مقدمة المحرر

Future Studies - - العدد 02 - مارس 2018 - رئيس التحرير

“املـدن هـي املسـتقبل”، طـرح البنـك الـدويل هـذا الشـعار يف صـدارة التقريـر الـذي أصـدره يف ديسـمرب 2015 بعنـوان “املـدن التنافسـية مـن أجـل الوظائـف والنمـو: مـاذا ومـن وكيـف؟.” ويتضمـن هـذا التقريـر خالصـة اسـتطالعات الـرأي التـي أجرتهـا مجموعـة البنك الـدويل حول كيفيـة تعزيـز القـدرات التنافسـية للمـدن بهـدف االرتقـاء باملسـتويات املعيشـية للسـكان؟، وكانـت اإلجابـة األهـم ضمـن التقريـر هـي االعتـاد عـى منـاذج “املـدن الذكيـة” يف تطويـر البنيـة التحتيـة والخدمـات العامـة.

ويتصـل االهتـام املتزايـد بدمـج التكنولوجيـا يف العمـران الحـري بتصاعـد أهميـة املـدن بصـورة غـر مسـبوقة مـع تزايـد موجـات انتقـال السـكان للمناطـق الحريـة ومتركـز الـركات الكـربى واملؤسسـات الحكوميـة بهـا والتحـول نحـو أمنـاط “االقتصـاد مـا بعـد الصناعـي” مـا أدى لتزايـد أهميـة قطـاع الخدمـات ضمـن االقتصـادات الوطنيـة.

ولقـد رصـدت املنظـات الدوليـة تصاعـد الضغـوط عـى املراكـز الحريـة الكـربى، حيـث توقـع تقريـر إدارة الشـؤون االجتاعيـة واالقتصاديـة باألمـم املتحـدة يف عـام 2014 أنـه بحلـول عـام 2050 سـوف يصـل عـدد سـكان املـدن واملناطـق الحريـة إىل حـوايل %66 مـن إجـايل سـكان العـامل وهـو مـا سـيعزز مـن مركزيـة املـدن يف التفاعـالت العامليـة.

ويف السـياق ذاتـه، بـات عـى املـدن الكربى اسـتيعاب التدفقات الكثيفـة الناتجة عـن االنفتاح عـى العـامل وتزايـد الحركة الرسيعـة العابرة للحـدود لألفـراد واألمـوال والبضائع واألفـكار والقيم وتصاعـد اتجاهـات اسـتضافة الفاعليـات العامليـة يف املـدن الكربى ما عـزز التقـارب والتواصل بـن املجتمعـات وزاد أيضـاً مـن خطـورة التحديـات االقتصاديـة واالجتاعيـة والتهديـدات األمنية التـي تواجههـا املـدن وهـو مـا دفـع لتطويـر مداخـل ذكيـة تقـوم عـى دمـج التكنولوجيـا يف تأم ـن املراك ـز الحرية.

وامتـدت التحـوالت الهيكليـة إىل االقتصـاد، حيـث أدى التفاعـل بـن تكنولوجيـا املعلومـات واالتصـاالت واالبتـكار إىل صعـود أمنـاط “اقتصـاد املعرفـة” وتزايـد أهميـة األصـول غـر املادية، مثـل األفـكار واالبتـكارات والتصميـات وقواعـد البيانـات والربمجيـات والتطبيقـات اإللكرتونيـة والخدمـات االفرتاضيـة، وهـو مـا يرتبـط بصعـود أمنـاط “االقتصـاد غـر املـادي” Intangible( )Economy و“الرأســالية بــدون رؤوس أمــوال” ‪.)Capitalism Without Capital(‬

دفعـت هـذه التحـوالت ُمجتمعـة النتشـار “املـدن الذكيـة” عـى مسـتوى العـامل السـتيعاب التحـوالت األمنيـة واالجتاعيـة واالقتصاديـة، وتلبيـة الطلـب عى االبتـكار واالسـتجابة الحتياجات التنميــة االقتصاديــة واالســتدامة البيئيــة وتحســن نوعيــة الحيــاة وتعزيــز األمــن والتصــدي للتهديـدات .

وعـى مـدار العقـد املـايض، تحولـت “املـدن الذكيـة” مـن رؤى افرتاضيـة وأطروحـات نظرية إىل واقـع ملمـوس نتيجـة للتوسـع يف إقامـة هـذه املـدن يف أقاليم العـامل كافة ووجـود اتجاهات لتأسـيس عـدد كبـر مـن “املـدن الذكيـة” خـالل األعـوام املُقبلة.

ويقصـد باملـدن الذكيـة، املراكـز الحرية التي تتسـم بدمج تكنولوجيـا املعلومـات واالتصاالت يف البنيــة التحتيــة والنقــل وتقديــم الخدمــات واالقتصــاد والتعليــم واالســتثار يف رأس املــال البـري لتحسـن جـودة الحيـاة وتحقيق التنميـة املُسـتدامة مـع اإلدارة املتوازنة للمـوارد الطبيعية.

وتعتمـد املـدن الذكيـة عـى التكامـل بـن عـدة عنـارص أساسـية يتمثـل أهمهـا يف: االقتصـاد الـذيك، والتنقـل الـذيك والبنيـة التحتيـة املتقدمـة، والبيئـة الذكيـة التـي تهـدف إىل حسـن إدارة امل ـوارد وتحقي ـق االس ـتدامة، والش ـعب ال ـذيك الحري ـص ع ـى التعل ـم وتطوي ـر ق ـدرات اإلب ـداع واالبتــكار، والحيــاة الذكيــة القامئــة عــى الجــودة واألمــن، والحوكمــة الذكيــة التــي ترتبــط بالدميقراطيـة الرقميـة.

وعـى الرغـم مـن الرتكيـز عـى التكنولوجيـا املتقدمـة، فـإن الغايـة األساسـية للمـدن الذكيـة هـي “البـر” عـرب خلـق بيئـة مواتيـة الكتشـاف الطاقـات الكامنـة وتطويـر املهـارات والقـدرات ودعـم االبتـكار واإلبـداع وتأسـيس مسـارات لنقـل الخـربات والتعليـم املتقـدم بهـدف االسـتفادة القصـوى مـن رأس املـال البـري مـا ينعكـس إيجابـاً عـى االقتصـاد واملجتمـع.

وتعـد دولـة اإلمـارات العربيـة املتحـدة يف صـدارة الـدول التـي توسـعت يف إنشـاء وتطويـر املـدن الذكيـة، فمدينـة ديب قـد متكنـت مـن اسـتيفاء العديـد مـن معايـر املـدن الذكيـة بإطـالق عـدد كبـر مـن الخدمـات الذكيـة ودمـج التكنولوجيـا يف الحيـاة اليومية لألفـراد، كا تعـد مدينة مصـدر يف أبوظبـي منوذجـاً للمـدن الذكيـة التـي تحقـق االسـتدامة البيئيـة والتنميـة مـن خـالل االسـتفادة مـن اقتصـاد املعرفـة.

ويف مقابـل الفـرص التـي تتيحهـا املـدن الذكيـة، فـإن التوسـع يف االعتـاد عليهـا قـد فـرض تحـوالت جوهريـة يف املفاهيـم السـائدة يف مجـاالت السياسـة واالجتـاع واالقتصـاد واألمـن، وهـو مـا يعـزز أهميـة مراجعـة الركائـز األساسـية لهـذه املجـاالت للتـواؤم مـع التحـوالت الرسيعة وطـرح أطـر نظريـة وتطبيقيـة بديلـة ميكنهـا اسـتيعاب التغـر يف طبيعـة التفاعـالت االقتصادية واالجتاعيـة والسياسـية واألمنية.

ويف املجــاالت األمنيــة، ينبغــي التحســب للتهديــدات الصاعــدة ضمــن املــدن الذكيــة، مثــل تهديــدات البنيــة التحتيــة الحرجــة والخدمــات الحكوميــة والتجســس اإللكــرتوين والحــروب السـيربانية واسـتهداف النظـم املاليـة واملرصفيـة ومحـاوالت االخـرتاق ألجهـزة إنرتنـت األشـياء ومنص ـات التخزي ـن الس ـحابية.

وقـد يـؤدي االعتـاد املتزايـد عى التكنولوجيـا داخل املدينـة الذكيـة إىل تزايد بعـض الجرائم، مثـل االبتـزاز اإللكـرتوين، واسـتخدام الطباعة ثالثية األبعـاد يف تصنيع األسـلحة، وتقليد املنتجات وتزويـر التاثيل والتحـف التاريخية.

ويف هـذا اإلطـار، يركـز العـدد الثـاين مـن “دراسـات املسـتقبل” عـى األبعـاد التكنولوجيـة واألمنيـة املرتبطـة بانتشـار “املـدن الذكيـة يف العـامل، حيـث تعـرض الدراسـة تعريفـاً إجرائيـاً للمـدن الذكيـة وعنارصهـا، ومعايـر تصنيـف املـدن الذكية ودوافع انتشـار هـذه املـدن يف العامل، والفـرص والعوائـد املرتتبـة عـى تأسـيس املـدن الذكيـة والتحديـات والتهديـدات املرتبطـة بهـا، وأخـراً اآلليـات واإلجـراءات التـي ميكـن االعتـاد عليهـا يف تأمـن املـدن الذكيـة.

ولقـد أعـد هـذه الدراسـة أ.إيهـاب خليفـة، رئيس وحـدة متابعـة التطـورات التكنولوجيـة مبركز املسـتقبل لألبحـاث والدراسـات املتقدمـة، وهـو باحـث دكتـوراه يف مجـال املـدن الذكيـة، ولـه عـدة مؤلفـات منشـورة يف صدارتهـا كتـاب “حـروب مواقـع التواصل االجتاعـي”، وكتـاب “القوة اإللكرتونيـة” الحاصـل عـى جائـزة أفضـل كتـاب يف مجـال العلـوم الرقميـة من معـرض القاهرة الـدويل للكتـاب عـام .2018

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.