مقدمة المحرر

Future Studies - - العدد 01 - نوفمبر 2017 - رئيس التحرير

مل تعــد املداخــل النظريــة الســائدة يف حقــل العالقــات الدوليــة قــادرة عــى اســتيعاب التحـوالت االسـتثنائية التـي تشـهدها املواجهـات العسـكرية يف اآلونـة األخـرة، إذ متاهـت الحـدود الفاصلـة بـن حالتـي الحـرب والسـلم، وتجـاوزت الحـروب املواجهـات العسـكرية التقليديـة لتشـمل توظيـف أدوات اقتصاديـة واجتاعيـة وإعالميـة وافرتاضيـة، كـا تعـددت مصـادر التهديـدات غـر التقليديـة، وتداخلـت أدوار الفاعلـن.

وتتسـم بيئـة التهديـدات الراهنـة بعـدم وجـود حـدود فاصلـة بـن النطاقـات الداخليـة واالقليميـة والدوليـة، إال أن املحصلـة النهائيـة لهـذه التهديـدات تـؤدي إىل تصاعـد مسـتويات االنكشـاف الداخـي، مـا يزيـد مـن الضغـوط عـى الداخـل بصـورة غـر مسـبوقة، حيـث تتسـبب األزمـات اإلقليميـة والدوليـة املتتاليـة يف إثـارة تداعيـات ضاغطـة عـى األوضـاع الداخليـة مثـل: الثـورات، واالنتفاضـات، ومتـدد التنظيـات اإلرهابيـة، وتفاقـم الرصاعـات الداخليـة، والحـروب بالوكالـة ‪)Proxy Wars(‬ التـي تديرهـا بعـض القـوى اإلقليميـة والدولية.

ولقــد أدت هــذه التحــوالت إىل صعــود الجيــل الخامــس مــن الحــروب، الــذي يتســم بالغمـوض وعـدم اليقـن حـول طبيعـة املواجهـات العسـكرية، وصعـود شـبكات التحالفـات بـن الـدول والفاعلـن املُسـلحن مـن غـر الـدول، باإلضافـة إىل صعـود االسـرتاتيجيات الهجينــة ‪)Hybrid Strategies(‬ والدمــج بــن تكتيــكات الهجــوم والدفــاع والــردع بصــورة متزامنـة، بحيـث باتـت دول العـامل تقـوم مبهـام الدفـاع وتحصـن الداخـل بالتـوازي مـع التدخــل االســتباقي يف بــؤر التوتــورات اإلقليميــة وردع التهديــدات املحتملــة واالســتعداد للتهديــدات غــر املتوقعــة.

ويرتبـط ذلـك بالتغـر يف طبيعـة التهديـدات التـي مل تعـد تقتـرص عـى تهديـدات الغـزو الخارجـي أو احتـالل املناطـق الحدوديـة الطرفيـة للدولـة وباتـت تتضمـن تهديـدات غـر تقليديــة، مثــل االخــرتاق الداخــي وإدارة الحــروب بالوكالــة باالعتــاد عــى ميليشــيات داخليـة لتفجـر الحـروب األهليـة وتهديـدات الحـركات االنفصاليـة والتنظيـات اإلرهابيـة وعصابـات الجرميـة املنظمـة والتهريـب عـر الحـدود وانتشـار األسـلحة الصغـرة واملتوسـطة داخـل الدولـة وتكثيـف الضغـوط االقتصاديـة عـى الدولـة لتأجيـج حالـة عـدم االسـتقرار، وإضعـاف الـدول مـن الداخـل.

وال ينفصـل التغـر يف طبيعـة الحـروب عـن التحـوالت التكنولوجيـة الرسيعة التي أسـهمت يف ظهـور تقنيـات متقدمـة يف مجـال التسـليح وتطويـر أدوات غـر تقليديـة ميكـن توظيفهـا يف إخضـاع الخصـوم، واخـرتاق الـدول املعاديـة داخليـاً، مـن خـالل الحـروب اإلعالميـة، والحـروب السـيرانية، والحـروب املعلوماتيـة، وال ينفصـل ذلـك عـن التوظيـف العسـكري غر التقليـدي للتكنولوجيـا املدنيـة شـائعة االسـتخدام مـن جانـب الـدول والفاعلـن املُسـلحن مــن غــر الــدول، مثــل تفخيــخ الدرونــز املدنيــة، واســتخدام القــوارب املوجهــة عــن بعــد يف مهاجمـة املالحـة البحريـة، واالعتـاد عـى خرائـط جوجـل لتوجيـه الهجـات وتحديـد األهـداف .

وعـى مسـتوى آخـر، تصاعـدت قـدرات الفاعلـن املُسـلحن مـن غـر الـدول عـى تنفيـذ هجــات مؤثــرة ومارســة أنشــطتها بصــورة عابــرة للحــدود مثــل التنظيــات اإلرهابيــة

وامليليشـيات املُسـلحة وعصابـات الجرميـة املنظمـة وشـبكات التهريـب، كـا أضحـى األفـراد قادريـن عـى تهديـد أمـن واسـتقرار الـدول باالعتـاد عى وسـائل مدنيـة متاحـة وإمكانيات محـدودة للقيـام بهجـات غـر متوقعـة تخـرتق اإلجـراءات األمنيـة املشـددة، وتسـبب قـدراً كبـراً مـن األرضار املاديـة والبرشيـة. كـا عـززت الجاعـات اإلرهابيـة تحالفاتهـا الرجاتيـة مـع الفواعـل املُسـلحة األخـرى،

املُسـلحة وماثلـحلـرعكاصاتبـااالنتفالصجالريـمية. ـةاملنظمـة وشـبكات تهريـب املخدرات واألسـلحة، وامليليشـيات

وبـات عـى الـدول يف عـرص “حـروب الجيـل الخامـس” االسـتعداد للتعايـش مـع حالـة “اســتدامة التهديــدات” نتيجــة تزايــد وتــرة التحــوالت غــر املتوقعــة مــع تراجــع ســيطرة الـدول عـى التدفقـات البرشيـة واملاليـة واملعلوماتيـة العابـرة للحـدود وصعـود دور الفاعلـن مــن غــر الــدول الذيــن ال ميكــن الســيطرة عليهــم بآليــات الضبــط التقليديــة، كــا أن حسـابات الـردع التقليديـة تكـون غـر ذات فاعليـة يف منعهـم مـن تنفيـذ تهديداتهـم ملصالـح الدولـة، باإلضافـة إىل تعـذر إمكانيـة القضـاء التـام عـى مصـادر التهديـدات بسـبب قـدرات املراوغـة واالنتشـار والتخفـي لـدى هـؤالء الفاعلـن، وقيـام بعضهـم بـأدوار الوكالـة لصالـح بعـض القـوى اإلقليميـة والدوليـة.

ويف مواجهــة هــذه التهديـدات غـر التقليديــة، تتبــع الــدول اســرتاتيجيات تقــوم عــى االسـتعداد الدائـم والتحسـب لوقـوع تهديـدات غـر متوقعـة واملرونـة العاليـة يف مواجهـة الصدمـات املفاجئـة، فضـالً عـن الدمـج بـن سياسـات متوازيـة يف التعامـل مـع التهديـد الواحــد، مثــل اتبــاع سياســات االنخــراط العســكري واالحتــواء والــردع يف مواجهــة بــؤر التهديـدات، كـا مل تعـد الـدول تتعامـل مـع التهديـدات مبنطـق دفاعـي يقـوم عـى انتظـار تحقـق التهديـدات املحتملـة والـرد عـى مصـادر التهديـد بصـورة مدمـرة، حيـث بـات مـن الثابـت يف االسـرتاتيجيات العسـكرية للـدول التعامـل مـع التهديـدات عر سياسـات االسـتباق والتدخـل الوقـايئ باعتبارهـا ضمـن آليـات الدفـاع املتقـدم عـن مصالـح الدولـة الحيويـة.

ويف هـذا اإلطـار، يتنـاول العـدد األول مـن سلسـلة “دراسـات املسـتقبل” موضـوع “حروب الجيـل الخامـس” مـن خـالل دراسـة أعدهـا الدكتـور شـادي عبدالوهـاب، رئيـس التحريـر التنفيـذي لدوريـة اتجاهـات األحـداث، ورئيـس وحـدة تقديـر االتجاهـات األمنيـة. والحاصـل عـي درجـة الدكتـوراه يف العلـوم السياسـية مـن كليـة االقتصـاد والعلـوم السياسـية، جامعـة القاهـرة. كـا أن لـه العديـد مـن الدراسـات املنشـورة حـول قضايـا مثـل الحـروب الالمتاثلة واإلرهـاب والتطـرف وأمـن الحـدود وإدارة الرصاعـات الداخليـة مـن منظـور مؤسـي يف العـراق ولبنـان واليمـن، وسـبق لـه العمـل يف مركـز املعلومـات ودعـم اتخـاذ القـرار، التابـع ملجلـس الـوزراء املـرصي.

وتركـز الدراسـة عـى تحليـل تطـور أجيـال الحـروب التقليديـة، والتحـوالت التـي شـهدتها املواجهـات العسـكرية، واملالمـح الرئيسـية لحـروب الجيـل الخامـس، ودافـع التغـر يف طبيعـة الحـروب وأمنـاط املواجهـات العسـكرية غـر التقليديـة ومجاالتهـا الرئيسـية، باإلضافـة إىل تقييـم األسـاليب التـي تعتمـد عليهـا الـدول يف مواجهـة التهديـدات األمنيـة املتصاعـدة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.