مقدمة المحرر

Future Studies - - الصفحة الأمامية - رئيس التحرير

“تنتـر األخبـار الكاذبـة برسعـة تفـوق مبراحـل قدرتنـا عـى الرتويـج للحقيقـة”، كانـت هـذه هـي خالصـة الدراسـة التـي أجراهـا باحثـون مـن معهـد ماساتشوسـتس للتكنولوجيـا ونرتهـا مجلـة “سـاينس” العلميـة يف مطلـع مـارس 2018، إذ كشـف تحليـل أكـر مـن 126 ألـف موضـوع تـم نرهـا عـى موقـع تويـرت للتواصـل االجتامعـي خـالل الفـرتة بـن عامـي 2006 و2017 أن األخبـار الكاذبـة تحظـى بفرصـة انتشـار تفـوق نظريتهـا الحقيقيـة بأكر مـن %70، كام تسـتغرق األخبـار الحقيقيـة سـتة أضعـاف الوقـت املطلـوب لـي تصـل إىل العـدد ذاتـه مـن املتابعـن.

كان تفسـري تلـك الظاهـرة شـديد التبسـيط إىل درجـة غـري ُمتخيلـة، حيـث إن مجـرد إثـارة األخبـار الكاذبـة السـتغراب األفـراد ومخالفتهـا للأملـوف لديهـم والنمطيـة السـائدة يف املنصـات اإلخباريـة التقليديـة كان كافيـاً الجتـذاب ماليـن املتابعـن يف فـرتة زمنيـة قياسـية، وبعبـارة أخـرى تدفـع صياغـة األخبـار الكاذبـة األفـراد للتفاعـل معهـا وتكويـن مواقـف حولهـا تـرتاوح ما بـن الدهشـة والخـوف والرفـض والتأييـد.

وعـى الرغـم مـن أن األخبـار الكاذبـة ليسـت ظاهـرة جديـدة، فـإن اآلونـة األخـرية قد شـهدت تحولهـا إىل صناعـة متكاملـة األركان نتيجـًة للطفـرة الهائلـة يف تقنيـات وأسـاليب نـر األخبـار الكاذبـة وتصاعـد تأثـري املنصـات اإلخباريـة االفرتاضيـة ضمـن شـبكات التواصـل االجتامعـي وتزايـد قـدرة األفـراد عـى صياغـة وبـث األخبـار، باإلضافـة إىل تعـدد الفاعلـن املشـاركون يف هـذه الصناعـة مثـل “جيـوش التضليـل”، والهاكـرز ورشكات تحليـل حـزم البيانات الضخمـة Big( )Data ومواقـع ورشكات نـر األخبـار الكاذبـة والرتويـج لهـا عـى مواقـع التواصـل االجتامعـي.

ويعتمـد هـؤالء الفاعلـون عـى عـدة تقنيـات متقدمـة يف نـر األخبـار، مثـل الحسـابات اآللية املنتـرة عى شـبكات التواصـل االجتامعـي ‪)Automated Bots(‬ والتصيد )Trolling( عرب إنشـاء الحسـابات الوهميـة عـى هـذه املواقـع، وتواكـب ذلـك مـع تطوير أسـاليب متنوعة لنـر املحتوى اإلخبـاري الـكاذب، مثـل صياغـة العناويـن الجاذبـة وتضمـن أعـداد ضخمـة مـن املسـتخدمن ورشاء خدمـات املتابعـة وإعـادة النـر عـى وسـائل التواصـل االجتامعـي، وحشـد املتابعن.

ويرتبـط ذلـك مبـا كشـفته التحقيقـات عـن تـورط رشكـة “كامربيـدج أناليتيـكا” يف االسـتيالء عـى بيانـات ماليـن املسـتخدمن لوسـائل التواصـل االجتامعـي وتوظيفهـا يف تحليـل توجهـات وتفضيـالت الناخبـن ودعـم الحمـالت االنتخابيـة للرئيس األمريـي “دونالـد ترامـب” والتيارات الداعمـة لالنسـحاب الربيطـاين مـن االتحـاد األورويب، ولقـد تـم توظيـف هـذه التحليـالت يف صياغـة أخبـار كاذبـة لتوجيـه خيـارات الناخبـن وهـو مـا يرتبـط بانتشـار مامرسـات التضليـل املعلومـايت املُتعمـد )Disinformation( وسياسـات “مـا بعـد الحقيقـة” ‪.)Post Truth Politics(‬

وينـدرج ضمـن هـذه السياسـات قيام بعـض الـدول بتشـكيل إدراك وتوجهات الجمهـور يف دول أخـرى مـن خـالل وسـائل اإلعـالم املوجهة ووسـائل التواصـل االجتامعي مثـل املنصـات اإلخبارية الروسـية: “روسـيا اليـوم” و”سـبوتنيك” التـي يتـم اسـتخدامها للرتويج للسياسـات الروسـية عاملياً والتأثـري يف توجهـات الـرأي العـام بالـدول الغربية.

ومل يكـن صعـود األخبـار الكاذبـة مبعـزل عـن صعـود الشـعبوية يف الواليـات املتحـدة والـدول الغربيـة، نتيجـة للتكلفـة االقتصاديـة للعوملـة واالنفتـاح االقتصـادي وتـرر مواطنـي هـذه الدول مـن تزايـد معـدالت البطالـة وتزايد تدفقات الهجرة واحتدام املنافسـة يف أسـواق العمـل واإلرباك الـذي سـببته التحـوالت يف تكنولوجيـا اإلنتـاج وتقديم الخدمات، حيث اسـتغلت التيـارات اليمينية املتطرفـة هـذه الحالـة يف الرتويـج لسياسـات الحامئيـة االقتصاديـة وإغـالق الحـدود واالنفصال

عـن التكتـالت االقتصاديـة والتحالفـات وإلغاء اتفاقيـات التجـارة الحرة.

واسـتندت هـذه التيـارات إىل خطـاب سـيايس يقـوم عـى التبسـيط الشـديد للقضايـا وإثـارة الجامهـري مـن خـالل طـرح وعـود بتحقيـق أقـى تطلعاتهـم عـرب سياسـات تتسـم بالبسـاطة والغمـوض والجاذبيـة تقـوم عـى تخيـل إمكانيـة تحقيـق املكاسـب املطلقـة، واعتمـدت الشـعبوية عـى الرتويـج ملعلومـات خاطئـة وغـري حقيقيـة والخـداع املُتعمـد للجامهـري باإلضافـة لتأجيـج مشـاعر الغضـب والعـداء تجـاه النخـب التقليديـة والسياسـين.

وال يقتـر التضليـل عـى الخطابـات واألخبـار فقـط حيث إنـه يتم توظيـف الصـور املفربكة أو صـور التـي تـم التقاطهـا يف سـياق مختلـف لخدمـة قضيـة معينـة، وهو ما ميكـن أن يطلـق عليه حـرب الصـور ‪)Image warfare(‬ بهـدف كسـب التعاطـف، واسـتقطاب املؤيديـن، واسـتعراض القـوة والتأثـري النفـي عـى الخصوم.

ولقـد تسـبب انتشـار األخبـار الكاذبـة يف العـامل يف تصاعـد العـداء للخـربة وفقـدان الثقـة يف السياسـة والنخـب السياسـية التقليديـة وانحسـار تأثري وسـائل اإلعـالم التقليدية وتـآكل مصداقية املؤسســات السياســية وهــو مــا يرتبــط بتعــر التفــاوض بــن الفاعلــن السياســين وهيمنــة االنحيـازات الشـخصية والعاطفيـة والقـرارات غـري املدروسـة والثـأر الشـخيص عـى التفاعـالت السياسية .

ويف ظـل هيمنـة النسـبية والغمـوض واختفـاء الحقيقـة خلـف ركام األخبـار الكاذبـة واملعلومـات املضللـة فـإن املجتمعـات تصبـح أكـر عرضـة لالخـرتاق الخارجـي والخضـوع لتأثـريات أطـراف خارجيـة تسـتهدف إثـارة التوتـرات وتأجيـج االنقسـامات وتصاعـد حـدة االسـتقطاب املجتمعـي بـن املجموعـات القوميـة والعرقيـة والطائفيـة، فضـالً عـن اإلرضار باقتصـاد الدولـة عـرب توجيه القـرارات املاليـة لألفراد وتشـوية سـمعة الكيانـات االقتصادية والتأثري عـى تـداول األوراق املالية.

ويف هـذا اإلطـار، يركـز العـدد الثالـث من سلسـلة “دراسـات املسـتقبل” عـى موضـوع “املالمح األساسـية النتشـار األخبـار الكاذبـة يف العـامل”، ويتنـاول املوضـوع الجـدل النظري حـول األخبار الكاذبـة واملفاهيـم املرتبطـة بهـا مثـل “التضليـل املعلومـايت” و”مـا بعـد الحقيقـة” و”الحقائـق البديلـة”، وسـياقات تنامـي فـوىض املعلومـات مثل انتشـار وسـائل التواصـل االجتامعي والتوسـع يف اإلعالنــات الرقميــة وتنــوع منصــات اإلعــالم االفــرتايض وتطــور وتعــدد أمنــاط التضليــل املعلومـايت وضعـف إجـراءات املواجهـة.

ولقـد قامـت بإعـداد هـذه الدراسـة أ.سـارة عبدالعزيـز، وهـي باحثـة دكتـوراه متخصصـة يف العالقـات الدوليـة ولهـا العديـد مـن الدراسـات املنشـورة حـول قضايـا التحـوالت التكنولوجيـة واالقتصــاد الســيايس ومــن بينهــا دراســة “الحــرب الســيربانية: التداعيــات املحتملــة لتصاعــد الهجــامت اإللكرتونيــة عــى الســاحة الدوليــة” املنشــورة يف العــدد 20 مــن دوريــة اتجاهــات األحــداث يف أبريــل .2017

وتحلـل الدراسـة دوافـع انتشـار األخبـار الكاذبـة وارتباطهـا برتاجـع الثقـة السياسـية وتطـور اإلعـالم االفـرتايض وتعـدد وظائـف الدعايـة والتغـري يف طبيعـة الفاعلـن املؤثريـن يف عمليـة نـر األخبـار، كـام رصـدت الدراسـة أيضـاً آليـات وأسـاليب بـث األخبـار الكاذبـة ودورة التضليـل املعلومـايت، واختتمـت الدراسـة بتحليـل التداعيـات السياسـية واالجتامعيـة واالقتصاديـة لتصاعـد التضليـل املعلومـايت وآليـات مواجهـة انتشـار األخبـار الكاذبـة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.