو نظير كدها وسعايتها، فإذا كان األمــر كذلك فلم ال تستحقه الـزوجـة وتستوفيه حــال قيام الـزوجـيـة؟ وملاذا يرجأ إلى ما بعد انتهائها بالطالق أو الوفاة؟ إال إذا كانت قد صدرت للمبرر الذي ذكرته سابقًا وهو حماية املرأة من مآالت ما بعد الفراق من ذل الحاجة واالفتقار. والفتوى ال مستند لها قويا يعززها فجميع ما استدل به عليها هي أدلة عــامــة فــي حــق اإلنـــســـان مــقــابــل سـعـيـه فــي األرض، وهـــي بــعــيــدة عــن محل االستدالل، كما أن الرواية التي تستند إليها عن حبيبة بنت زريق وزوجها عمرو بن الحارث ال وجود لها في كتب الرواية بما فيها املوطأ، كما ال وجود لها بالصورة التي طرحها ابن عرضون في مدونات املالكية، بل تذكر بعض كتب املالكية صورة مختلفة وهي صورة القضاء للمرأة التي اشترطت األجر مقابل عملها، كما أنه ال وجود لها كذلك في ترجمة حبيبة بنت زريق، وال زوجها عمرو بن الحارث، وبالرجوع إلى جميع الكتب التي تعرض للفتوى يالحظ القارئ عدم إسنادها الرواية لشيء مما ذكرت. فـــإذا نـعـود إلــى ذي بــدء فنركز على القضية األسـاسـيـة الـتـي كـانـت محور اهتمام تلك املحاوالت، وهي حماية املرأة من مآالت الفراق، فأجد أن واجب العلماء واملتخصصني النظر لوضع حلول ال تتعارض مع شيء من األحكام الشرعية تضمن للمرأة حياة كريمة بعد الفراق. وربما يكون فيما قررته الشريعة اإلسالمية للمطلقة من حق متعة الطالق حــل يحميها مــن مــآالتــه، وذلـــك عـلـى الــقــول الــراجــح فيها مــن أنــهــا لعموم املطلقات، وهو قول الشافعية ورواية ألحمد رحمه الله. حيث ال معنى فـي إفـــراد املطلقة قبل الــدخــول الـتـي لـم يـحـدد لها مهر في العقد بنص مستقل بوجوب املتعة لها في قوله تعالى: (ال جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن)، ثم يأتي نص آخر فيعممها لجميع املطلقات، وهو قوله تعالى: (وللمطلقات متاع باملعروف حقًا على املتقني) إال إذا كانت تفرق بني الحالني للمرأة، فتوجب للمرأة قبل الدخول املتعة فقط دون املهر، وتوجب لباقي املطلقات الوارد ذكرهن بصيغة العموم املتعة مع املهر، خاصة وأن اآليـة تدخل الـالم التي تفيد امللك على لفظ املطلقات (وللمطلقات)، وتجعل املتعة حقًا (حقًا على املتقني)، وال تكون حقًا إال إذا كانت مستحقة. وال يلزم تقدير املتعة كما قـدرهـا بعض الفقهاء قديمًا بــأن أعالها خادم، وأدنـاهـا كسوة تجزئ فيها الصالة؛ ألنـه تقدير صـدر عن اجتهاد، ويمكن للقاضي أن يقدرها بما يتناسب مع حال املرأة اليوم واحتياجاتها، وسنوات عشرتها التي قـد تطول فتطلق فـي وضــع تكون فيه قـد كبرت على العمل وجـنـي ما يحفظ كرامتها، وبذلك يحميها من املــآالت التي نخشى عليها منها، وقـد يكون في قضاء سابق للمحاكم املصرية بإيجاب نفقة سنتني

ٍُ كمتعة للمطلقة نموذجًا يحتذى في ذلك. وأحـمـد الله عـز وجـل أن لجنة الـقـرار فـي مؤتمر مجمع الفقه اإلسـالمـي في دورته الثالثة والعشرين والتي شرفت بأن أكون أحد أعضائها في محور (أثر عقد الزواج على ملكية الزوجني) قد أقرت في قرارها رقم: ‪)23 /10( 226‬ بندًا يفيد التوصية بتعويض املــرأة عن األضــرار التي لحقت بها بسبب الطالق تفعيال معاصرًا ملا قرره الشارع الحكيم للمطلقة من حق املتعة بعد الطالق. كـمـا سـعـدنـا جـمـيـعـًا بـفـضـل الــلــه تـعـالـى أيــضــًا بـمـوافـقـة مـجـلـس الشورى باألغلبية بنسبة )108( من أعضائه على إعداد مدونة لألحوال الشخصية تنظم كيان األسرة، وتساهم في إيجاد حلول ملشكالتها التي تواجهها، وآمل عند وضعها تتويجًا لذلك النظر بجدية لوضع تقنني شرعي يحمي النساء واألطفال من مآالت الفراق.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Saudi Arabia

© PressReader. All rights reserved.