حروب الجيل الخامس:

التحوالت الرئيسية في المواجهات العنيفة غير التقليدية في العالم

Future Studies - - دراسات المستقبل - د. شادي عبدالوهاب*

تُوصـف الحـرب بأنهـا “اسـتمراٌر للسياسـة، ولكـن بـأدوات أخـرى”، فوفقـاً لـكارل فـون كالوزفيتـز، ال تعـدو الحـرب كونهـا مجـرد أداة لتحقيـق هـدف محـدد، وهـو “إجبـار العـدو عـى االنصيـاع” إلرادة الدولـة وفـرض السـالم وفـق الـرشوط التـي تحقـق مصالـح الطـرف املنتـرص.)1(

وتتجــاوز غايــة الحــرب مجــرد تحقيــق االنتصــار امليــداين يف أرض املعركــة عــر إلحــاق الهزميــة بالدولـة املعتديـة والسـيطرة عـى املنطقـة املتنـازع عليهـا وإسـقاط نظـام الحكـم وإجبـار الخصـوم عـى تعديـل سـلوكهم، إذ تهـدف الحـرب إىل تحقيـق املصالـح القوميـة للدولـة، واملتمثلـة يف الحفـاظ عـى البقـاء واألمـن ودعـم االسـتقرار وتعزيـز النفـوذ والقـوة واملكانـة اإلقليميـة والدوليـة.)2( وميكـن القـول إنـه مـع التسـليم بـأن طبيعـة الحـرب مل تتغـر، فإنـه قـد طـرأت عليهـا عـدة تحـوالت يتمثـل أهمهـا فيـا يـي :

-1 تراجـع الرصاعـات بـن الـدول، يف مقابـل تزايـد الرصاعـات الداخليـة، التـي تتفجـر بـن الدولـة والفواعـل املسـلحة مـن غـر الـدول، مـن دون أن ينفـي هـذا تدخـل بعـض الـدول يف هـذه الرصاعـات الداخليـة دعـاً لألطـراف املتحالفـة معهـا. -2 تصاعــد التعــاون بــن الفواعــل املســلحة مــن دون الــدول وجاعــات الجرميــة املنظمــة العابــرة للحـدود الدوليـة، فعـى الرغـم مـن اختـالف أهدافهـا كليـاً، فـإن املصالـح املشـرتكة تدفعهـا للتعاون، مـا يـؤدي لتزايـد حـدة الفـوىض األمنيـة، ووجـود أقاليـم خارجـة عـن سـيطرة مؤسسـات الدولـة. -3 انتشـار الرصاعـات املمتـدة التـي تسـتمر لفـرات زمنيـة طويلـة، إذ تـدرك األطـراف املنخرطـة يف الرصاعـات أنهـا لـن تحقـق أهدافهـا أو تتمكـن مـن حسـم الـرصاع يف املـدى القصـر، ولذلـك تتبـع أسـلوب “االنخـراط املحـدود”، مبعنـى تجنـب التـورط العسـكري املبـارش يف الرصاعـات، واالعتـاد عـى الـوكالء مـن الفاعلـن املُسـلحن مـن غـر الـدول، وتوفـر الدعـم املـادي والعسـكري واالسـتخبارايت لهـم . -4 اسـتغالل الفواعـل املسـلحة مـن غـر الـدول للتطـور التكنولوجـي، خاصـة مـن املـواد والتقنيـات مزدوجـة االسـتخدام التـي يتـم تداولهـا ألغـراض تجاريـة، وقابلـة إلعـادة توظيفهـا للقيـام بعمليـات إرهابيـة أو قتاليـة، مثـل تحميـل الدرونـز باملتفجـرات، أو اسـتخدام الطابعـات ثالثيـة األبعـاد يف تصنيـع األسـلحة واملتفجـرات. -5 تـاليش الخطـوط الفاصلـة بـن حالتـي الحـرب والسـلم، خاصـة مـع لجـوء الـدول، بـل والفواعـل املسـلحة مـن غـر الـدول، إىل توظيـف الحـرب املعلوماتيـة يف مواجهـة خصومهـم، ويرتبـط ذلـك بتمـدد العوملـة، وتطـور وسـائل االتصـاالت، وتزايـد الحـروب االقتصاديـة والتجاريـة. -6 تراجـع الـوالء للدولـة الوطنيـة يف بـؤر الرصاعـات املسـلحة، ويرجـع ذلـك إىل صعـود الـوالءات الفرعيـة لكيانـات أو قضايـا عابـرة لحـدود الدولـة، مثـل السـعي إلقامـة “الخالفـة”، أو الـوالء لكيانات مـن دون الدولـة، كإثنيـة أو طائفـة معينـة، وهـو مـا أدى النتشـار التطـرف الدينـي والقومـي والطائفـي.

وقـد ترتبـت عـى مـا سـبق تداعيـات مهمـة، يتمثـل أهمهـا يف انعـدام اليقـن حـول الرصاعـات، خاصــة مــع عــدم القابليــة للتنبــؤ بنتائــج الحــروب أو تداعياتهــا. وحتــى يف حالــة نجــاح الدولــة يف تحقيـق أهدافهـا املبـارشة مـن الحـرب، فـإن هـذا ال ينفـي حـدوث تداعيـات جانبيـة غـر مقصـودة عـى املـدى القريـب، مثـل تغـر تـوازن القـوى لغـر صالـح الدولـة البادئـة للحـرب، أو تبـدل التحالفـات السياسـية، سـواء يف اإلقليـم الـذي يشـهد الحـرب أو عـى املسـتوى الـدويل، وعـى املـدى البعيـد، قـد يرتتـب عـى الحـرب ظهـور خصـوم جـدد، وتحالفـات غـر مرغـوب فيهـا، فضـالً عـن انتشـار تكنولوجيا السـالح، مـع اسـتفادة الـدول األخـرى والفاعلـن مـن غـر الـدول مـن دروس الحـرب.)3(

ولقـد أدت هـذه العوامـل ُمجتمعـة إىل تصاعـد حـروب الجيـل الخامـس التـي تُعـرف بأنهـا: حـرب بـال قيـود، يتـم شـّنها غالبـاً عـر فـرتة زمنيـة ممتـدة، وتهـدف إىل هزميـة الخصـم، وتفجـر الدولـة من الداخـل عـر الرتكيـز عـى إثـارة التناقضـات واالنقسـامات املجتمعيـة وتعميقهـا، باسـتخدام املواجهـات العسـكرية وغـر العسـكرية، وبتوظيـف أسـاليب الحـرب االقتصاديـة واملعلوماتيـة والنفسـية، وغرهـا.

وتسـتند هـذه الحـروب إىل تحالفـات شـبكية تضـم الـدول والفواعـل املسـلحة مـن غـر الـدول، سـواء كانـت جاعـات إرهابيـة، أو جاعـات جرميـة منظمـة، وغرهـا مـن الجاعـات التـي ال يجمعهـا هـدف مشـرتك، سـوى إسـقاط الدولـة املعنيـة.

وتتسـم حـروب الجيـل الخامـس بأنهـا تسـتهدف املجتمـع، فهـي تقـوم عـى اسـتغالل التناقضـات املوجـودة يف بنيتـه، وأوجـه الضعـف القامئـة فيـه، إلثـارة سـخط الشـعب، ومـن ثـم تهديـد كيـان الدولـة مـن داخلهـا مبـا ينـذر بإمكانيـة انهيارهـا أو إضعافهـا يف أقـل األحـوال.

ويقــوم الجيــل الخامــس مــن الحــروب عــى اســتهدف الــدول يف مجــاالت شــتى، وليــس املجــال العسـكري فقـط، إذ تعتمـد بصـورة أكـر عـى الحـروب االقتصاديـة واملاليـة واملعلوماتيـة وغرهـا، كـا أنهـا ترتكـز عـى إقامـة تحالفـات واسـعة تضـم دوالً وجاعـات وشـبكات إجراميـة، بـل وحتـى أفـراد، ال تجمعهـم بالـرورة مصلحـة سـوى إسـقاط الدولـة املسـتهدفة.

ويف هــذا الصــدد تســعى الدراســة إىل اســتعراض تطــور الحــروب مــن خــالل توضيــح مالمــح األجيــال املختلفــة مــن الحــروب والرتكيــز عــى حــروب الجيــل الخامــس وســاتها الرئيســية، وأخــراً طــرح اآلليــات والوســائل التــي ميكــن مــن خاللهــا مواجهتهــا.

أوًال: تطور أجيال الحروب الحديثة

يـرى العديـد مـن املحللـن االسـرتاتيجين والعسـكرين أن التأريـخ للحـروب الحديثـة يرجـع إىل توقيـع “معاهـدة صلـح وسـتفاليا”، عـام 1648 التـي ارتبطـت بنشـأة الـدول القوميـة واحتكارهـا االسـتخدام الرشعـي للقـوة ، ومنـذ ذلـك الوقـت دخلـت الـدول يف رصاعـات وحـروب تتطـور مـن جيـل آلخـر،

)4( وتجـدر اإلشـارة إىل وجـود قـدر مـن التداخـل بـن أجيـال الحـروب، كـا أن ظهـور جيـل جديـد ال يعنـي نسـخ مـا سـبقه، وتتمثـل املالمـح األساسـية ألجيـال الحـروب فيـا يـي: -1 حــروب الجيــل األول: اعتمــدت عــى اســتخدام البنــادق واملدافــع البدائيــة، إذ كان الخصــوم املتحاربــون يحشــدون عــدداً ضخــاً مــن القــوات يف شــكل صفــوف لتوجيــه النــران بكثافــة وعــى امتـداد ميـدان املعركـة، ومتثـل الهـدف الرئيـي للحـرب يف تحقيـق انتصـار عسـكري حاسـم مـن أول مواجهـة، ومثـال ذلـك الحـروب النابليونيـة يف أوائـل القـرن التاسـع عـرش. وتتمثـل أهميـة هـذا الجيـل مـن الحـروب يف أنـه سـاهم يف غـرس ثقافـة النظـام واالنضبـاط يف الجيـوش، والتـي التـزال متثـل

الســمة الرئيســية يف الجيــوش الحديثــة، غــر أنــه مــع تطــور األســلحة واملعــدات العســكرية، خاصــة البنـادق اآلليـة، فـإن تكتيـكات “الصفـوف” أصبحـت عقيمـة وانتحاريـة.)5( -2 حــروب الجيــل الثــاين: أدى التطــور التكنولوجــي وتوافــر قــوة نــران أشــد كثافــة يف ميــدان املعركـة، مـع انتشـار البنـادق اآلليـة واملدرعـات الثقيلـة، إىل الرتاجـع عـن تكتيـكات حشـد عـدد كبـر مـن القـوات يف ميـدان املعركـة، واالعتـاد عـى الخنـادق بـدالً مـن ذلـك، فقـد كان الهـدف الرئيـي مـن الحـرب هـو االسـتنزاف، وقـد أوجـز الفرنسـيون العقيـدة األساسـية لهـذا الجيـل مـن الحـروب يف املبـدأ التـايل: “املدفعيـة تهـزم واملشـاة تحتـل”، وهـو مـا جعـل النـران الكثيفـة هـي السـالح الحاسـم يف املعركـة.

وتقـوم حـروب الجيـل الثـاين عـى التنسـيق بـن أسـلحة املدفعيـة واملدرعـات واملشـاة،والرتكيز عـى الطاعـة والنظـام واالنضبـاط، وليـس املبـادرة، ألنهـا تخـل بالتنسـيق بـن األسـلحة املختلفـة ، واالعتقـاد

)6( بوجــود حلــول منهاجيــة للمشــكالت كافــة، ويتــم شــن الحــرب بنــاء عــى منهــج محــدد يتــم تدريــب الضبـاط والجنـود عـى تطبيقـه.

ويعـد التطـور التكنولوجـي العامـل الحاسـم يف الجيـل الثـاين مـن الحـروب، إذ ارتبـط هـذا النمـط مـن الحـروب بظهـور معـدات عسـكرية حديثـة، مثـل املدرعـات الثقيلـة، والطائـرات املقاتلـة، فضـالً عـن االسـتفادة مـن االقتصـاد الصناعـي للـدول األوروبيـة إلنتـاج العتـاد العسـكري بكميـات ضخمـة.)7( -3 حـروب الجيـل الثالـث: ظهـر هـذا الجيـل مـن الحـروب خـالل الحـرب العامليـة الثانيـة، مـع قيـام األملـان بتطبيـق منـط “الحـروب الخاطفـة” Blitz�( )krieg، وســاهم يف ظهورهــا عامــالن أساســيان، أولهــا: اســتمرار التطــور التكنولوجــي، خاصــة ظهــور الدبابــات، باإلضافــة إىل تطــور الطائــرات املقاتلـة ونظـم االتصـاالت، مـا سـاعد عـى القيـام بـــاملناورات العســكرية بدرجــة مل تكــن معهــودة ســابقاً، وســمح بالتنســيق بــن نــران القــوات الريـة والجويـة، وقـد سـاعد هـذا جيشـاً ذا عـدد أقـل مـن املقاتلـن عـى االنتصـار عـى جيـش أكـر عــدداً، مثــل االنتصــار الســاحق لألملــان عــى الفرنســين يف مايــو .)8(1940

أمـا العامـل الثـاين واألكـر حسـاً فهـو صعـود هـذا الجيـل مـن الحـروب، فقـد متثـل يف األفـكار )Ideas(، فنظـراً إلدراك األملـان أنهـم ال يسـتطيعون الفـوز يف حجـم العتـاد العسـكري، لضعـف قوتهـم االقتصاديـة مقارنـة بالـدول األوروبيـة األخـرى، فقـد عمـدوا إىل تطويـر تكتيـكات عسـكرية راديكاليـة مختلفـة متامـاً عـن سـابقتها، واعتمـدوا أسـلوب املنـاورة، بـدالً مـن االسـتنزاف مـن خـالل االلتفـاف

)9( عــى قــوات العــدو، وتحقيــق اخــرتاق عميــق لدفاعاتــه، مــن أجــل قطــع خطــوط إمداداتــه وتدمــر مراكـزه القياديـة واإلداريـة وبالتـايل هزميتـه.)10(

وتراجعـت ثقافـة االنضبـاط التـي سـادت خـالل الجيلـن األول والثـاين مـن الحـروب، فقـد أصبـح الرتكيــز ينصــب عــى مواجهــة العــدو، وليــس عــى االنضبــاط الداخــي، ومــن ثــم أصبحــت املبــادرة وليـس الطاعـة، هـو مـا يهـم، وأضحـى قـادة الجيـش مطالبـن بتحقيـق نتائـج إيجابيـة بغـض النظـر عــن التكتيــكات التــي يتبعونهــا، ولذلــك كانــت آليــة اتخــاذ القــرار تتســم بالالمركزيــة، عــى عكــس الجيلـن السـابقن مـن الحـروب.)11(

تعتمــد حــروب الجيــل الرابــع عــى توظيــف أسـلوب حـرب العصابـات، إلقنـاع متخـذ القـرار الســيايس للخصــم بــأن األهــداف االســراتيجية التـي يسـعى لتحقيقهـا إمـا أنه ال ميكـن تحقيقها، أو أنهـا مكلفـة للغايـة مقارنـة بالعوائـد املتوقعـة مــن ورائهــا، ويرتبــط ذلــك بتنظيــم حمــالت إعالميــة كثيفــة للتأثــر عــى نخبــة صنــع واتخــاذ القــرار يف الدولــة املعاديــة.

-4 حـروب الجيـل الرابـع: ترجـع بدايـة هـذا النـوع مـن الحـروب إىل مـا قبـل الحـرب العامليـة الثانيـة بفـرتة طويلـة، كـا يف الحـرب األهليـة األمريكيـة 1861( – )1865 والحـرب الروسـية – اليابانيـة 1904( – )1905، وكان “مـاو تـي تونـج” ‪)Mao Tse Tong(‬ ، زعيـم الثـورة الصينيـة ومؤسـس جمهوريـة الصن الشـعبية، أول مـن كتـب وقـام بالتطبيـق الناجـح لحـروب الجيـل الرابـع.

وقـد حـدد “تونـج” املراحـل الثـالث الروريـة لنجـاح حركـة التمـرد مـن وجهـة نظـره، والتـي تتمثـل أوالهـا يف تركيـز حركـة التمـرد عـى بنـاء الدعـم السـيايس لها،حيـث تقتـرص العمليـات العسـكرية يف هـذه املرحلـة، عـى االغتيـاالت السياسـية التـي تصاحبهـا حمـالت دعائيـة مـن أجـل حشـد دعـم الشـعب لحركـة التمـرد.

وتبـدأ املرحلـة الثانيـة مـع زيـادة قـوة حركـة التمـرد، حيـث تـرشع خاللهـا يف السـيطرة عـى بعـض املناطـق املتنـازع عليهـا وحكمهـا، وتتمثـل املرحلـة الثالثـة يف التحـول إىل جيـش نظامي والسـعي إلسـقاط الحكومـة املعاديـة، وقـد كان مـاو تـي تونـج أول مـن رأي أن الحصـول عـى القـوة السياسـية يعـد شـيئاً رضوريـاً مـن أجـل نجـاح حركـة التمـرد.)12(

وتعتمـد حـروب الجيـل الرابـع عـى توظيـف أسـلوب حـرب العصابـات، إلقناع متخـذ القرار السـيايس للخصـم بـأن األهـداف االسـرتاتيجية التـي يسـعى لتحقيقهـا إمـا أنـه ال ميكـن تحقيقهـا، أو أنهـا مكلفـة للغايـة مقارنـة بالعوائـد املتوقعـة مـن ورائهـا، ويرتبـط ذلـك بتنظيـم حمـالت إعالميـة كثيفـة للتأثـر عى نخبـة صنـع واتخـاذ القـرار يف الدولـة املعاديـة، وتتمثـل أبـرز خصائـص حـروب الجيـل الرابـع يف التـايل: أ- االمتـداد الزمنـي: قـد متتـد حـروب الجيـل الرابـع لسـنوات ويف بعـض األحيـان لعقـود طويلـة، فقـد

حــارب الفيتناميــون الواليــات املتحــدة ألكــر مــن عقــد مــن الزمــان، وقــام الفلســطينيون مبقاومــة االحتـالل اإلرسائيـي منـذ إعـالن قيـام الكيـان الصهيـوين يف عـام 1948 عـى أقـل تقديـر، وحتـى يف الحـاالت التـي شـهدت نجاحـاً يف القضـاء عـى حركـة التمـرد، فـإن املواجهـات اسـتغرقت وقتـاً طويـالً، وعـى سـبيل املثـال، تطلـب القضـاء عـى حركـة التمـرد يف السـلفادور حـوايل 12 عامـاً .)13()1991 ب- أولويـة األبعـاد السياسـية: تكـون املعركـة يف هـذا الجيـل مـن الحـروب سياسـية باألسـاس، وليسـت عسـكرية، فالهـدف مـن الحـرب ليـس الهزميـة التقليديـة لجيـش الخصـم، ولكـن تحقيـق نـرص سـيايس عليـه مـن خـالل كـرس إرادتـه ورفـع تكلفـة اسـتمراره يف الحـرب ، وتعـد مثـل هـذه الحـروب مبنزلـة

)14( “ثقـب أسـود مـايل” ميثـل اسـتنزافاً ماديـاً حتـى بالنسـبة ألكـر االقتصـادات، كـا توضـح التجربـة األمريكيـة يف فيتنـام يف السـتينيات ، والتجربـة السـوفييتية يف أفغانسـتان يف الثانينيـات مـن القرن

)15( العرشيـن . ج- اسـتهداف املدنيـن: يرجـع تزايـد اسـتهداف املدنيـن إىل أن هيـكل الدعـم واإلسـناد لحركـة التمـرد يضـم كالً مـن املدنيـن واملقاتلـن عـى حـد سـواء، فضـالً عـن أن القتـال يتـم يف مناطـق مكتظـة بالسـكان، ويتــم اسـتخدام األسـلحة التقليديـة مـن جانـب الجيـوش، والتــي ال تصلـح لالسـتخدام يف املناطـق املدنيـة، تـؤدي لوقـوع عـدد كبـر مـن الضحايـا املدنيـن.)16( د- تع ـدد س ـاحات القت ـال: ال توجـد معـامل واضحـة ألرض املعركــة يف حــروب الجيــل الرابــع، حيــث ينتــرش القتــال يف أماكــن متعــددة وغــر محــددة؛ فلــم تعــد عمليــات حــركات التمــرد تقتــرص عــى منطقـة بعينهـا، وباتـت تسـتهدف املناطـق واملواقـع واملــدن الهامــة يف الدولــة. هــ- محوريــة حــرب املعلومــات: يتزايــد االعتــاد عــى حــرب املعلومــات وتوظيــف وســائل اإلعــالم وتوجيههــا لتقليــل الدعــم الشــعبي للحكومــة التــي تشـن الحـرب ، وذلـك مـن خـالل إلقـاء الضـوء،

)17( مثـالً عـى مـا تقرتفـه قواتهـا مـن انتهاكات جسـيمة لحقــوق اإلنســان بحــق املدنيــن. و- تدخـل األطـراف الخارجيـة: ال تقتـرص الحـرب عـى أطرافهـا املبـارشة فقـط، فقـد تقـدم دولـة مـا أو فواعـل مسـلحة مـن غـر الـدول الدعـم ملقاتـي دولـة أو جاعـة تخـوض الحـرب بهـدف تحقيـق أغـراض سياسـية تتمثـل يف إطالـة أمـد الحـرب أو اسـتنزاف الخصـم.

تتسـم حـروب الجيـل الخامـس بأنهـا تسـتهدف املجتمـع، فهـي تقـوم عـى اسـتغالل التناقضـات املوجــودة يف بنيتــه، وأوجــه الضعــف القامئــة فيــه، إلثــارة ســخط الشــعب، ومــن ثــم تهديــد كيـان الدولـة مـن داخلهـا، مبـا ينـذر بإمكانيـة انهيارهـا أو إضعافهـا يف أقـل األحـوال، كـا يتـم االعتــاد عــى الحــروب االقتصاديــة واملاليــة واملعلوماتيــة وإقامــة تحالفــات واســعة تضــم دوالً وجاعـات وشـبكات إجراميـة، بـل وحتـى أفــراد، ال تجمعهــم بالــرورة مصلحــة ســوى إســقاط الدولــة املســتهدفة.

ثانيًا: المحددات األساسية لتطور الحروب

يرجـع تطـور أجيـال الحـروب التقليديـة إىل عـدة عوامـل مـن بينهـا تغـر طبيعـة الخصـوم، والتحـوالت التـي شـهدتها تكنولوجيـا التسـلح وانعكاسـاتها عـى التكتيـكات العسـكرية، باإلضافـة إىل تغـر طبيعـة األهـداف التـي تسـعى الحـروب لتحقيقهـا، وتغـر مراكـز الثقـل العسـكري، ويف هـذا الصـدد تتمثـل أهـم محـددات تطـور الحـروب فيـا يـي: -1 تغــر طبيعــة الخصــوم: يعــد التزامــن بــن تطــور أمنــاط جديــدة للرصاعــات وتغــر طبيعــة

الخصـوم مـن أهـم محـددات تطـور األجيـال املختلفـة مـن الحـروب. فقـد كان اخـرتاع أسـلحة متقدمـة، مثـل البنـادق واملدافـع، وبالتـايل ظهـور التشـكيالت العسـكرية يف شـكل صفـوف Column( & Line )Formation، هــو مــا أدى إىل ظهــور الجيــل األول مــن الحــروب، فيــا تطــور الجيــل الثــاين بعــد اســتخدام الخنــادق للحــد مــن الخســائر يف األرواح. وتــرز حالــة الحــرب األهليــة األمريكيــة هــذا التطـور االنتقـايل مـن الجيـل األول إىل الثـاين، فقـد بـدأت تلـك الحـرب بسـاحات القتـال املفتوحـة، لكنهـا اتبعـت بعـد ذلـك تكتيـكات واسـرتاتيجيات حـروب الخنـادق.

أمـا الجيـل الثالـث فقـد ظهـر مـع اخـرتاع املدرعـات وظهـور مـا يعـرف باسـم الجيـوش املميكنـة ‪)Mechanized Army(‬ القـادرة عـى التحـرك برسعـة وأداء املنـاورات للهيمنـة عـى املعـارك التقليديـة، وهـو مـا بـدأ خـالل الحـرب العامليـة األوىل، واليـزال مسـتمراً حتـى اآلن ، فيـا شـهدت الخمسـون

)18( عامـاً التاليـة للحـرب العامليـة الثانيـة تطـوراً الفتـاً أدى لظهـور الجيـل الرابـع بخصائصـه املتعـددة التـي متـت اإلشـارة إليهـا سـابقاً.

ويشـر “فـان كريفيلـد” يف كتـاب “تحـوالت الحـرب”، إىل أنـه مـن بـن أكـر مـن 160 رصاعـاً مســلحاً حــول العــامل خــالل الفــرتة مــا بــن 1945 و1991، فــإن %75 منهــا تتســم بأنهــا منخفضــة الحـدة، سـواًء كانـت حـرب عصابـات أو أعـاالً إرهابيـة، كـا أنـه مـن بـن 159 “عمليـة متـرد” يف الفــرتة مــن 1950 وحتــى 2003، فــإن معــدالت نجــاح الــدول يف محاربـة أنشـطة التمـرد بلغـت نحـو %21 فقــط.

وقــد اقتــرصت حــروب الجيــل الرابــع نســبياً عــى الــدول والجاعــات املنظمــة أو شــبه املنظمــة، مثــل حــركات التمــرد والتنظيــات اإلرهابيــة، فيــا مكنـت حـروب الجيـل الخامـس كل كيـان ميتلـك الوسـائل االقتصاديـة والتقنيــة ولديــه رغبــة يف شــن حـروب، مـن القيـام بذلـك. ففـي عـرص املعلومـات، مل تعـد الحـروب حكـراً عـى الـدول والجاعـات املنظمـة فقـط، بـل أضحـت مجـال عمـل لكيانـات أخـرى، مثـل الشـبكات العابـرة للحـدود الوطنيـة، بـل واألفـراد ذوي الكفـاءات شـديدة التميـز ‪Super–Empowered Indi�(‬ )viduals، والتحالفـات التـي قـد تقـوم بينهـم )Supra–Combinations(، وهـو مـا يُعـد تطـوراً غـر مســبوق .)19( -2 تطـور أهـداف الحـروب: أحـدث التغـر يف أسـباب وأمنـاط الحـرب والخصـوم تغـراً موازيـاً يف أهـداف الحـروب، ومعايـر النـرص والهزميـة، حيـث انتقلـت مـن اإلبـادة إىل اسـتنزاف املـوارد واملنـاورة وإضعـاف إرادة الخصـم وتحقيـق االنهيـار الداخـي لـه. ففـي الجيـل األول كان الهـدف هـو اإلبـادة التامـة، أي التدمـر املبـارش للجيـش املعـادي مـن خـالل توجيـه رضبـات عسـكرية ملركـز ثقلـه ، وتعـد هزميـة نابليـون يف معركـة “ووترلـو” عـام 1815 عـى

)20( يـد ولنجتـون منوذجـاً كالسـيكياً عـى ذلـك.

لكــن مــع اســتخدام الخنــادق، باتــت قــدرة الجيــوش عــى اإلبــادة محــدودة، لينتقــل الهــدف يف حــروب الجيــل الثــاين إىل اســتنزاف مــوارد الخصــم، واملثــل األبــرز عــى ذلــك هــو الحــرب العامليــة األوىل .

ومــع تطبيــق األملــان مفهــوم الحــرب الخاطفــة يف بدايــة الحــرب العامليــة الثانيــة، واســتخدام أسـلوب املنـاورة لهزميـة الخصـم، بـرزت حـروب الجيـل الثالـث، حيـث قـام الجيـش األملـاين باسـتخدام تكتيــكات املنــاورة ضــد هيــكل القيــادة والســيطرة وهيــكل اإلمــدادات، وقــام بفصلهــا عــن الوحــدات املقاتلـة للجيـش الفرنـي، وهـو مـا كان كفيـالً بهزميـة الفرنسـين.

وأدى غيـاب املـوارد الكافيـة لهزميـة الخصـوم بالطـرق التقليديـة مـن خـالل اإلبـادة أو اسـتنزاف املـوارد أو مـن خـالل املنـاورة، إىل اعتـاد حـروب الجيـل الرابـع عـى اسـتنزاف إرادة الخصـم، فمـن خـالل اسـتخدام اسـرتاتيجيات وتكتيـكات حـركات التمـرد املسـلحة، عـالوة عـى إمكانيـة شـن حمـالت معلوماتيـة ودعائيـة مكثفـة لفـرتة طويلـة مـن الزمـن، فإنـه يتـم اسـتنزاف اإلرادة السياسـية الداعمـة للقتـال، وكان هـذا النـوع مـن الحـروب، واليـزال، هـو الوحيـد القـادر عـى هزميـة القـوى العظمـى، مثـل الواليـات املتحـدة يف فيتنـام والصومـال، وهزميـة االتحـاد السـوفييتي يف أفغانسـتان.)21(

وتختلـف حـروب الجيـل الخامـس، عـن األجيـال السـابقة يف توسـع مجاالتهـا مـن خـالل إقامـة تحالفـات شـبكية بـن الـدول والكيانـات مـن غـر الـدول واألفـراد. ويتمثـل هدفهـا يف تحقيـق االنهيـار الداخـي للدولـة نتيجـة للقصـور الـذايت، فوفقـاً للرائد شـانون بيـب، مسـؤول االسـتخبارات األمريكية يف أفريقيـا، فـإن “حـروب الجيـل الخامـس ال تسـتخدم القـوة املسـلحة أو األفـكار وحدهـا، ولكنهـا مبنزلـة “دوامـة عنـف” ‪)Vortex of Violence(‬ وتدمـر مباغـت وغـر متوقـع يكـون محركـه األسـايس اإلحباط أكـر مـن تكامـل الخطـط إلسـقاط العـدو.)22( -3 التحـوالت يف مراكـز الثقـل: اتسـمت مالمـح وطبيعــة الحــروب يف األجيــال الثالثــة األوىل بالثبـات تقريبـاً، فقـد كان العمـل العسـكري يرتكـز عـى تحديـد ومهاجمـة وتدمـر مركز الثقـل الخاص بالعـدو يف معركـة ماديـة، مـع قيـام الدولـة املهاجمة بحايـة مركـز الثقـل الخـاص بهـا، وهـو مـا انتهـى مــع حــروب الجيــل الرابــع، إذ يكــون مركــز الثقــل بعيــداً عــن ســاحة املعركــة املاديــة، نظــراً لتغــر طبيعـة املعركـة، إذ إنهـا معركـة سياسـية أكـر مـن كونهــا عســكرية. أمـا يف معـارك الجيـل الخامـس، فـإن مركـز الثقـل الـذي ميكـن اسـتخدام القـوة ضـده ال يكـون بعيـداً عـن سـاحة املعركـة املاديـة فقـط، مثـل الجيـل الرابـع، ولكـن أيضـاً يـؤدي وجـود تحالفـات شـبكية واســعة ‪)Networked Supra Combinations(‬ إىل جعــل مراكــز الثقــل ال ميكــن إدراكهــا مــن قبــل الخصـم أو تعطـي االنطبـاع بأنهـا غـر موجـودة.)23(

وتتسـم حـروب الجيـل الخامـس بــأن الخصـم ال ميكنـه تحديـد أي مركـز ثقـل ميكـن اسـتهدافه، فالخصــوم ال ميثلــون قــوة عســكرية منظمــة، ولكنهــم يرتكــزون حــول فكــرة أو معتقــد. وقــد يكــون نهجهـم عدميـاً غـر عقـالين، كـا قـد يلجـؤون إىل أفعـال غـر منطقيـة، مثـل قتـل املنتمـن إليهـم وتدمـر دولتهـم.)24( ولعـل املثـل الواضـح عـى ذلـك هـو التنظيـات اإلرهابيـة التـي تكـون عى اسـتعداد لتدمـر الدولـة عـى أسـاس أنهـا دولـة كافـرة، وتسـعى إلقامـة دولـة بديلـة، أو قيـام حكومـات بعـض

تعــد حــروب الجيــل الخامــس أكــر مــن مجــرد تطــور تقليــدي لحــروب الجيــل الرابــع، وأكــر تطــوراً مــن أشــكال التمــرد واإلرهــاب، فهــي حـرب بـال قيـود تسـتخدم فيهـا الوسـائل كافـة إلجبــار العــدو عــى الرضــوخ، والتــي يتمثــل أهمهــا يف تأســيس تحالفــات شــبكية تضــم الــدول والفواعــل املســلحة مــن غــر الــدول تقـوم عـى املصالـح املشـركة بـدالً مـن األهـداف األيديولوجيــة أو الوطنيــة.

الـدول بخـوض حـرب ضـد الشـعب ذاتـه. وقـد أدى ذلـك التسـاع مفهـوم القـوة بصـورة كبـرة ليضـم أي وسـيلة عسـكرية أو غـر عسـكرية، إلجبـار الخصـم عـى الخضـوع إلرادة خصمـه.)25(

ثالثًا: أسباب صعود حروب الجيل الخامس

يشـر تومـاس هامـز، العقيـد يف قـوات البحريـة األمريكيـة وأحـد املتخصصـن يف الدراسـات األمنيـة، والــذي كان مــن أبــرز املســاهمن يف صــك مفهــوم “حــروب الجيــل الرابــع”، إىل أن بدايــة تبلــور مصطلــح الجيــل الخامــس مــن الحــروب، كانــت نتــاج عــدة عوامــل سياســية واقتصاديــة واجتاعيــة وتكنولوجيــة، وذلــك عــى النحــو التــايل:

-1 تراجــع احتــكار القــوة: ترتبــط بدايــة الجيــل الخامــس مــن الحــروب برتاجــع احتــكار الدولــة السـتخدام القـوة املسـلحة، وظهـور فواعـل مسـلحة مـن غـر الـدول قـادرة عـى شـن الحـرب، مثـل التنظيـات اإلرهابيـة وعصابـات الجرميـة املنظمـة، وتعتمـد تلـك الجاعـات عـى القيـادة الكاريزميـة أكـر مـن اعتادهـا عـى العوامـل املؤسسـية، فضـالً عـن اعتادهـا عـى الـوالءات األيديولوجيـة العابرة للحـدود القوميـة يف بعـض األحيـان.

)26( فلـم تصبـح الدولـة فقـط هـي صاحبـة قـرار الحـرب، بـل أضحـت جاعـات محـدودة العـدد مـن األفـراد املتشـابهن فكريـاً، قـادرة عـى اتخـاذ قـرار خـوض الحـرب، ولعــل املثــل الواضــح يف هــذا اإلطــار، قيــام تنظيــم “داعــش” بالســيطرة عــى مســاحات واســعة مــن ســوريا والعــراق وحكمهــا بـدءاً مـن عـام 2014، وقيـام بوكـو حـرام يف نيجريـا باتبـاع األسـلوب ذاتــه يف العــام نفســه.

وحتــى يف الحــاالت التــي قامــت دول بشــن حــرب ضــد فواعــل مســلحة مــن غــر الــدول عـى أرايض دولـة أخـرى، كـا يف حــرب إرسائيــل ضــد حــزب اللــه يف لبنـان عـام 2006، فـإن األخـر اســتطاع الصمــود يف مواجهــة الرتســانة اإلرسائيليــة. -2 تداخــل أدوات الحــرب: تزايــد الرتابــط بــن املشــكالت االقتصاديــة والتهديــدات األمنيــة نتيجــة زيــادة االعتــاد املتبــادل يف االقتصــاد الــدويل الــذي جعــل مــن بعــض القضايــا االقتصاديــة، مثــل انقطــاع أو وقــف إنتــاج الســلع األساســية، مصــدر تهديــد لألمــن الوطنــي والــدويل.

وعـى سـبيل املثـال، قامـت مجموعـة مـن نحـو 20 نيجريـاً يف عـام 2006 باحتجـاز رهائـن مـن منصــة نفطيــة تابعــة لرشكــة شــل يف خليــج غينيــا، مــا اضطــر الرشكــة إىل وقــف إنتاجهــا يف دلتــا النيجـر، وهـو مـا أدى إىل تداعيـات اقتصاديـة سـلبية، ليـس فقـط عـى نيجريـا، ولكـن كذلـك عـى االقتصـاد الـدويل، نتيجـة ارتفـاع أسـعار النفـط بصـورة كبـرة.

-3 صعـود الـوالءات البديلـة: أدت العوملـة وتكنولوجيـا االتصـاالت واملعلومـات إىل اتجـاه بعـض األفراد لنقـل والئهـم مـن الدولـة إىل الـوالء لقضايـا معينـة، وصـار العديـد منهـم أكـر ارتباطـاً مبـا تتـم إثارتـه عـى شـبكة اإلنرتنـت، عـى حسـاب االهتـام باملشـكالت الحقيقيـة ملجتمعاتهـم، ويتمثـل مصـدر التهديـد هنـا يف أن بعضهـم أصبـح مسـتعداً للتطـرف واسـتخدام العنـف كوسـيلة للتعبـر عـن الـرأي، حتـى دون التقديـر املنطقـي لعواقـب أفعالـه.

كـا طـرأ تحـول يف مضمـون وطريقـة إرسـال املعلومـات، اسـتطاعت الجاعـات اإلرهابية االسـتفادة منهــا، مــن خــالل تنفيــذ حمــالت إعالميــة مدروســة تســتخدم أمناطــاً جديــدة مــن أدوات االتصــال مثـل وسـائل التواصـل االجتاعـي والهواتـف النقالـة واإلنرتنـت، بغـرض التجنيـد والتدريـب واالتصـال والتعليـم واسـتقطاب أعضـاء جـدد.

إن مجمـل هـذه التحـوالت االقتصاديـة والسياسـية واالجتاعيـة يشـر إىل بـروز أفـراد وجاعـات صغـرة تـزداد فاعليتهـم بسـبب تطـور أدوات االتصـاالت، ويربطهـم معـاً دفاعهـم عـن قضيـة معينـة بـدالً مـن الـوالء لدولتهـم، ومـع توظيفهـم للتكنولوجيـا الحديثـة، فإنهـم أضحـوا قادريـن عـى توليـد قوة مدمـرة كانـت تحتـاج يف السـابق إىل مـوارد الدولـة.)27(

ويصــف “هامــز” حــروب الجيــل الخامــس بأنهــا حــروب الشــبكات والطائــرات Jets( & )Nets، فشـبكات املعلومـات توفـر املعلومـات األساسـية عـن املعـدات واملـواد الالزمـة للقيـام بعمليـات إرهابيـة أو تخريبيـة، كـا أنهـا متثـل وسـيلة مهمـة لتجنيـد املتطوعـن املسـتقبلين، أمـا الطائـرات فسـوف توفـر الوسـيلة الرخيصـة للسـفر وتهريـب األسـلحة.)28(

-4 تســارع التطــورات التكنولوجيــة: أدت التطـورات التكنولوجيـة، خاصـة يف مجـاالت الـذكاء االصطناعــي و“التصنيــع باإلضافــة” Additive( )Manufacturing وتكنولوجيــا النانــو، إىل زيــادة قـدرة الفواعـل املسـلحة مـن غـر الـدول واألفـراد العاديــن عــى امتــالك األدوات الالزمــة لشــن الحــروب، وعــى الرغــم مــن أن هــذه التقنيــات التكنولوجيــة تكــون مكلفــة يف بدايتهــا، فإنهــا مــع مــرور الوقــت تصبــح رخيصــة، وتكــون متاحــة إتاحتهـا لالسـتخدامات التجاريـة عـى نطـاق واسـع، وهــو مــا يجعلهــا متوفــرة يف أيــدي عــدد كبــر مـن األشـخاص، ويتـم توظيفهـا يف شـن الحـروب وإحــداث قــدر كبــر مــن الدمــار.)29( وعــى ســبيل املثــال، فــإن “أنظمــة التســليح املســتقلة” ‪)Autonomous Systems(‬ قــد اســتفادت مــن هــذه التطــورات التكنولوجيــة، ومــن ذلــك “الدرونــز”، والتــي أصبــح يتــم إنتــاج املاليــن منهــا بتكلفــة منخفضـة، بــل وميكــن لألفـراد العاديــن اسـتخدامها مــن دون حاجـة ملهـارات خاصــة، كـا أنهـا ال تحتـاج إىل صيانـة، وإذا كان أغلـب أنـواع الدرونـز منخفـض التكلفـة، واليـزال يحتـاج إىل فـرد لتشـغيله عـن بعـد، فـإن رشكـة “ثـري دي روبوتيكـس” ‪)3D Robotics(‬ بالواليـات املتحـدة األمريكيـة قد قامـت بتطويـر درونـز “ذاتيـة القيـادة” تسـتخدم نظـام “الطيـار اآليل” مـن طـراز “كونـد” )Kunde( لالسـتخدام يف املجـال الزراعـي لتمكـن املزارعـن مـن مراقبـة محاصيلهـم ، وهـو مـا ينـذر بإمكانية

)30( قيـام التنظيـات اإلرهابيـة بتحميـل تلـك الدرونـز باملتفجـرات لتنفيـذ عمليـات إرهابيـة.

تضــم التحالفــات يف حــروب الجيــل الخامــس أطرافــاً متنوعــة، مثــل الدولــة والكيانــات مــن دون الدولـة والكيانـات العابـرة للحـدود القومية والشــبكات والجاعــات واألفــراد، مثــل الذئــاب املنفــردة التــي يقــوم فيهــا أشــخاص فــرادى بتنفيـذ عمليـات إرهابيـة مـن دون الحاجـة إىل االنضــام لتنظيــم إرهــايب، وال تلعــب القــوات املســلحة النظاميــة الــدور الرئيــي يف حــروب الجيــل الخامــس، فالفواعــل املســلحة مــن غــر الــدول، مثــل الجاعــات اإلرهابيــة، وعصابــات الجرميـة املنظمـة، ومنظـات املعارضـة املسـلحة، باتــت تتصــدر ســاحات القتــال.

وقـد بـدأت الفواعـل املسـلحة مـن دون الـدول يف اسـتخدام الدرونـز، مثـل حـزب اللـه يف لبنـان، تنظيـم “داعـش”، حيـث قـام يف أكتوبـر 2016 باسـتخدام طائـرة مـن دون طيـار محّملـة باملتفجـرات لقتـل اثنـن مـن مقاتـي البيشـمركة يف شـال العـراق، وجـرح جنديـن فرنسـين بإصابـات بالغـة، وقـد ظنـت القـوات الفرنسـية يف البدايـة أن هـذه الطائـرة مـن طائـرات االسـتطالع التـي يرسـلها التنظيـم، فتـم اعرتاضهـا وهبوطهـا عـى األرض، وحينـا حاولـوا تفكيكهـا لفحصهـا انفجـرت.)31(

وباإلضافـة إىل مـا سـبق، أشـار جهـاز االسـتخبارات الريطانيـة “إم. آي‪)MI5( ”5.‬ إىل أن “داعـش” يســعى إىل رشاء الدرونــز املتاحــة لالســتخدامات التجاريــة، وتحميلهــا باملتفجــرات، واســتخدام عــدد كبـر منهـا لشـن هجـات متزامنـة يف الوقـت نفسـه، ضـد املناطـق املكتظـة بأعـداد كبـرة مـن البـرش، مثـل املالعـب الرياضيـة أو حفـالت الغنـاء.)32(

وحتـى يف حالـة وضـع قيـود عـى بيـع مثـل هـذه الدرونـز، فـإن الطابعـات ثالثيـة األبعـاد، قـد تلغـي الحاجـة إىل رشائهـا مـن األسـاس، ففـي ينايـر 2015، أعلنـت رشكـة “فوكسـل ‪)Voxel 8( ”8‬ عـن ابتكارهـا طابعـة ثالثيـة األبعـاد جديـدة تقـدر تكلفتهـا بحـوايل 9 آالف دوالر، وميكنهـا طباعـة درونـز بالكامـل، مبـا يف ذلـك املحـرك واألجهـزة اإللكرتونيـة.)33(

رابعًا: مالمح حروب الجيل الخامس

تعـد حـروب الجيـل الخامـس أكـر مـن مجـرد تطـور تقليـدي لحـروب الجيـل الرابـع، وأكـر تطـوراً مـن أشـكال التمـرد واإلرهـاب، فهـي حـرب بـال قيـود ‪)Unrestricted warfare(‬ تسـتخدم فيهـا الوسـائل كافـة إلجبـار العـدو عـى الرضـوخ، ويتمثـل أهمهـا يف تأسـيس تحالفـات شـبكية تضـم الـدول والفواعـل املسـلحة مـن غـر الـدول تقـوم عـى املصالـح املشـرتكة بـدالً مـن األهـداف األيديولوجيـة أو الوطنيـة، وميكـن القـول إن هـذا النـوع األخطـر مـن الحـروب يتسـم بأربـع خصائـص تتمثـل يف التـايل:

-1 انتشـار املناطـق الرماديـة: يقصـد باملناطـق الرماديـة “التفاعـالت التنافسـية بـن وداخـل الفواعـل

مـن الـدول ومـن غـر الـدول، والتـي تقـع يف منطقـة وسـط بـن ثنائيـة الحـرب والسـالم، وتتسـم بوجــود غمــوض حــول طبيعــة الــرصاع، واألطــراف املنخرطــة فيــه، فضــالً عــن عــدم اليقــن حيــال السياسـة املناسـبة التـي يجـب اتباعهـا.)34(”

ومتثــل الحــرب األوكرانيــة يف عــام 2014 أحــد األمثلــة عــى “الحــرب الرماديــة”، إذ تــم توجيــه اتهامـات لروسـيا بقيامهـا بدعـم االنفصاليـن يف رشق أوكرانيـا بالسـالح واملقاتلـن، ولكـن روسـيا نفـت هـذه االتهامـات، وهـو مـا أدى لحالـة غمـوض أعاقـت الـدول الغربيـة عـن اتخـاذ مواقـف حازمـة ضـد موسـكو خاصـة يف بدايـة األزمـة.)35(

وال توجـد حاجـة يف الحـروب الرماديـة إىل تحقيـق نـرص رسيـع حاسـم، إذ يتـم الرتكيـز عـى العمـل تدريجيــاً لتحقيــق الهــدف النهــايئ مــن الحــرب، وهــو هزميــة الخصــم أو تفكيــك الدولــة، وإن كان خـالل مرحلـة زمنيـة ممتـدة.)36(

ويرتبـط مبـا سـبق تـاليش الحـدود بـن مـا يعـد سـالحاً ومـا ال يعـد سـالحاً، وبـن مـا يشـكل أرضـاً للمعركـة ومـا ال يشـكل أرضـاً لهـا، وبـن مـا يعـد أفعـاالً إجراميـة وأعـاالً حربيـة، وبـن املقاتلـن وغـر املقاتلـن، وبـن الدولـة والكيانـات مـا دون الدولـة.

فعـى مسـتوى التغـر يف قـدرات الفاعلـن، أثبتـت التنظيـات اإلرهابيـة قدرتهـا عـى االسـتفادة من التكنولوجيـا املدنيـة غـر العسـكرية، مثـل اإلنرتنـت يف شـن حـروب معلوماتيـة، واسـتخدام الطائـرات املدنيـة يف شـن عمليـات إرهابيـة مثـل هجـات 11 سـبتمر 2001، وباملثـل يعتمـد الفاعلـون املُسـلحون مـن غـر الـدول عـى التكنولوجيـا الحديثـة كأسـلحة ضــد الــدول مــن دون الحاجــة لتمويــل أبحــاث لتطويـر أسـلحة جديـدة.

ويرتبــط ذلــك بالتداخــل بــن مــا يعــد أرض معركـة ومـا ال يعـد أرض معركـة، حيـث أصبحـت كل مــن البورصــة ومعامــل األبحــاث ووســائل اإلعــالم واملراكــز االقتصاديــة واملراكــز الدينيــة والفضــاء اإللكـرتوين مبنزلـة سـاحات معـارك ال تقـل أهميـة عـن مياديـن القتـال، وجعـل ذلـك مـن املتعاملـن بأســواق املــال، والعلــاء والصحفيــن وأصحــاب البنـوك ومديـري الـرشكات ورجـال الديـن وأصحاب التخصصـات الفنيـة املختلفـة واألفـراد بصفـة عامـة مبنزلــة مقاتلــن ميكــن توظيفهــم ضــد الــدول يف حالــة اســتقطابهم مــن جانــب التنظيــات اإلرهابيــة والفاعلــن املُســلحن مــن غــر الــدول.

وأدى مــا ســبق إىل تــاليش الفــروق بــن املقاتلــن واملدنيــن، أو املحاربــن وغــر املحاربــن، بحيــث أضحــى املدنيــون هــم األكــر تــرراً يف حــروب الجيــل الخامــس، فعــى ســبيل املثــال، بــرر زعيـم القاعـدة السـابق، أسـامة بـن الدن، اسـتهداف املدنيـن عـى أسـاس أنهـم مـن انتخبـوا قادتهـم، وبالتـايل “أعطوهـم املوافقـة عـى تدمـر منـازل الفلسـطينين وذبـح أطفـال العـراق، ومـن ثـم فـإن الشـعب األمريـي يعـد مشـاركاً يف كل هـذه الجرائـم، ومـن الواجـب اسـتهدافه” وفـق رؤيتـه.

وتتعاظـم هـذه املخاطـر مـن خـالل سـعي القاعـدة وغرهـا مـن الجاعـات اإلرهابيـة إىل امتـالك أســلحة الدمــار الشــامل الســتخدامها ضــد املدنيــن، ويحــدث األمــر ذاتــه لــدى اســتهداف الواليــات

توصـف حـروب الجيـل الخامـس بأنهـا “حـروب شـبكية”، إذ ال يوجـد مركـز ثقـل يعكـس الهيـكل املؤســي لألطــراف التــي تخــوض الرصاعــات، وترتبــط بهــذا امللمــح صفــة أخــرى هــي غيــاب القيــادة، ففــي حــن أن حــروب الجيــل الرابــع تفـرض وجـود طليعـة متاسـكة تقـود حركـة التمــرد لالنتصــار مــن خــالل أســلوب حــرب العصابـات، فـإن حـروب الجيـل الخامـس تعتمـد عــى وجــود أفــراد يعملــون بصــورة ال مركزيــة حتــى مــن دون أي تعليــات مــن أيــة منظمــة مركزيــة .

املتحـدة قواعـد اإلرهابيـن بالطائـرات مـن دون طيـار يف باكسـتان واليمـن، عـى سـبيل املثـال، والتـي تنتـج عنهـا خسـائر مـن املدنيـن. -2 اتبـاع تكتيـكات “الحـروب الهجينـة:” يقصـد بالحـروب الهجينـة تلـك الرصاعـات التـي تتضمـن الجمــع بــن اســتخدام القــوات املســلحة التقليديــة والقــوات غــر النظاميــة (مثــل حــركات التمــرد والجاعـات اإلرهابيـة)، والتـي تشـمل توظيـف الفاعلـن مـن الـدول ومـن غـر الـدول، والذيـن يسـعون لتحقيـق هـدف سـيايس مشـرتك.

وال تكـون هنـاك حاجـة إىل توجيـه القـوات غـر النظاميـة بصـورة مركزيـة، وذلـك عـى الرغـم مـن كونهـم جـزءاً مـن اسـرتاتيجية متسـقة تسـتخدم إمـا ملواجهـة قـوة احتـالل ، أو حتـى دعـاً لقـوات

)37( نظاميـة يف مواجهـة تنظيـات مسـلحة، كـا يف حالتـي العـراق وسـوريا، واعتـاد نظـام بشـار األسـد والحكومــة العراقيــة عــى امليليشــيات الشــيعية املســلحة يف مواجهــة التنظيــات املتطرفــة وجاعــات املعارضـة املسـلحة.

وال تعــد الحــروب الهجينــة منطــاً جديــداً مــن املواجهــات العسـكرية، فخـالل الحـرب العامليـة الثانيــة، عــاىن الجيــش األملــاين يف الجبهــة الرشقيــة بســبب قيــام عــرشات اآلالف مــن املوالــن لالتحـاد السـوفييتي والقـوات غـر النظاميـة بقطـع خطـوط إمداداتـه واتصاالتــه، ومل تنجــح حمــالت القمــع العنيفــة التــي قــام بهــا الجيــش األملــاين، وترتــب عليهــا قتـل مئـات اآلالف مـن الفالحـن الــروس، يف منــع حــدوث هــذه العمليــات .

وأدرك ونسـتون ترششـل، رئيـس وزراء بريطانيــا، خــالل الحــرب العامليـة الثانيـة، أهميـة اسـتخدام القـوات غـر النظاميـة يف محاربـة الجيـش األملـاين جنبـاً إىل جنـب مـع اسـتخدام القـوات النظاميـة، ولذلـك أنشـأ يف عـام 1940 وحـدة جديـدة أسـاها “منفـذو العمليـات الخاصــة” ‪)Special Operation executive(‬ ، وأوكل لهــا مهمــة دعــم حــركات التمــرد ضــد الجيــش األملـاين يف كافـة أنحـاء أوروبـا، وأمدهـا بالسـالح والذخـرة، كـا قامـت بتنفيـذ عمليـات تخريبيـة ضـد املنشـآت النازيـة يف أوروبـا الغربيـة ومنطقـة البلقـان.)38( -3 تشــكيل التحالفــات الواســعة: تضــم التحالــف يف حــروب الجيــل الخامــس أطرافــاً متنوعــة، مثـل الدولـة والكيانـات مـن دون الدولـة والكيانـات العابـرة للحـدود القوميـة والشـبكات والجاعـات واألفـراد، مثـل الذئـاب املنفـردة التـي يقـوم فيهـا أشـخاص فـرادى بتنفيـذ عمليـات إرهابيـة مـن

)39( دون الحاجــة إىل االنضــام لتنظيــم إرهــايب. وال تلعـب القـوات املسـلحة النظاميـة الـدور الرئيـي يف حـروب الجيـل الخامـس، فالفواعل املسـلحة من غـر الـدول، مثـل الجاعـات اإلرهابيـة، وعصابـات الجرميـة املنظمـة، ومنظـات املعارضـة املسـلحة،

باتـت تتصـدر سـاحات القتـال، وهـذا ال يعنـي أن الـدول ال تقـف خلـف هـذه الجاعـات أو تدعمهـا، سـواء بصـورة مبـارشة أو غـر مبـارشة.)40(

وال ينفــي ذلــك أيضــاً أن الــدول قــد تتدخــل أحيانــاً بصــورة مبــارشة يف املناطــق الرصاعيــة إذا اقتضـت الـرورة ذلـك، وإن كان التدخـل يأخـذ بصـورة أساسـية شـكل اسـتخدام القـوات الخاصـة. وتشـر العقيـدة العسـكرية األمريكيـة إىل اسـتخدام القـوات الخاصـة يف الحـروب غـر التقليديـة Un�( ‪)conventional Warfare‬ التـي يتـم خاللهـا اسـتخدام طيـف واسـع مـن العمليـات العسـكرية وغـر العسـكرية، والتـي تتـم إدارتهـا مـن خـالل الـوكالء املسـلحن، الذيـن يتـم تنظيمهـم وتسـليحهم وتدريبهم وتوفـر الدعـم لهـم مـن الـدول التـي تنارصهـم.)41(

ويرجـع صعـود أدوار الفاعلـن املُسـلحن مـن غـر الـدول يف الرصاعـات إىل أن الـدول تجـد صعوبة يف اسـتخدام القـوة املسـلحة التقليديـة، نظـراً للتكلفـة التـي سـتتحملها، كاإلدانـة أو فـرض العقوبـات االقتصاديـة، أو غرهـا مـن اإلجـراءات، يف حـن أن األفـراد والفواعـل املسـلحة مـن غـر الـدول، قـد ال يتعرضـون ملثـل هـذه التداعيـات السـلبية.)42(

وعـى سـبيل املثـال، فـإن تهديـد إيـران للمالحـة يف مضيـق هرمـز سـوف يواجـه بـرد فعـل حـازم مـن قبـل القـوى الدوليـة، أمـا قيـام الحوثيـن بتهديـد املالحـة يف مضيـق بـاب املنـدب فلـن يواجـه بالـرد نفسـه، نظـراً لصعوبـة اسـتهداف امليليشـيات، بخـالف الـدول. ومـن جانـب آخـر، تدخـل الـدول يف تحالفـات مـع الفواعـل املسـلحة مـن غـر الـدول، مثـل اعتـاد إيــران عــى حــزب اللــه اللبنــاين، وميليشــيات الحشـد الشـعبي (الشـيعية) يف العـراق، فضـالً عـن الحوثيــن يف اليمــن، باعتبارهــم أذرع إيرانيــة لتعزيــز نفوذهــا يف إقليــم الــرشق األوســط، بــل واالعتــاد عليهــم يف الرصاعــات املختلفــة، مثــل اعتادهــا عــى حــزب اللــه والجاعــات الشــيعية العراقيـة لدعـم نظـام بشـار األسـد يف سـوريا يف مواجهــة املعارضــة املســلحة.

وتقــوم إيــران باالعتــاد عــى الجاعــات اإلرهابيــة، أحيانــاً، يف سياســتها اإلقليميــة، ومــن ذلــك توصــل إيــران، يف الفــرتة التــي تلــت عــام 2000، إىل اتفـاق مـع قـادة القاعـدة املوجوديـن عـى أراضيهـا بعـدم اسـتهداف إيـران أو مصالحهـا يف الخـارج، أو التخطيـط لتنفيـذ عمليـات إرهابيـة انطالقـاً مـن أراضيهـا، ويف مقابـل ذلـك، فـإن طهـران سـوف تسـمح لهـم بحريـة الحركـة لهـم عـر أراضيهـا وجمـع األمـوال، واالتصـال بقيـادة القاعـدة يف باكســتان، أو التنظيــات األخــرى املنتســبة للقاعــدة حــول العــامل.)43(

كـا ارتبطـت إيـران بعالقـات مـع جاعـات الجرميـة املنظمـة للقيـام بعمليـات إرهابيـة، مثـل قيـام إيرانيـن، أحدهـا ينتمـي إىل فيلـق القـدس التابـع للحـرس الثـوري اإليـراين، باالتفـاق مـع عصابـة مكسـيكية تتاجـر يف املخـدرات تسـمى “لـوس زيتـاس” ‪)Los Zetas(‬ عـى اغتيـال السـفر السـعودي لـدى الواليـات املتحـدة يف مطعـم بواشـنطن، وفـق مـا أعلنـه مكتـب التحقيقـات الفيـدرايل األمريـي (إف يب آي) يف أكتوبــر .)44(2011

وتوضـح الحالـة األمريكيـة يف أفغانسـتان، كيـف أن الواليـات املتحـدة، يف مسـاعيها للقضـاء عـى

تركـز الحـروب املعلوماتيـة عـى إعاقـة وتعطيل وتدمــر النظــم املعلوماتيــة التابعــة للخصــوم، مـع حايـة النظـم املعلوماتيـة الخاصـة بالطـرف الــذي يشــن الهجــوم. وتعــد الحــرب الدعائيــة أو نــر األخبــار الكاذبــة مــن أبــرز تكتيــكات الحــرب املعلوماتيــة، وتتضمــن نــر األخبــار واملعلومــات والحجــج والفضائــح بطريقــة مخططــة، مــن أجــل التأثــر عــى مــدركات وأفــكار شــعب أو جاعــة إثنيــة معينــة.

قائـد تنظيـم القاعـدة أسـامة بـن الدن، اضطـرت إىل التعـاون مـع أمـراء الحـرب األفغانيـن، وهـو مـا أرسـل رسـالة لهـم بـأن واشـنطن لـن تسـتهدفهم بسـبب قيامهـم باإلتجـار يف املخـدرات.)45(

وتكفــل التحالفــات الســابقة للــدول والفاعلــن مــن غــر الــدول الوصــول إىل مســتوى عــاٍل مــن املرونـة التكتيكيـة، والتغلـب عـى محدوديـة املـوارد، وامتـالك قـدرات غـر محـدودة، خاصـة أن هـدف الحـرب ال يتمثـل فقـط يف التدمـر املـادي للخصـم، وإمنـا تشـكيل تحالفـات واسـعة واسـتهداف مجاالت متعـددة تـؤدي إلضعـاف قدراتـه.

ومـن هـذا املنطـق، فـإن الجيـش التقليـدي ميكـن أن يكسـب كل معركـة تكتيكيـة يف املجـال املـادي مـن الـرصاع، لكنـه قـد يخـرس الحـرب اسـرتاتيجياً، وذلـك نظـراً ألن جهـوده ال قيمـة لهـا أمـام الخصـم الـذي ال يتقيـد مبجـال واحـد مـن الــرصاع ولديــه تحالفــات واســعة مــن الفاعلــن، وهــو مــا يعنــي صعوبــة هزميــة الخصــم الــذي يطبــق حــروب الجيــل الخامــس عــر القــوة العســكرية التقليديــة وحدهـا، والتـي كان ميكـن لهـا أن تكفــل إنهــاء الــرصاع يف حــروب الجيــل الثالــث أو حتــى الجيــل الرابــع .)46( -4 تراجــع الطابــع املؤســي: اتســمت األجيــال األربعــة األوىل مــن الحــروب بــأن الــرصاع بــن الخصــوم كان يحــدث مــن قبــل كيانــات تتمتــع بهيــاكل مؤسســية، ســواء أكانــت جيوشــاً أو حتــى جاعــات متــرد، أي أن لهــا مركــز ثقــل، يتمثــل يف التسلســل القيـادي والـروح املعنويـة وخطـوط اإلمــدادات اللوجســتية والدعــم الســيايس والشــعبي، إضافــة إىل وجــود مــررات أخالقيــة أو قانونيــة لخـوض الحـرب، وعندمـا كان يتـم تدمـر مركـز ثقـل العـدو، ينهـار الجيـش بأكملهـا، ويتحقـق االنتصار.

ولكــن تختلــف حــروب الجيــل الخامــس عــن هــذا النمــوذج كونهــا “حروبــاً شــبكية”، إذ ال يوجــد مركـز ثقـل يعكـس الهيـكل املؤسـي لألطـراف التـي تخـوض الرصاعـات ، ويرتبـط بهـذا امللمـح صفـة

)47( أخـرى هـي غيـاب القيـادة، ففـي حـن أن حـروب الجيـل الرابـع تفـرتض وجـود طليعـة متاسـكة تقـود حركـة التمـرد لالنتصـار مـن خـالل أسـلوب حـرب العصابـات، فـإن حـروب الجيـل الخامـس تعتمـد عـى وجـود أفـراد يعملـون بصـورة ال مركزيـة حتـى مـن دون أي تعليـات مـن أي منظمـة مركزيـة.)48(

خامسًا: مجاالت الصراع في حروب الجيل الخامس

تختلـف مجـاالت حـروب الجيـل الخامـس عـا سـبقها، فالجيـالن األول والثـاين كان يتـم خوضهـا يف الـر أو البحـر، فيـا اعتمـدت حـروب الجيـل الثالـث عـى التطـور االقتصـادي والتكنولوجـي يف عـرص الثـورة الصناعيـة، مـا أدى إىل ضـم املجـال الجـوي إىل نطـاق الحـرب، وكذلـك املسـاحات تحـت سـطح

امليـاه، والفضـاء اإللكـرتوين، بينـا أدت حـروب الجيـل الرابـع النتقـال الحـرب إىل مـدى أبعـد مـن املعـارك املاديـة الثـالث السـابقة (الـر والبحـر والجـو)، لتضـم إليهـا املجـال السـيايس، بحيـث أضحـت الحــرب ذاتهــا رصاع إرادة سياســية ال مجــرد رصاع بالقــوة املســلحة)49(؛ وبالتــايل أصبــح باســتطاعة طـرف ضعيـف عسـكرياً االنتصـار عـى خصمـه الـذي يتفـوق عليـه عسـكرياً.

أمـا حـروب الجيـل الخامـس، فتختلـف عـا سـبق يف كونهـا تجـاوزت مجـاالت الـرصاع التقليديـة، لتكــون مبنزلــة نــوع مــن الحــروب غــر املقيــدة ‪)Unrestricted Warfare(‬ ، التــي تجمــع بــن عــدة أنـواع مـن الحـروب يف الوقـت ذاتـه، وفقـاً ملـا يـراه كل مـن: كيـاو ليانـج اللـواء يف القـوات الجويـة الصينيـة، ووانـج زينجـايس العقيـد يف جيـش التحريـر الشـعبي الصينـي، وميكـن القـول إن أبـرز أشـكال الحـروب الجيـل الخامـس تتمثـل فيـا يـي:

-1 الحـرب االقتصاديـة: تركـز الحـروب االقتصاديـة عـى إضعـاف قـدرة العـدو عـى إنتـاج وتوزيـع السـلع والخدمـات ، مـن خـالل اسـتخدام األدوات املاليـة وقـوى السـوق لعـزل الخصـوم عـن النظـام

)50( املـايل والتجـاري العاملـي، والقضـاء عـى مصـادر متويلهـم، وهـو مـا يحـد مـن قدرتهـم عـى الحركـة، سـواًء دوالً أم جاعـات.)51(

ومـن أبـرز أنـواع تلـك الحـروب لجـوء الـدول إىل فـرض عقوبـات اقتصاديـة، وهـو مـا يُعـد جـزءاً رئيسـياً مـن العقيـدة العسـكرية األمريكيـة، فقـد كان الرئيـس األمريـي وودرو ويلسـون 1913( – )1921 يعتقـد أن فـرض العقوبـات االقتصاديـة مـن أهـم أدوات السياسـة الخارجيـة، ويف خطـاب ألقـاه يف مدينـة إنديانابوليـس يف عـام 1919، قـال ويلسـون “قـم بتطبيـق العـالج االقتصـادي القاتـل بهـدوء، ولـن تكـون هنـاك حاجـة السـتخدام القـوة، فهـي ال تكلـف حيـاة أي فـرد خـارج الدولـة املفروضـة عليهـا العقوبــات، ولكنهــا تفــرض ضغــوط عــى األمــة املسـتهدفة، والتـي لـن تسـتطيع أن تقاومهـا.)52(”

ومــن أهــم األمثلــة عــى ذلــك، العقوبــات االقتصاديـة التـي فرضتهـا الواليـات املتحـدة عـى العـراق خـالل حقبـة التسـعينيات، والتـي اسـتمرت حتـى عـام 2003، فضـالً عـن العقوبـات االقتصاديـة التــي فرضتهــا الواليــات املتحــدة ودول االتحــاد األورويب عـى روسـيا االتحاديـة، بعـد ضـم موسـكو لشـبه جزيـرة القـرم يف عـام )53(2014، وقيام روسـيا بفـرض حظـر عـى املنتجـات الزراعيـة القادمـة مـن جورجيـا عقـب تدهـور العالقـات بـن البلديـن قبـل دخولهـا يف مواجهـات عسـكرية مسـلحة يف عـام .)54(2008

ويدخـل ضمـن صـور الحـرب االقتصاديـة، تزويـر عملـة الدولـة العـدو يف وقـت الحـرب، أو فـرض حصـار اقتصـادي ضـد دولـة، يف غـر وقـت الحـرب، حتى وإن تـم ذلك باسـتخدام القـوات املسـلحة.)55( وتشـن الفواعـل املسـلحة مـن غـر الـدول كالجاعـات اإلرهابيـة، هـي األخـرى حروبـاً اقتصاديـة، إذ تعمـد إىل اسـتهداف املنشـآت أو القطاعـات االقتصاديـة الحيويـة يف الدولـة بهـدف إلحـاق أكـر قـدر مـن الخسـائر باقتصـاد الدولـة املسـتهدفة، فالوثائـق التـي تـم العثـور عليهـا يف املجمـع السـكني ألسـامة بــن الدن يف أبــوت آبــاد يف باكســتان� عقــب اقتحامــه مــن قبــل القــوات األمريكيــة خــالل عمليــة تصفيـة بـن الدن يف مايـو �2011 تتحـدث عـن توجيـه رضبـات اسـرتاتيجية القتصـاد الواليـات املتحـدة

ميكــن تعريــف الحــرب الســيربانية بأنهــا: “هجـوم متعمـد بغـرض تعطيل عمـل أو خداع أو إضعـاف أو تدمـر أنظمـة الكمبيوتـر وشـبكات االتصــاالت واملعلومــات والربامــج املوجــودة يف تلــك األنظمــة أو الشــبكات التــي متــر مــن خاللهــا”، وميكــن للــدول والجاعــات واألفــراد القيــام بتنفيــذ هــذه الهجــات، وقــد اعتــربت وزارة األمــن الداخــي يف الواليــات املتحــدة أن الهجـات السـيربانية مـن أكـرب تهديـدات األمـن القومــي األمريــي.

مـن خـالل رضب ناقـالت النفـط والبنيـة التحتيـة للطاقـة وغرهـا مـن األهـداف الحيويـة، يف وقـت كان يعـاين فيـه االقتصـاد األمريـي والعاملـي أزمـات اقتصاديـة.)56(

ويرتبـط ذلـك بالهجـوم الفاشـل الـذي شـنه تنظيـم القاعـدة يف جزيـرة العـرب يف عـام 2006 عـى منشــأة نفطيــة ســعودية رئيســية يف أبقيــق، تّقــوم بتكريــر أكــر مــن %60 مــن النفــط الســعودي

، )57( فضـالً عـن قيـام تنظيـم “داعـش” باسـتهداف فندقـن بهجـوم إرهـايب مـزدوج يف يوليـو 2015 مبدينـة سوسـة التونسـية، والـذي راح ضحيتـه 39 قتيـالً ، فضـالً عـن إسـقاط الطائـرة الروسـية فـوق شـبه

)58( جزيـرة سـيناء املرصيـة يف 31 أكتوبـر )59(2015، وهـو مـا أدى إىل تأثـرات سـلبية عـى قطـاع السـياحة يف تونـس ومـرص. -2 الحـرب السـيربانية: ميكـن تعريـف الحـرب السـيرانية عـى أنهـا: “هجـوم متعمـد بغـرض تعطيـل عمــل أو خــداع أو إضعــاف أو تدمــر أنظمــة الكمبيوتــر وشــبكات االتصــاالت واملعلومــات والرامــج املوجـودة يف هـذه األنظمـة أو الشـبكات التـي متـر مـن خاللهـا”، وميكـن للـدول والجاعـات واألفـراد القيــام بتنفيــذ هــذه الهجــات، وقـد اعتـرت وزارة األمـن الداخـي يف الواليــات املتحــدة أن الهجــات الســيرانية يف صــدارة تهديــدات األمــن القومــي األمريــي.)60(

ويعـد هجـوم ستاكسـنت Stuck�( )snet، مــن أبــرز الهجــات التــي شــنتها الواليــات املتحــدة وإرسائيــل ضــد إيــران يف عــام 2010، وهــي جــزء مــن هجــات أكــر عرفــت باســم “األلعــاب األوليمبيــة” Op�( ‪)eration Olympic Games‬ ، وقــد هدفــت “ستاكســنت” إىل تخريــب برنامــج إيــران النــووي، حيــث تــم إنـزال فـروس عـى برنامج التشـغيل اإللكــرتوين الــذي يديــر عمليــة تخصيــب اليورانيــوم يف موقــع ناتانــز النــووي، وتســبب يف إتــالف عــدد كبــر مــن وحــدات الطــرد املركــزي، وقــد كان هــذا الهجــوم متطــوراً، نظــراً لقدرتــه عــى اتخــاذ قــرارات مســتقلة يف البيئــة املســتهدفة .)61(

ولعـل أخطـر مـا مييـز هـذه الحـرب، هـو صعوبـة الـردع، ففـي الحـروب التقليديـة، يعـد الهجـوم املضـاد هـو الـرادع الحقيقـي أمـام التفكـر يف شـن الحـرب، وهـو األمـر الـذي يصعـب القيـام بـه يف حالـة الحـروب السـيرانية، ويرجـع ذلـك إىل عـدة عوامـل ترتبـط بصعوبـة تقييـم األرضار الناتجـة عـن شـن هـذه النوعيـة مـن الحـروب، وصعوبـة التحكـم يف مـدى الهجـوم السـيراين املضـاد، وأخـراً صعوبـة تحديـد القائـم بالهجـات السـيرانية، وإثبـات ذلـك أمـام العـامل.)62(

ومـن جهـة ثانيـة، تتسـم الحـرب السـيرانية بانخفـاض تكلفتهـا، وسـهولة تنفيذهـا، وتتزايـد تهديداتها إذا مـا تـم اسـتهداف البنيـة التحتيـة الحيويـة بعمليـات تخريبيـة مـن خـالل املجـال السـيراين، مثـل محطـات الكهربـاء، وأنابيـب النفـط، والخطـوط الجويـة والسـكك الحديديـة والبنـوك، إذ إن األرضار

املرتتبـة عـى ذلـك قـد تصـل قيمتهـا إىل مئـات املليـارات مـن الـدوالرات، فضـالً عـن سـقوط آالف الضحايـا .)63(

وتعـد مـن أبـرز أمثلـة الهجـات السـيرانية، اتهـام روسـيا للواليـات املتحـدة بشـن هجـوم سـيراين مــن خــالل هاكــرز عســكرين، متكنــوا مــن التســلل إىل أنظمــة إلكرتونيــة خاصــة بشــبكات الطاقــة الكهربائيـة ونظـم االتصـاالت السـلكية والالسـلكية الروسـية، إضافـة إىل منظومـة قيـادة يف الكرملـن، وجعلوهـا قابلـة للتعـرض لهجـات إلكرتونيـة مـن جانـب الواليـات املتحـدة عـن طريـق اسـتخدام سـالح إلكـرتوين رسي.)64( -3 الحـرب املعلوماتيـة: تركـز الحـروب املعلوماتيـة عـى إعاقـة وتعطيـل وتدمـر النظـم املعلوماتيـة التابعـة للخصـوم، مـع حايـة النظـم املعلوماتيـة الخاصـة بالطـرف الـذي يشـن الهجـوم. وتعـد الحـرب الدعائيــة أو نــرش األخبــار الكاذبــة مــن أبــرز تكتيــكات الحــرب املعلوماتيــة، وتتضمــن نــرش األخبــار واملعلومـات والحجـج والفضائـح بطريقـة مخططـة، مـن أجـل التأثـر عـى مـدركات وأفـكار شـعب أو جاعـة إثنيـة معينـة ، وإضعـاف آليـات القيـادة والسـيطرة ملؤسسـات الدولـة وقواتهـا املسـلحة.

)65( وال يعـد نـرش املعلومـات الكاذبـة تطـوراً جديـداً يف املواجهـات العسـكرية، فقـد سـبق وأن اسـتخدمه الريطانيــون يف مواجهــة األملــان يف معركــة “بــودي جــارد” )Bodyguard( خــالل الحــرب العامليــة الثانيـة، فقـد قـام الحلفـاء بإرسـال بـث إذاعـي ونـرش تقاريـر عسـكرية مـزورة مـن أجـل خـداع األملـان وإقناعهـم بـأن القـوات املتمركـزة يف “أنجليـا الرشقيـة” تسـتعد ملهاجمـة “كاليـه” وليـس “نورمانـدي”، وقـد نجحـوا يف تحقيـق ذلـك.)66(

أمـا البعـد الجديـد يف حـروب الجيـل الخامـس، فيتمثـل يف زيـادة اللجـوء إىل التضليـل املعلومـايت، واســتخدامه بصــورة مكثفــة يف أوقــات الســلم، وعــدم اقتصــار حــروب املعلومــات عــى فــرتات املواجهــات العســكرية بــن الــدول، ويرتبــط ذلــك بالتداخـل بـن حالتـي السـالم والحـرب، بحيـث مل تعــد هنــاك حاجــة إىل إعــالن حالــة الحــرب.)67(

ويذهــب البعــض إىل إدراج ترسيــب حــوايل 20 ألــف إمييــل مــن ســرفرات اللجنــة الدميقراطيــة القوميـة التابعـة للحـزب الدميقراطـي يف الواليـات املتحـدة عـى موقـع ويكيليكـس يف عـام 2016، والتـي كشـفت عـن وجـود تحيـز مـن جانـب الحـزب لصالـح هيـالري كلينتـون يف مواجهـة بـرين سـاندرز، إىل اعتبارهـا ضمـن صـور الحـرب املعلوماتيـة التــي شــنتها روســيا ضــد الواليــات املتحــدة، بهــدف دعــم دونالــد ترامــب يف مواجهــة كلينتــون)68(، وإضعــاف مصداقيــة املؤسســات األمريكيــة والعمليــة الدميقراطيــة بأرسهــا.)69(

وال ينبغــي تجاهــل أن مواقــع التواصــل االجتاعــي مثــل الفيــس بــوك، ومحــركات البحــث، مثــل جوجـل تلعـب دوراً يف فلـرتة األخبـار مـن خـالل االنحيـاز لنـرش محتـوى إخبـاري معـن يتبـع رشكات إخباريـة معينـة دون غرهـا، وقـد اتهمـت املستشـارة األملانيـة إنجيـال مـركل هـذه الـرشكات بتشـويه إدراك األفـراد للحقائـق، مـن خـالل نـرش معلومـات معينـة مـن دون األخـرى، ولذلـك طالبـت هـذه الــرشكات بتوضيــح كيفيــة عمــل الخواريزمــات )Algorithms( التــي توظفهــا يف نــرش األخبــار.)70(

وتقـوم الجاعـات وكذلـك األفـراد بـأدوار سـلبية يف نـرش األكاذيـب واألخبـار املغلوطـة عـى مواقـع

تركـز حـروب الجيـل الخامـس عى املجتمـع، وهو مــا يجعــل اآلليــة األكــر مالءمــة يف مواجهتهــا هـي تحصـن املجتمـع، مـن خـالل الركيـز عـى كســب والء املواطنــن، واســتهداف الحواضــن االجتاعيــة لإلرهابيــن وامليليشــيات املســلحة، كـا أن كسـب ثقـة املجتمعـات املسـتهدفة يسـاعد يف الحصــول عــى املعلومــات االســتخباراتية الالزمــة ملكافحــة الجاعــات املتطرفــة.

التواصـل االجتاعـي، خاصـة مـع تنامـي اعتـاد األفـراد عـى تلـك املواقـع كمصـدر للحصـول عـى األخبــار، فوفقــاً الســتطالع رأي أجــراه مركــز “بيــو لألبحــاث” األمريــي، ‪)Pew Research Center(‬ فـإن حـوايل ثلثـي الشـعب األمريـي يعتمـدون عـى مواقـع التواصـل االجتاعـي ملتابعـة األخبـار ،

)71( وهــو مــا أدى لتصاعــد تــداول األخبــار املفركــة والتعامــل معهــا مــن جانــب قطاعــات واســعة مــن املُتابعـن باعتبارهـا حقائـق مسـلاً بهـا.

وال يقتـرص مـا يتـم نـرشه عـى مواقـع التواصـل االجتاعـي عـى األكاذيـب املتقنـة التـي تهـدف إىل خـداع قطـاع كبـر مـن األفـراد، إذ انتـرش نـوع جديـد مـن الكـذب يطلـق عليـه “سياسـات مـا بعـد الحقيقـة” ‪)Post Truth Politics(‬ ، والتـي تهـدف إىل نـرش معلومـات مغلوطـة بصـورة واضحـة، ولكنهـا تخاطـب املشـاعر ال العقـل، أي أنهـا تسـتغل تحيـزات األفـراد، وتقـوم بتغذيتهـا.

وتتمثـل أهـم تطبيقـات “مـا بعـد الحقيقـة” يف الحملـة الداعمـة لخـروج بريطانيـا مـن االتحـاد األورويب، والتــي شــهدت ترويجــاً ألكاذيــب، مثــل االدعــاء بــأن عضويــة بريطانيــا يف االتحــاد تكلــف األوىل حـوايل 350 مليـون جنيـه أسـرتليني أسـبوعياً، وأن تركيـا سـتنضم إىل االتحـاد األورويب بحلـول عــام .)72(2020

ومــن جهــة ثانيــة، فــإن األخبــار املفركــة ســوف تجــد صــدى أوســع لهــا إذا مــا حظيـت بتغطيــة إعالميـة مـن جانـب وسـائل اإلعـالم كالصحـف والقنـوات التلفزيونيـة، ومـن ذلـك عـى سـبيل املثـال، نـرش وسـائل اإلعـالم الروسـية خـراً عـن خطـف واغتصـاب فتـاة أملانيـة مـن أصـول روسـية يف برلـن عـى يـد بعـض الالجئـن السـورين يف مدينـة كولونيـا األملانيـة، وذلـك باالسـتناد إىل فيديـو نـرش عـى شـبكات اليمـن املتطـرف األملـاين، عـى الرغـم مـن أن رشطـة برلـن قـد أكـدت أن الفتـاة مل تتعـرض للخطـف أو االغتصـاب، وأن الفيديـو قديـم وعمـره سـبع سـنوات.)73(

وال يقتــرص اسـتخدام الحـرب املعلوماتيــة عــى الــدول، إذ تقـوم الجاعـات اإلرهابيــة باسـتخدام وســائل التواصــل االجتاعــي لنقــل رســائلها املتطرفــة وتجنيــد االنتحاريــن وتدريبهــم عــى كيفيــة صناعـة القنابـل واملتفجـرات بأبسـط املـواد املتوفـرة حولهـم، فقـد نجـح تنظيـم “داعـش”يف تجنيـد 30 ألـف مقاتـل أجنبـي مـن حـوايل 100 دولـة، فضـالً عـن املسـاعدة يف إقامـة “فـروع جديـدة” للتنظيـم يف مناطـق مثـل ليبيـا وأفغانسـتان ونيجريـا وبنجالديـش مـن خـالل “الدعايـة اإلرهابيـة” التـي بثهـا التنظيـم عـر شـبكة اإلنرتنـت ووسـائل التواصـل االجتاعـي.)74( -4 حـروب أسـلحة الدمـار الشـامل: تتضمـن الحـروب التـي يتـم شـنها باسـتخدام األسـلحة البيولوجيـة والكياويـة والنوويـة، ويقصـد بالحـرب البيولوجيـة “االسـتخدام املُتعمـد للسـالالت املسـببة لألمـراض مــن الكائنــات الحيــة الدقيقــة كالجراثيــم أو الفروســات أو ســمومها لنــرش أمــراض تهــدد حيــاة البـرش والحيوانـات والنباتـات، وذلـك عـى نطـاق واسـع، بهـدف قتـل سـكان منطقـة معينـة”، والحـرب البيولوجيـة ليسـت بالحـرب الجديـدة، فقـد سـبق وأن اسـتخدم اليونانيـون والرومـان والفـرس جثـث الحيوانـات لتلويـث آبـار املـاء ألعدائهـم.)75(

وتكمـن خطـورة هـذا النـوع مـن األسـلحة يف صعوبـة اكتشـافها قبـل اإلطـالق، والسـهولة النسـبية يف إنتاجهـا، فضـالً عـن انخفـاض تكلفـة إنتاجهـا، وسـهولة نقلهـا، وعـدم إمكانيـة اكتشـافها مـن خـالل النظـم األمنيـة التقليديـة، وأخـراً، فـإن عنـارص الحـرب البيولوجيـة (مثـل الفروسـات) سـوف تتكاثـر يف جسـم املضيـف، وتنتقـل إىل أفـراد آخريـن، مـا يحـدث تداعيـات غـر متوقعـة، سـواء مـن حيـث الضحايـا أو حجـم االنتشـار الجغـرايف، فضـالً عـن بـث الشـعور بالخـوف والرعـب لـدى قطـاع واسـع مـن األفـراد، وتعطيـل عمـل املؤسسـات الحكوميـة.)76(

ومتثــل األس ـلحة البيولوجيــة خي ـاراً مفض ـالً للتنظيــات اإلرهابيــة، خاصــة إذا مــا امتلكــوا الخــرة الفنيـة الالزمـة إلنتاجهـا، ومـن أبـرز األمثلـة عـى ذلـك هجـات األنراكـس يف أكتوبـر 2001، ضـد مبنـى الكابيتـول هيـل (مقـر الكونجـرس)، والـذي ال يعـرف هويـة منفـذه حتـى اآلن.

ويف مايــو 2016، ألقــت قــوات الرشطــة الكينيــة القبــض عــى خليــة إرهابيــة مكونــة مــن ثالثــة أشـخاص، تتبـع تنظيـم “داعـش” سـعت لشـن هجـوم بيولوجـي باسـتخدام مـادة األنراكـس، وكان أحـد أفـراد هـذه الخليـة طبيبـاً تحـت التدريـب يعمـل يف إحـدى املستشـفيات يف كينيـا ، وأعلنـت املغـرب

)77( يف فرايـر 2016 إلقـاء القبـض عـى خليـة إرهابيـة مرتبطـة بـ”داعـش”، كانـت تسـعى لشـن هجـوم بيولوجـي وكيميـايئ.)78(

وتـزداد مخاطـر الحـرب البيولوجيـة مـع إمكانيـة قيـام األفـراد بتطويـر أسـلحة بيولوجيـة مـن املـواد والتقنيــات املتوافــرة تجاريــاً، ففــي عــام 2004، قــام فريــق بحثــي بقيــادة د. كريــج فينتــر بتصنيــع فـروس باسـتخدام مـواد ومعـدات متوفـرة تجاريـاً مـن دون أي قيـود، وهـو مـا ميكـن أن يقـوم بـه طالـب باسـتخدام معمـل جامعـي، خاصـة أن تكاليـف إنتـاج هـذه األسـلحة انخفضـت للغايـة، حتـى إن البعـض توقـع أنـه خـالل عقـد مـن الزمـن، سـيتمكن الباحـث مـن تكويـن فـروس الجـدري بتكلفـة تــرتاوح بــن ألفــن وعرشيــن ألــف دوالر، كــا أن املعــدات املطلــوب اســتخدامها لتجميــع الفــروس سـوف تتكلـف نحـو 10 آالف دوالر فقـط.)79(

وفيـا يتعلـق باألسـلحة الكياويـة، فـإن هنـاك أدلـة عـى نجـاح تنظيـم “داعــش” يف اسـتخدام الســالح الكيــاوي يف ســوريا والعــراق، فقــد متكــن التنظيــم مــن الســيطرة عــى موقــع لألســلحة الكياويـة يتبـع الحكومـة السـورية، قـرب مدينـة “دار عـزة”، ووجـدوا فيـه براميـل معبـأة بغـاز الخـردل والكلــور والســارين.)80( وتصاعـدت أيضـاً تهديـدات العمليـات اإلرهابيـة “النوويـة”، وذلـك مـن خـالل تدمـر أحـد املفاعـالت النوويـة، وقـد تعـززت تلـك املخـاوف عندمـا قـام إرهابيـون يتبعـون تنظيـم “داعـش” يف بلجيـكا مبراقبة مفاعـل نـووي، وعندمـا تحـرت السـلطات البلجيكيـة أكـر، وجـدت أن متعاقـداً سـابقاً كان يعمـل يف املفاعـل النـووي، قـد انضـم إىل تنظيـم “داعـش.”

وتجـدر اإلشـارة إىل أن مفاعـل “دويـل – ”4 البلجيـي قـد تعـرض لعمـل تخريبـي يف عـام 2014، حيــث قــام شــخص بترسيــب الزيــت الخــاص بالتشــحيم، مــا أدى إىل ارتفــاع حــرارة التوربينــات وتدمرهـا يف النهايـة، وعـى الرغـم مـن أنـه تـم إغـالق املفاعـل، فـإن الخسـائر تراوحـت مـا بـن 100 و200 مليـون دوالر ، ويؤكـد ذلـك وجـود ثغـرات يف تأمـن املفاعـالت ميكـن أن تسـتغلها التنظيـات

)81( اإلرهابيـة للقيـام بتعطيـل عمـل بعـض أجـزاء املفاعـل مبـا يتسـبب يف انفجـاره يف النهايـة. -5 حــرب املخــدرات: قــد يقــوم بعــض الفاعلــن بإغــراق دولــة معينــة باملخــدرات واملــواد الدوائيــة املخـدرة لتدمـر النسـيج املجتمعـي بهـا، ويـرى ويليـام لينـد أن “حـرب املخـدرات” تعـد حربـاً ثقافيـة يتـم شـّنها عـى الواليـات املتحـدة مـن قبـل دول أمريـكا الجنوبيـة، خاصـة أن بعضهـم، اسـتناداً إىل أبعـاد أيديولوجيـة، يعترهـا سـالحاً، فهـي “صـاروخ الرجـل الفقـر الباليسـتي العابـر للقـارات.)82(”

وتتمثـل أهـم هـذه التطـورات يف تكويـن شـبكات تضـم عصابـات الجرميـة املنظمـة والجاعـات اإلرهابيــة، وذلــك عــى الرغــم مــن أن الطرفــن قــد ال يشــرتكان، ســواء عــى مســتوى األهــداف أو األدوات، ومـع ذلـك، فإنهـا يدخـالن يف عالقـات تعاونيـة باالسـتناد إىل اعتبـارات برجاتيـة محضة.)83(

وعــى ســبيل املثــال، تلجــأ بعــض الجاعــات املتطرفــة مثــل تنظيــم القاعــدة يف بــالد املغــرب

اإلسـالمي، إىل اسـتخدام املخـدرات يف متويـل عملياتهـا اإلرهابيـة، كـا يف تفجـر مدريـد اإلرهـايب يف 11 مــارس 2004، إذ قــام التنظيــم بتمويــل عملياتــه اإلرهابيــة باســتخدام العائــدات التــي ربحهــا مـن وراء تهريـب الكوكايـن مـن أمريـكا الالتينيـة، وبيعهـا يف الجزائـر والـدول األوروبيـة، حيـث

)84( قـام التنظيـم بـرشاء الكوكايـن مـن جاعـات مثـل حركـة فـارك املتمـردة (القـوات املسـلحة الثوريـة الكولومبيـة)، وقـام بنقلهـا مـن خـالل شـواطئ الجزائـر واملغـرب وليبيـا، وتهريبهـا عـر البحـر املتوسـط إىل الــدول األوروبيــة.)85(

وال يختلـف األمـر كثـراً بالنسـبة لحركـة طالبـان يف أفغانسـتان، فبعـد هزميتهـا عسـكرياً عـى يـد الواليـات املتحـدة يف عـام 2001، وهروبهـا إىل املناطـق الحدوديـة بـن أفغانسـتان وباكسـتان، قامـت الحركـة بتمويـل نفسـها باالعتـاد عـى فـرض رسـوم عـى املزارعـن ومهـريب األفيـون ، كـا أن أحـد

)86( مصـادر متويـل حركـة بوكـو حـرام يف نيجريـا، هـو االتجـار يف الكوكايـن، الـذي تقـوم برشائـه مـن حركـة فـارك الكولومبيـة، كـا يعتقـد أنهـا تقـوم برشائـه مـن تجـار املخـدرات القريبـن مـن الحكومـة البوليفيـة .)87(

ويالحـظ أن مـا سـاعد عـى اتسـاع هـذه الظاهـرة وجـود مـالذات آمنـة لجاعـات الجرميـة املنظمـة والتنظيـات اإلرهابيـة، والتـي تعجـز الدولـة عـن السـيطرة عليهـا، وذلـك بسـبب عوامل مختلفـة، كضعف الدولـة وعجزهـا عـن السـيطرة عـى إقليمهـا، أو وجـود رصاعـات داخليـة ممتـدة ، وبطبيعـة الحـال،

)88( فــإن انقســام ليبيــا بــن عــدة حكومــات تتصــارع عــى الحكــم، ســاهم يف إيجــاد مــالذات آمنــة للتنظيــات اإلرهابيــة وجاعــات الجرميــة املنظمــة مبــا يفرضــه ذلــك مــن تداعيــات ســلبية عــى أمــن دول الجــوار. -6 الحــرب البيئيــة: يقصــد بهــا التدمــر املتعمــد للبيئــة الطبيعيــة لدولــة معاديــة ، وتذهــب بعــض

)89( الــدول الغربيــة إىل التخــوف مــن إمكانيــة إقــدام التنظيــات اإلرهابيــة عــى تنفيــذ عمليــات تخريبيـة مـن خـالل حـرق الغابات عـى نطـاق واسـع، نظـراً ملـا ميكـن أن يرتتـب عـى ذلـك مـن تدمـر لالقتصـادات املحليـة، وإرهـاب قطاعـات واسـعة مـن السـكان.)90(

ويرجــع ذلــك التخــوف إىل اتجــاه التنظيــات اإلرهابيــة إىل تبنــي أســلوب العمليــات اإلرهابيــة البســيطة، التــي تســبب خســائر ضخمــة، يصعــب تحديــد مــا إذا كانــت عمليــات تخريبيــة أو حــوادث عاديـة. وقـد روج تنظيـم القاعـدة يف جزيـرة العـرب مـن خـالل مجلتـه “اإللهـام” )Inspire(، وبعـض املنظريـن الجهاديـن، مثـل أيب مصعـب السـوري، لتبنـي هـذه التكتيـكات. ويـرى أليكسـندر بورتنيكـوف، رئيـس جهـاز األمـن االتحـادي (االسـتخبارات الروسـية) أن مثـل هـذه التكتيـكات قـد تتمثـل يف حرائـق الغابـات، وأطلـق عـى تلـك الظاهـرة “جهـاد الغابـات.)91(”

وقــد بلــغ عــدد العمليــات اإلرهابيــة التــي اســتخدمت هــذا التكتيــك حــوايل 56 حالــة، وذلــك يف

الفـرتة املمتـدة مـن عـام 1968 وحتـى عـام 2005، وكان مـن بـن القامئـن عليهـا فاعلـون متنوعـون، مثــل املتطرفــن الدينيــن و“جبهــة تحريــر األرض” الريطانيــة ‪)Earth Liberation Front(‬ ، والتــي تأسســت يف أوائــل التســعينات مــن القــرن العرشيــن، ومتكنــت مــن التمــدد يف عــدد مــن الــدول األوروبيــة، باإلضافــة إىل أســرتاليا والواليــات املتحــدة األمريكيــة. وقــد نفــذت عمليــات إرهابيــة يف حــوايل 12 دولــة.)92(

سادسًا: أساليب مواجهة الحروب غير التقليدية

تتســم حــروب الجيــل الخامــس بكونهــا مواجهــات عســكرية شــاملة تســتهدف الدولــة واملجتمــع معــاً، وعـى الرغـم مـن الطابـع غـر الدمـوي لبعـض أسـلحتها، فإنهـا تسـتهدف يف املحصلـة النهائيـة إكـراه الـدول عـى الرضـوخ إلرادة األطـراف التـي تخـوض الحـرب أو تدمرهـا مـن الداخـل عـر فـرتات ممتـدة مـن املواجهـات العسـكرية وغـر العسـكرية وبتوظيـف أسـاليب وتكتيـكات متعـددة اقتصاديـة وثقافيــة ومعلوماتيــة وتقنيــة بصــورة متزامنــة، ويف هــذا اإلطــار تتمثــل أهــم أســاليب مواجهــة حــروب الجيـل الخامـس فيـا يـي:

-1 التحصـن املجتمعـي: تركـز حـروب الجيـل الخامـس عـى املجتمـع، وهـو مـا يجعـل اآلليـة األكـر مالءمـة يف مواجهتهـا هـي تحصـن املجتمـع، مـن خـالل الرتكيز عـى كسـب والء املواطنن، واسـتهداف الحواضــن االجتاعيــة لإلرهابيــن وامليليشــيات املســلحة، كــا أن كســب ثقــة املجتمعــات املســتهدفة يسـاعد يف الحصـول عـى املعلومـات االسـتخباراتية الالزمـة ملكافحـة الجاعـات املتطرفـة، ويف هـذا الصـدد يجـب التفرقـة بـن أولئـك الذيـن يعـرون عـن آراء متطرفـة، واألفـراد الذيـن عـى اسـتعداد للقيـام بعمليـات إرهابيـة.)93(

وتعـاين كل املجتمعـات، سـواء كانـت ناميـة أو متقدمـة، مـن أوجـه قصـور داخـي، فلقـد شـهدت بريطانيـا أعـال شـغب واسـعة النطـاق يف أغسـطس 2011، شـاركت فيهـا أعـداد كبـرة مـن الشـباب العاطـل عـن العمـل، والذيـن نجحـوا عـر مواقـع التواصـل االجتاعـي يف تنظيـم أنفسـهم إلحـداث شـلل يف مناطـق واسـعة مـن إنجلـرتا، ليـس بغـرض التظاهـر، ولكـن لتحقيـق مكاسـب إجراميـة، وبطبيعة الحــال، فــإن أعــال الشــغب هــذه مــا هــي إال انعــكاس لشــعور قطاعــات مــن املجتمــع بالحرمــان االقتصــادي .)94(

وتكشـف العمليـات اإلرهابيـة التـي تشـهدها الـدول األوروبيـة مـن فـرتة ألخـرى عـن فشـل محـاوالت االسـتيعاب لألقليـات املسـلمة يف تلـك الـدول، فضـالً عـن شـعورهم بالتمييـز واالسـتبعاد، مـا يدفـع بعـض األفـراد، إىل جانـب عوامـل أخـرى، لتنفيـذ عمليـات إرهابيـة، وال يختلـف األمـر كثـراً بالنسـبة للواليـات املتحـدة، وهـو مـا كشـفته تظاهـرات السـود، والتـي خرجـت لتعـر عـن الغضـب جـراء عنرصية الرشطـة يف التعامـل مـع األقليـات.

وتتصــدر آليــات التحصــن املجتمعــي تطبيــق سياســات الحكــم الرشــيد وإدارة “عمليــات تنميــة اسـرتاتيجية اسـتباقية” مـن جانـب الـدول، ترتكـز عـى التحسـن املـادي لجوانـب الضعـف يف النظـام االجتاعــي، باســتخدام اســرتاتيجيات تنمويــة وتعليميــة مــع إرشاك املجتمــع يف عمليــة التنميــة ملنــع الفسـاد، إضافـة إىل توفـر فـرص العمـل لألجيـال الشـابة يف املجتمعـات املسـتهدفة، وذلـك عـى أسـاس أن الشـباب الذيـن لديهـم توقعـات إيجابيـة عـن املسـتقبل لـن يقومـوا بتحـدي مؤسسـات الدولـة أو الوضـع القائـم مقارنـة بأولئـك الذيـن لديهـم نظـرة سـاخطة أو متشـامئة عـن املسـتقبل.

ويرتبـط ذلـك ببنـاء الـوالء لـدى الشـباب ودفعهـم للعمـل مـع مؤسسـات الدولـة لتحقيـق أهـداف مشـرتكة طويلـة األمـد مـن خـالل مرشوعـات لتحسـن أوضاعهـم ومعالجـة مشـكالتهم ، وبـث الشـعور

)95(

باألمــل يف مســتقبل أفضــل يكــون منســجاً مــع مــا يرغــب فيــه األفــراد، كــا أنــه يجــب أن يشــعر األفـراد بـأن لهـم دوراً وتأثـراً يف تحديـد مسـارات املسـتقبل.)96( -2 برامـج توعيـة األفـراد: تعـد حـروب الجيـل الخامـس مبنزلـة حـرب تركـز عـى “اإلنسـان” Hu�( ‪)man�Centric warfare‬ ، أو حــروب تســتهدف الســكان ‪)Population�Centric Warfare(‬ ، فهــي تسـتهدف املدنيـن بصـورة أساسـية ، وتهـدف إىل التالعـب مبدركاتهـم، وإثارة سـخطهم عـى األوضاع

)97( القامئـة، بغـرض االنتقـاص مـن رشعيـة الحكومـة القامئـة، مبـا يـؤدي إلضعـاف الدولـة يف مواجهـة أي محاولـة الخرتاقهـا خارجيـاً، وهـو األمـر الـذي يتطلـب حمـالت إعالميـة مكثفـة تركـز عـى الـرد عـى االدعـاءات الكاذبـة ضـد الدولـة. ومـن جهـة ثانيـة، رشعـت بعـض الحكومـات إىل تطويـر برامـج لتوعيـة املواطنـن حـول كيفيـة مواجهـة األخبـار الكاذبـة، مثـل قيـام الحكومـة اإليطاليـة بتطويـر برنامـج تعليمـي لطلبـة املـدارس بالتعـاون مـع رشكـة فيـس بـوك، شـمل حـوايل 8 آالف مدرسـة، لتلقـن الطـالب وسـائل وأدوات التمييـز بـن األخبـار الكاذبـة والصحيحـة، والتأكـد مـن مصـدر الخـر، وعـدم مشـاركة أيـة أخبـار مجهولـة املصـدر، ملنـع القــوى الخارجيــة مــن اســتخدام وســائل التواصــل االجتاعــي لتأجيــج االضطرابــات داخــل الدولــة، والتأثـر عـى سياسـتها الداخليـة. وتصاعــدت أهميــة التوعيــة املُجتمعيـة يف الـدول الغربيـة بعـد اتهــام روســيا باســتخدام تويــرت و فيــس بــوك لنــرش أخبــار كاذبــة والرتويــج لنظريــات املؤامــرة، للتأثــر عــى مســار االنتخابــات األمريكيـة، وهـو ما يتطلـب رضورة تبنــي الحكومــات برامــج التوعيــة للحــد مــن اســتهداف املُجتمعــات، مــن خــالل نــرش الشــائعات والرتويــج ألخبــار كاذبــة.)98( -3 تكنولوجيـا املراقبـة والرصـد :)Surveillance( قامــت الــدول الكــرى، مثــل الواليــات املتحــدة وبريطانيــا، باســتثارات هائلــة يف تكنولوجيـا رقابـة ورصـد األفـراد، يف إطـار جهودهـا الراميـة إىل محاربـة التنظيـات اإلرهابيـة، وقـد قامـت إدارة أوبامـا، عـى وجـه الخصـوص، خـالل فـرتيت واليتـه بـن عامـي 2008 و2016، بتعزيـز قـدرة الواليـات املتحـدة عـى الرقابـة والرصـد، بطريقـة تتجـاوز أي دولـة يف العـامل، مبـا يف ذلـك الـدول القمعيـة والبوليسـية، سـواء مـن حيـث الحجـم أو التكلفـة أو درجـة االخـرتاق.

وقـد قـدرت تكلفـة برامـج التجسـس تلـك بحـوايل 100 مليـار دوالر، كـا قامـت واشـنطن بالتعـاون مــع “الخمســة أعــن” ‪)Five Eyes(‬ ، وهــو تحالــف اســتخبارايت يضــم 5 دول هــي الواليــات املتحــدة وبريطانيـا وكنـدا وأسـرتاليا ونيوزيالنـدا، وعـى مسـتوى آخـر منحـت الواليـات املتحدة “مقـر االتصاالت الحكوميــة” الريطــاين ‪)Government Communication Headquarters(‬ ، وهــو الجهــاز املكافــئ لوكالـة األمـن القومـي األمريكيـة حـوايل 150 مليـون دوالر لتعزيـز إجـراءات الرقابـة والرصـد.)99(

واسـتثمرت وزارة الداخليـة الريطانيـة جانبـاً كبـراً مـن ميزانيتهـا املخصصـة ملنـع الجرميـة عـى

رشاء كامــرات املراقبــة و“الدوائــر التلفزيونيــة املغلقــة” )CCTV(، والتكنولوجيــات الذكيــة الخاصــة بالتعـرف عـى الوجـه ‪)Face�Recognition ‘Smart’ Technology(‬ ، كـا تقوم وزارة الدفـاع الريطانية باالسـتثار يف تكنولوجيـا متكـن األجهـزة األمنيـة مـن مسـح الوجـوه يف املناطـق املزدحمـة، ومطابقتهـا مـع صـور مثـري الشـغب املعروفـن لديهـم.)100(

وتسـتخدم الـدول الغربيـة تكنولوجيـا الرصـد والتتبـع بهـدف جمـع معلومـات عن السـات الشـخصية ملواطنيهـا مـن أجـل تحديـد سـلوكهم املحتمـل يف فـرتة زمنيـة محـددة، ففـي الواليـات املتحـدة، تقـوم وزارة األمـن الداخـي باالسـتثار يف تكنولوجيـا مسـح السـات املسـتقبلية ‪Future Attribute Screen�(‬ ‪)ing Technology‬ ، والتـي تقـوم بتحديـد اإلرهابيـن املحتملـن مـن خـالل لغـة الجسـد مثـالً، وذلـك بنسـبة نجـاح تصـل إىل .%70

وقـد صممـت رشكـة “آي يب إم” )IBM( نظـم “التنبـؤ الرشطيـة” ‪)Predictive Policing(‬ ، والتـي تقـوم بفحـص سـجالت هائلـة مـن الجرائـم السـابقة، واسـتخدام مواقـع التواصـل االجتاعـي، وغرهـا، وذلــك مــن أجــل عــرض خرائــط توضــح أيــن ميكــن أن تقــع الجرائــم، حتــى يقــوم رجــال الرشطــة بزيــادة دوريــات الرشطــة يف أوقــات محــددة.)101(

ومتلــك وكالــة االســتخبارات املركزيــة األمريكيــة )CIA( أجهــزة كمبيوتــر عمالقــة يطلــق عليهــا اســم “خــوادم صفــارة اإلنــذار” ‪)Siren Servers(‬ ، والتــي ميكنهــا التنبــؤ بوقــوع االضطرابــات االجتاعيــة قبــل وقوعهــا بعــدة أيـام ، وتوضـح كل هـذه األمثلـة

)102( مــدى لجــوء الــدول املتقدمــة آلليــة الرقابــة والتتبــع ملواجهــة أي تهديــدات أمنيــة، حتــى لــو ترتبــت عليهـا انتهـاكات واضحـة لحريـة وخصوصيـة األفـراد، وهـو مـا يدفـع الـدول املختلفـة إىل اتبـاع تكتيكات مشــابهة ملواجهــة التحديــات األمنيــة النابعــة مــن التوظيــف الخارجــي للثغــرات املجتمعيــة. -4 تفكيـك التحالفـات املعاديـة: تقـوم مواجهـة حـروب الجيـل الخامـس عـى تفكيـك التحالفـات التـي قـد تنشـأ ضـد الدولـة مـن خـالل إعاقـة تطويـر القيـادة والسـيطرة، ومنـع اخـرتاق املجتمـع ثقافيـاً، ووقـف التمويـل والدعـم املـادي واملـأوى وعمليـات التجنيـد وإعاقـة التخطيـط واالتصـاالت، ويتـم ذلـك بـأي أداة سـواء كانـت عسـكرية أو غـر عسـكرية، وذلـك بهـدف تجنـب االنفجـار مـن الداخـل نتيجـة وجـود ثغـرات يف النسـيج املجتمعـي.)103(

وينبغـي عـدم الدخـول يف مفاوضـات مـع األطـراف والفاعلن املشـاركن يف حروب الجيـل الخامس، إال مــن موقــع القــوة ، وهــو مـا يعنــي رضورة اســتخدام اآلليــات األمنيــة والعســكرية يف مواجهــة

)104( الجاعـات املنخرطـة يف مثـل هـذا النـوع مـن الحـروب، باإلضافـة إىل عـدم إغفـال األسـاليب غـر العسـكرية، مثـل التحصـن املجتمعـي وتكتيـكات الحـرب اإللكرتونيـة والتحكـم يف الفضـاء اإللكـرتوين، وذلـك لحرمـان الجاعـات اإلرهابيـة مـن القـدرة عـى االتصـال ، ونـرش أفكارهـا الهدامـة.

)105(

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.