شكل رقم (1:) التغير الاجتماعي والأنومي

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل -

بتفسير ظهور السلوكيات غير المقبولة في المجتمع من خلال تقديمه لمفهوم الأنومي، حيث اعتبر دوركايم أن التغيرات الكبيرة التي يمر بها أي مجتمع تؤثر على قيم ومعايير الأفراد وتجعلهم يصِلون إلى مرحلة افتقار المرجعية التي بناءً عليها يتم تمييز السلوك السوي عن السلوك غير السوي، ووفقاً لذلك يُصاب الأفراد بحالة من التوتر والرغبة في العُزلة عن المجتمع( ).

12 ويحدث ذلك نتيجة لشعور الأفراد بعدم قدرتهم على أن يجدوا لأنفسهم مكاناً داخل المجتمع؛ لعدم وجود قواعد واضحة( ،) ومن ثم يعجز الأفراد عن الانصهار في

13 منظومة قيمية واحدة، وتتكون داخل المجتمع عدة نظم قيمية، تسعى كل منها إلى تقديم تفسير للسلوك السوي، على حساب رفض التفسيرات الأخرى) ،) ووسط كل هذا الارتباك،

14 يُحاول كل فرد أن يتكيف "بطريقته" مع تلك البيئة التي أصحبت غامضة بالنسبة له. وعادة ينتج عن حالة عامة عدم الرضا، وظهور أشكال مختلفة من الصراع، وتفشي السلوك المنحرف( ،) واليأس بين الأفراد) (.

15 16 ويرى دوركايم أن ذلك بطبيعة الحال سيؤدي لانتشار سلوكيات غير متجانسة بين أفراد المجتمع، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى تفشي الفوضى والانحراف) (.

17 وترتبط حالة الأنومي ارتباطاً عكسياً بالتضامن الاجتماعي، بمعنى أنه كلما زاد تضامن الفرد وانصهاره مع مجتمعه اختفى الأنومي والعكس صحيح) ،) وقد ظهر

18 ذلك في كتابات دوركايم عن الأنومي كمفسر للانتحار، وكان محور فكرته أيضاً يدور حول التضامن الاجتماعي، حيث وضع ثلاثة أنماط من الانتحار تعتمد على درجة قوة التضامن الاجتماعي، تلك الأنماط هي: الانتحار الأناني (والذي يلجأ إليه الفرد عندما يشعر بالاغتراب بين جماعته)، والانتحار الإيثاري (ويقوم به الفرد امتثالاً لأوامر الجماعة)، والانتحار الأنومي (هو الانتحار الناتج عن فقدان المعايير، وعدم الشعور بالانتماء للمجتمع والتضامن معه)، ويحدث النوع الأخير في عدة حالات هي: انحلال البناء الاجتماعي والثقافي للمجتمع، ووجود أزمة اقتصادية بجميع أشكالها، وانهيار النظام السياسي، ووجود هوة كبيرة بين ما يطمح نظامه العام، سواء كان ذلك نتاج التدهور السريع لأوضاع المجتمع أو حدوث ازدهار متسارع لأوضاعه يفوق قدرة المجتمع على مجاراته، إذ قد يؤدي ذلك إلى هشاشة المجتمع وتصدعه، مثل الثورات بمختلف أشكالها.

كما أشار إلى أن المجتمعات الأكثر تطوراً ونمواً هي الأكثر عُرضة لظهور الأنومي بها، وإن كان بصورة أقل حدة؛ بمعنى أنه كلما ازداد المجتمع نمواً وتطوراً تزداد النظم الاجتماعية تعقيداً، وتنشأ حالة من تراجع التكامل بين الجماعات المختلفة، وهذا الوضع من شأنه أن يُزيد من التمايز بين أعضاء المجتمع، ويُنقِص من قدراتهم على تحقيق التضامن وعلى إيجاد اتصالات إيجابية بينهم، كما يضعف الروابط الاجتماعية، مما ينتج عنه حالة من الأنومي.

شكل رقم (2:) أسباب ظهور الأنومي

ثالثاً: التغير الاجتماعي واأنماط التكيف

اعتمد "روبرت ميرتون" (Robert Merton ) على

المصطلح ذاته، ولكنه استخدمه في سياق النظريات المُفسرة للظواهر الإجرامية( ،) ولم يكن اهتمام ميرتون مُنصَّباً على

20 ظهور الانحراف بقدر اهتمامه بأسباب اختلاف معدلات الانحراف من مجتمع إلى آخر وداخل المجموعات الفرعية في إطار المجتمع الواحد.

وقد حاول ميرتون دراسة أسباب الأنومي أو اللامعيارية ووجد أنها تكمن في أسباب كضعف التماسك الأسري، وضعف التنشئة الاجتماعية، والدور السلبي لوسائل الإعلام، والفقر وتدني المستوى الاقتصادي، والهجرة( ،) غير أن

21 السبب الأهم وفقاً له، فتتمثل في افتقار الأفراد إلى أدوات مقبولة لتحقيق أهدافهم الشخصية( ؛) بمعنى أن الأنومي

22 يحدث عند وجود فجوة حادة بين كل من الأهداف والقيم الاجتماعية، أي عند عجز الأفراد عن تحقيق أهدافهم، وفقاً للمعايير المقبولة التي يحددها البناء الثقافي لهم، وبقدر وجود توازن بين هذين العنصرين بقدر ما تنعدم أو تقل معدلات الانحراف في المجتمع والعكس صحيح، وهذا ما سماه ميرتون "بالأنومي الاجتماعية"( (.

23 ويتفق ميرتون مع دوركايم في أن الأفراد يبحثون دائماً عن آليات ووسائل للتكيف مع الأوضاع الجديدة، وحالات التناقض التي قد تصيب مجتمعاتهم، وفي هذا الصدد وضع ميرتون خمس درجات متفاوتة للتكيف، تتراوح بين الأنماط التالية: 1- الامتثال (Conformity): وفيه يقبل الأفراد الأهداف الثقافية ويمتثلون لها، وفي نفس الوقت يتقبلون الأساليب التي يُحددها النظام الاجتماعي بوصفها أساليب مشروعة لتحقيق هذه الأهداف، وتعد هذه الحالة المثلى. 2- الابتكار (Innovation): وفي هذه الحالة يرفض الأفراد الأساليب المشروعة للنجاح ويتجهون إلى الأساليب غير المشروعة، ويرى ميرتون أن ذلك موجوداً أكثر بين الطبقة العاملة. 3- التعلق الشديد بالطقوس (Ritualism): يقوم الأفراد بخفض سقف طموحهم حتى يصل إلى درجة منخفضة يُمكن معها إشباع هذا الطموح وفي نفس الوقت يظل الفرد ملتزماً بطريقة شبه قهرية بالأساليب المشروعة لتحقيق الأهداف، على الرغم من أنها لا تحقق له شيئاً يُذكر. ويرى ميرتون أن ذلك النمط من التكيف موجود لدى الطبقة الوسطى الدنيا، مثل صغار الموظفين البيروقراطيين في الشركات والمصالح الحكومية. 4- الانسحاب (Retreatism): وفي هذا النمط يتخلى الفرد عن كل من الأهداف والأساليب التي يحددها النسق لتحقيق تلك الأهداف، ويهرب من الواقع بطرق مختلفة ومن أمثلة هذا النمط: الإدمان والانحراف والتطرف، وهنا يظهر الشعور بالأنومي، وتظهر السلوكيات غير المألوفة وغير المقبولة من المجتمع. 5- التمرد والثورة (Rebellion): يتسم هذا النمط من التكيف بالرفض الإيجابي والسعي إلى استبدال البناء الاجتماعي القائم ببناء آخر يضم معايير ثقافية مختلفة للنجاح. ويرى ميرتون أن هذا النمط من التكيف ينشأ نتيجة زيادة الشعور بالإحباط واليأس من الأوضاع القائمة( ).

24 ويتفق ميرتون مع ما ذهب إليه دوركايم في أن انتشار الأنومي ينتج عن حدوث تغيرات راديكالية كبيرة، والتي قد تنتهي بالتمرد على البناء الاجتماعي القائم الذي عجز الأفراد عن التكيف معه. كذلك أتفقا على أن الأفراد في ظل التغيرات التي يتعرضون لها يحاولون باستمرار التكيف مع تلك التغيرات التي تنشأ من حولهم بطرق مختلفة والتي قد تأتي في هيئة امتثال للمعايير والقيم الجديدة، أو تأتي في هيئة تمرد وانتهاج سلوكيات يرفضها المجتمع، وذلك للتعبير عن حالة السخط لما آلت إليه أوضاع المجتمع، ونظراً لأهمية مفهوم الأنومي لقدرته على استيعاب تفسير التحولات التي تمر بها المجتمعات المختلفة، قام العلماء بتطويره تدريجياً مع تطور وتعقد المجتمعات والمشكلات الناتجة عنها.

رابعاً: الاأنومي والفجوة بين المجتمع والدولة

ظهر الأنومي مرة أخرى مع بعض الإضافات والتطورات، بحيث اتسع المفهوم بشكل كبير واكتسب أبعاداً جديدة حتى يتسع لتفسير التحولات الفارقة التي تشهدها المجتمعات المُعاصرة( ).

25 فبوجه عام اُستخدم مفهوم الأنومي في بداية ظهوره للإشارة إلى عدم الانصياع للقوانين الإلهية والخروج عنها، وبعد ذلك استخدمه دوركايم في تفسير السلوك غير المقبول اجتماعياً وظاهرة الانتحار في مجتمعه، بينما استخدمه ميتون في تفسير الجريمة والسلوكيات المنحرفة، ومع التغيرات والتحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المُتلاحقة التي شهدها العالم في عصرنا الحديث اعتبر بعض الدارسين أنه ما قد ينتج عن تلك التحولات من اضطراب في النظام والأخلاق والتضامن نوعاً من "اللامعيارية" أو "الأنومي"، نتيجة أن ذلك يوجد حالة من الضعف الذي قد يُصيب تمسك الفرد بالمعايير الاجتماعية، نتيجة التغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية( ).

26 واستمراراً في تطوير المفهوم، ظهر اتجاه آخر من العلماء حاول التعمق في تفسير ظهور الأنومي، حيث يرى ذلك الاتجاه أن هناك بعض المصادر للقيم والتي تمد الأفراد بالتوجهات والمعايير التي يحتكمون إليها عند تعاملاتهم مع بعضهم البعض، ومن تلك المصادر: الدين، والتراث الثقافي، والتفاعل الاجتماعي، وتعد تلك المصادر المحددات الرئيسية

الحالة النموذجية التي يمر بها أي مجتمع هي مع وجود درجة كبيرة من التوافق بن ثقافة المجتمع وبن الأيديولوجيا السياسية الحاكمة داخل المجتمع، بل ومن الضروري أن تنبثق (الأيديولوجيا السياسية) من رحم ثقافة المجتمع. فإذا تعارضت أيديولوجيا النظام السياسي مع ثقافة المجتمع فلن تكون الأيديولوجيا الموجودة قادرة على تعبئة البشر وجذبهم إليها لأنها غريبة عليهم. ومن ثم تحدث حالة من الارتباك داخل تلك المجتمعات.

لأهداف الأفراد وللوسائل التي يقومون باستخدامها للوصول إلى تلك الأهداف، كما أنها تُحدد لهم الثواب والعقاب على سلوكياتهم، وتحدث حالة الأنومي في الوقت الذي يحدث فيه خلل لأحد مصادر القيم( ،) أو للمصدر الأهم بالنسبة لمجتمع

27 بعينه، فعلى سبيل المثال، إذا كان الدين المصدر الأساسي للقيم في بعض المجتمعات، فأي خلل يرتبط بالمنظومة الدينية قد يؤثر سلباً في الأفراد.

من ناحية أخرى، اتجه بعض العلماء لإدخال البُعد السياسي على المفهوم، باعتباره أحد الأبعاد الرئيسية المكونة للمجتمع، ويرى أنصار ذلك الاتجاه أن الحالة النموذجية التي يمر بها أي مجتمع هي مع وجود درجة كبيرة من التوافق بين ثقافة المجتمع وبين الأيديولوجيا السياسية الحاكمة داخل المجتمع، بل ومن الضروري أن تنبثق الأخيرة )الأيديولوجيا السياسية( من رحم ثقافة المجتمع. وبناء على ذلك، فإذا تعارضت أيديولوجيا النظام السياسي مع ثقافة المجتمع فإن ذلك سينعكس سلبياً على المجتمع؛ لأنه في تلك الحالة لن تكون الأيديولوجيا الموجودة قادرة على تعبئة البشر وجذبهم إليها لأنها غريبة عليهم، ومن ثم تحدث حالة من الارتباك داخل تلك المجتمعات.

وبذلك ينتهي الأمر بانتشار مبادئ أيديولوجية ضعيفة، وقيم ثقافية مذبذبة، ومن ثم تنشأ حالة من "الأنومي". ليس هذا فحسب، بل أنهم يُفسِّرون فشل المجتمع على التعامل مع تعدد المنظومات ووجود اختلاف أو تناقض في بعض أوقاتها، ومن ذلك وجود تناقض بين منظومة القيم التراثية المستمدة من الأخلاق وقيم المجتمع، ومنظومة القيم السياسية كمنظومة القيم الليبرالية والاشتراكية، إذ إن ذلك يعد مظهراً من مظاهر "الأنومى"، حيث يرجعون ذلك إلى وجود مجتمعات متمايزة داخل المجتمع الواحد لا يوجد بينها انصهار، الأمر الذي يوجد حالة من تعدد مرجعيات السلوك للفرد. وفي هذه الحالة فإن الأفراد المنتمين لكل مجتمع من تلك المجتمعات ينتقض الآخرين؛ بمعنى أنه من تتوافق مرجعيته القيمية مع وجود دولة دينية سوف يجد تدعيماً ممن هم يؤيدون مرجعيته نفسها، ولكنه سيواجه انتقاداً من هؤلاء الذين ينتمون إلى مرجعية اشتراكية أو ليبرالية. ناهيك عن حالة الفرد العادي البسيط الذي قد لا يهتم لمثل هذه الأيديولوجيات ولا يستطيع الاختيار أو التفرقة بينهم، في هذا الإطار توجد حالة من حالات "الأنومي"( ).

28

الخاتمة

يعد استخدام مفهوم الأنومي مدخلاً تحليلياً مفيداً لفهم العلاقة بين تغيرات البناء الاجتماعي والثقافة والسلوك المُنحرف، وقد كانت القضية المحورية والمُشتركة بين منظورات الأنومي المختلفة هي فرضية أن البشر كيانات معيارية (Normative Beings)، حيث يقوم الأفراد بالتصرف والتفاعل والتفكير وفقاً لمعايير مُحددة، بل ويرتبط بها الأفراد عاطفياً وتتشكل أخلاقهم وفقاً لها( .) ومما لا شك فيه أن المعايير الاجتماعية

29 تُعد أحد أهم وأقوى أدوات الضبط الاجتماعي، إذا أُصيبت بالخلل نتجت عنها سلوكيات غير مُتوافقة أو مُتجانسة مع تلك السائدة في المجتمع. ومن ثم تظهر السلوكيات غير المُتعارف عليها، والتي قد تؤدي إلى فوضى، ويحدث ذلك عندما تمر المجتمعات بتغيرات اجتماعية أو راديكالية كبيرة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.