توازن القوى:

استراتيجيات تحقيق التوازن ”الدولي والإقليمي“ في ظل الفوضى

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل -

تتميز نظرية توازن القوى، باعتبارها من روافد المدرسة الواقعية في علم العاقات الدولية بالاستمرارية والديمومة، إذ تبقى القوة والكفاح من أجلها والسعي إلى "توازنها" قانوناً أبدياً يسري على الدول والإمبراطوريات منذ القدم.

ولعل الأحداث الراهنة على الساحة الدولية ككل، وما يحدث من صراعات في أقاليم العالم المختلفة، مثل أوروبا وجنوب ووسط آسيا والشرق الأوسط، تشير جميعها إلى أن نظرية توزان القوة تبقى من الأطر النظرية المهمة في محاولة تفسير سلوك الدولة، سواء على المستوى الدولي أم على المستوى الإقليمي، بل إن منظري الواقعية عمدوا إلى تطوير نظرية توزان القوى لتتماشى مع بعض التطورات الدولية، خصوصاً ما يتعلق منها ببروز الأهمية المتزايدة للأقاليم والمناطق الجغرافية المختلفة، وبروز أدوار متعددة للفاعين من دون الدول على الساحة الدولية.

وفي هذا الإطار لا توجد نظرية واحدة ل "توازن القوى"، بل ثمة عدة نظريات، كما أن هناك أطراً تقليدية لمفهوم توازن القوى ذاته، في مقابل تطويرات أدخلها أصحاب نظريات توازن القوى لمجاراة الأحداث العالمية، وهو ما يحاول هذا المقال تناوله من خال إلقاء الضوء على نظرية توازن القوى في شكلها التقليدي، وأبرز التطورات التي طرأت عليها، وكذلك آليات إحداث توزان القوى، وأبرز الاستراتيجيات المطروحة لتحقيق توازن القوى على المستوى الدولي.

اأولاً: المنظور التقليدي ل »توازن القوى«:

يعتبر مفهوم القوة من المفاهيم المحورية في العاقات الدولية، وطالما شكّل تعريف القوة ذاتها إشكالية بين المنظرين، وهو ما يعود إلى ثاثة أسباب أساسية هي: تعدد الأبعاد الخاصة بمفهوم، سياسية واقتصادية وعسكرية وسياسية وتكنولوجية وثقافية...إلخ؛ واختاف المتخصصين ومدارس العاقات الدولية المتعددة حول معايير تصنيف وقياس القوة؛ والافتقاد لاختبارات واضحة تقيم القوة بصورة حقيقية حيث إنها قد لا تحدث إلا عند الصدام بين قوتين.

وإذا كان مفهوم القوة من التشعب والاختاف إلى هذا الحد الذي لم يصل إلى الاتفاق على تعريف محدد له، فإن الأمر ذاته، وبالتبعية، ينطبق على مفهوم "توازن القوة") )،

1 وذلك على الرغم من وجود اتفاق بين منظري العاقات الدولية على العناصر الأساسية المكونة لهذا المفهوم، حيث يرتبط توازن القوى بصورة أساسية بهيكل النظام الدولي أو الإقليمي، ويتعلق بوجود قدر من التقارب في القوة بين القوى الفاعلة في هذين النظامين، كما أن ثمة توافقاً على أن قياس التوازن غالباً ما يقاس من منظور القدرات العسكرية بشكل أساس) ،( من دون أن يمنع ذلك وجود مقاييس أخرى

2 إلى جانب القدرات العسكرية.

في هذا الإطار يعرف هانز مورجنثاو (.Hans J Morgenthau) مفهوم توازن القوى على أنه "ذلك الوضع الذي تكون فيه القوى موزعة بين عدة دول مع وجود قدر كبير من التقارب في القوة بين هذه الدول"، بينما تعرفه دينا زينيث (Dina Zinnes ) على أنه "توزيع معين من القوى بين الدول الكبرى في النظام، بحيث لا تمتلك دولة واحدة أو تحالف من الدول قدراً من القوة يفوق بدرجة كبيرة الدول الأخرى أو التحالفات المضادة) ).

3

ووفقاً لذلك تهدف نظرية "توازن القوى" إلى فهم وتفسير سلوك الدول وكيفية تشكيل التحالفات الإقليمية أو الدولية، نظراً لأن الدول تعلي من أهمية سيادتها واستقاليتها وتضعهما فوق أي اعتبار. بكلمات أخرى تتميز هذه النظرية بأنها ذات طبيعة هيكلية لأنها تربط بين سلوك الدولة وبين توزيع القوة بين الفاعلين الكبار في النظام الدولي، أي أنها معنية بتوزيع القوة داخل هيكل النظام الدولي وحتى الإقليمي.

وتنشأ حالة التوازن بصفة أساسية من حقيقة مفادها أن سعي أي دولة، لاسيما الدول الكبرى، إلى زيادة قوتها، سوف يهدد استقال باقي الدول، ويدفعها لإحداث توزان ما للقوى، إما من خال تشكيل تحالفات مضادة أو زيادة قدراتها العسكرية بشكل ذاتي. ونظراً لأن سياسة توازن القوى هي سياسة مكلفة للغاية، فإن الدول سوف تنخرط في مثل هذا السلوك فقط، إذا ما كان لديها إدراك بوجود تهديد كبير من جانب سلوك الدولة الساعية لزيادة قوتها، ويتراوح هذا التهديد في منعها من تحقيق أهدافها في حده الأدنى، أو تهديد بقاء الدولة ذاتها في حده الأقصى( ).

4 وترى المدرسة الواقعية الكاسيكية أن توازن القوى من أبرز العوامل التي تقود إلى حفظ الاستقرار في العاقات الدولية، لأنه إذا سعت جميع الدول لزيادة قوتها، فإن الاستقرار سوف يتحقق من خال نشوء توازن القوى بين الدول الكبرى المتصارعة، وذلك عندما لا تستطيع أي من القوى الكبرى شن الحرب على غيرها من الدول، نظراً لأن الدول الأخرى سوف تتحد ضدها( ).

5 وينطبق مفهوم توازن القوة بناء على ذلك على مل من الهيكل أو النظام الدولي وكذا الهيكل أو النظام الإقليمي، وذلك على النحو التالي: 1- توازن القوى على المستوى الدولي: وفقاً لمنظري توازن القوى، فإن تركز القوة في يد دولة واحدة، أو تحالف من الدول أمر غير مرغوب فيه، لأن تركز القوة سوف يجعل الدولة أو التحالف يتصرف بطريقة عدوانية. ولذلك فإن السام يتحقق عندما يحدث توازن في القوى بين القوى الكبرى في النظام الدولي، وبالتالي لا يكون هناك اختال كبير لصالح إحداها؛ الأمر الذي يحد من إمكانية شنّها للحروب على الدول الصغيرة والضعيفة، حيث يحدث التوازن (Equilibrium) عندما تتحالف الدول الضعيفة مع بعضها البعض أو / ومع خصوم القوى الكبرى المهيمنة، وذلك لتكوين حلف دفاعي، لأنه إذا لم تقم الدولة بذلك، فإنها سوف تفقد استقاليتها( ).

6 2- توازن القوى على المستوى الإقليمي: تتشابه تفاعات توازنات القوى على المستوى الإقليمي مع مثيلتها على مستوى النظام الدولي، فعندما تصل قوى إقليمية أو تحالف إقليمي لمستوى الهيمنة، فإن سلوكها يصبح عدوانياً تجاه الدول الإقليمية الأخرى؛ وهو ما يدفع الأخيرة لتكوين تحالف مضاد للدولة المهيمنة بمساعدة أو من دون مساعدة من قوى كبرى من خارج الإقليم، كما ياحظ أن الدول الإقليمية تتمتع باستقالية أقل من القوى الكبرى، وأحياناً تتخذ الأخيرة سياسات تؤدي للإخال بتوازن القوى الإقليمي( ).

7

ثانياً: نظرية توازن القوى والمتغيرات الجديدة

أدت العديد من التطورات على صعيد العاقات الدولية، لاسيما منذ انتهاء الحرب الباردة، إلى محاولة تطوير منظري المدرسة الواقعية لنظرية توازن القوى، وذلك مع انتهاء عصر التحالفات العالمية الكبرى الثابتة، وبروز دور أكبر للهياكل الإقليمية في توازنات القوى العالمية، وذلك كما يلي( ):

8 1- انتقال التركيز من "التوازن" إلى "عملية إحداث التوازن" (From Balance to Balancing ): فقد كان ينظر تقليدياً إلى توازن القوى على أنه عملية توزيع القوى بين فاعلين أو أكثر. وبدلاً من ذلك، يجب التركيز على العملية التي يتم بموجبها إحداث توازن القوى (Balancing of Power ) باعتبارها عملية ديناميكية تتسم بالمرونة والسيولة والاستمرارية؛ وبالتالي أصبحت العملية التفاعلية والتنافس الذي يتم بين القوى المختلفة للوصول إلى توزان القوى أمراً أكثر أهمية في دراسته عن الناتج النهائي لعملية التفاعل هذه.

وربما ما فرض هذا المنظور الديناميكي لتوازن القوى هو أن التوازن لم يعد يحدث فقط بين وحدات من الدول، بل ومن وحدات من دون الدول التي باتت تشكل جزءاً من نظام أكبر، حيث تقوم هذه الوحدات بتكوين عدد من التحالفات المتغيرة، والتي يحدث توازن فيما بينها حتى ولو كان مؤقتاً أو قصير الأجل أو لهدف خاص، فهو توازن مؤقت ويتغير باستمرار، خاصة أنه دائماً ما تقوم إحدى القوى بالسعي لتعزيز قوتها والتخلص من الوضع القائم حتى لو كان ذلك بالتعاون مع فاعلين من دون الدول، والذي ينظر إليه على

أنه مقيد لحركتها أو لا يمثل ميزة بالنسبة لها. 2- التركيز على آليات توازن القوى (Balancing )Mechanism بدلاً من قياس توازن القوى (Measuring Balance ): فنظراً لغياب صيغة متفق عليها لقياس القوة من خال معادلة كمية، فقد انتقل التركيز إلى الآليات التي يستخدمها الفاعلون الدوليون للوصول إلى مركز تنافسي مع القوى الأخرى، والطرق التي يتبعونها من أجل مواجهة القوى الأخرى، وتحجيم محاولاتهم لاكتساب النفوذ والقوة، وهو ما سوف تتم نقاشه في السطور القادمة. 3- التركيز على توازن القوى على المستوى الإقليمي: لم يعد ينصب اهتمام نظرية توازن القوى على الهيكل الدولي فقط، بل أضحى التوازن الإقليمي مهماً كذلك، وهو ما تشير إليه خبرة العقدين الأخيرين، إذ بدأت تبني القوى الكبرى تحالفاتها على أسس إقليمية، كما أن الدول الإقليمية المتنافسة باتت تبحث عن توازن قوي في إطار إقليمها أولاً، وليس وفق إطار دولي فقط. وربما في بعض الحالات، وكما يظهر في تفاعات منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، ياحظ أن القوى الإقليمية الفاعلة هي التي تشكل التفاعات الأساسية وتهيمن على الشؤون الإقليمية، لاسيما الصراع بين السعودية وحلفائها وإيران وحلفائها.

ثالثاً: اآليات توازن القوى:

تتمثل الأشكال الأساسية التي توظفها الدول، في ظل الطابع الفوضوي للسياسة الدولية، من أجل إحداث توازن القوى مع الدول الساعية للهيمنة على النظام، فيما يلي: 1- إحداث توازن القوى الصلب (Hard Balancing ): تتبناها الدول التي تدخل في عداء شديد مع غيرها، وذلك من خال انتهاج استراتيجية لبناء وتحديث قدراتها العسكرية، أو عبر شراء الأسلحة من مصدر موثوق فيه، بالإضافة إلى إقامة تحالفات رسمية وتحالفات مضادة لموازنة قدرات خصومها الرئيسيين. 2- إحداث توازن القوى الناعمة (Soft Balancing ): تتخذ هذه العملية أبعاداً متعددة، منها قيام الدول التي تسعى إلى إحداث التوازن بالتفاهم ضمنياً أو سراً مع دول أخرى من أجل تطوير تفاهمات محدودة من أجل مواجهة تهديد محتمل أو موازنة قوة أخرى صاعدة.

ومن ذلك أيضاً دخول بعض الدول في تفاعات تعاونية فيما بينها قد تتم عبر مؤسسات إقليمية ودولية) .( ولعل أحد

9 الأمثلة على "موازنة القوى الناعمة" هو استخدام الدبلوماسية والمؤسسات الدولية لتقييد التحركات الأمريكية، مثل قيام فرنسا وألمانيا وروسيا والصين بمحاولة منع الولايات المتحدة من احتال العراق من خال منع إصدار مجلس الأمن الدولي لقرار يسمح لها بذلك) ).

10 3- إحداث توازن القوى بين فاعلين غير متماثلين (:)Asymmetric balancing يشير ذلك إلى سعي الدول لموازنة واحتواء التهديدات غير المباشرة التي يفرضها الفاعلون من دون الدول مثل الجماعات الإرهابية التي لا تستطيع تحدي الدول القائمة باستخدام القوة العسكرية التقليدية أو استراتيجيتها. وبالعكس فهو يشير كذلك إلى جهود الفاعلين من دون الدول وداعميهم من الدول لإضعاف الدول القائمة باستخدام وسائل متعددة مثل الإرهاب والحرب الامتماثلة( ).

11 ويذهب أنطوني فينشي إلى القول إن الجماعات المسلحة تشكل جزءاً من الفاعلين في النظام الدولي، ويمكن دراستها من منظور "توازن القوى"، فهذه الجماعات ينطبق عليها شروط الواقعية الجديدة للفاعل الدولي، لأنها تمتلك نوعاً من السيادة على مجموعة من الأفراد، بل وأصبحت تفرض سيطرتها على بعض الأقاليم. كما أنها تسعى للسلطة والحفاظ على البقاء، وهي لا تختلف في ذلك عن الفاعلين من الدول، ولذا فهي تسعى أيضاً لاتباع أساليب "توازن القوى"، وذلك من خال السعي لبناء قوتها الذاتية، والدخول في تحالفات ما وأحياناً اللجوء لشن الحرب( ).

12

رابعاً: ا�ستراتيجيات توازن القوى على الم�ستوى الدولي

إذا كانت الآليات السابقة تتسم بأن كافة الدول قد تطبقها من أجل إحداث توازن للقوى في وقت محدد أو لمواجهة تهديد ما أو حتى لتحقيق أهدافها ومصالحها التي باتت تتميز بالتغير المستمر، فإن إحداث التوازن للنظام الدولي، بمعنى قيام بعض الدول بمحاولة تغيير شكل النظام من خال التوازن مع الدول أو الدول المهيمنة عليه، وكذلك محافظة الدولة القائد أو الدول العظمى على موقعها، لا يزالان يعتبران متغيرين ثابتين في دراسات نظرية توازن القوى، والتي فسرت في أدبياتها لماذا يتنقل النظام الدولي بين تعدد الأقطاب والثنائية القطبية والأحادية القطبية.

وهنا يمكن تناول اتجاهين جديدين برزا في أدبيات "توازن القوى"، يعتبران بمنزلة استراتيجيتين لكيفية قيام

الدول بمحاولة تغيير التوازن على المستوى الدولي، وهما: 1- استراتيجية "التحوط" للقضاء على الهيمنة: تقوم استراتيجية التحوط (Strategic Hedging ) على تبني القوى الثانية في النظام الدولي سياسة تعتمد على عدم المواجهة مع القوى الدولية المهيمنة على النظام على المدى القصير، ولكنها تعمل في الوقت ذاته على أن يتطور هيكل النظام الدولي في اتجاه التعددية القطبية، أي أنها تعمل في ظل القيود التي تفرضها القوى المهيمنة، ولكنها تتحوط وتتحسب لحالة الايقين المصاحب للتحولات الاستراتيجية الكبرى.

وعندما تحدث هذه التحولات، فإن القوى القائدة في النظام سوف تتآكل قوتها للدرجة التي تدفع القوى الثانية لاتباع استراتيجيات توازن القوى الصلب، وقد تتخلى بعض هذه القوى الثانية عن "استراتيجية التحوط" وتتحول إلى أسلوب موازنة القوى الصلب، سواء في شكله الداخلي أو الخارجي.

ولابد أن تتوفر أربعة شروط أساسية للقول إن دولة ما تتبع استراتيجية التحوط كطريقة لإحداث توازن قوى عالمي جديد، فإذا انتفى إحداها يعتبر سلوكها مجرد توازن قوى تقليدي أو احتكاك دبلوماسي عادي، وتتمثل هذه الشروط فيما يلي: 1- تحسين الدولة لقدراتها وقوتها بطريقة ملحوظة وكبيرة، وذلك تحسباً لدخولها في صراع مسلح مع الدولة القائدة/ أو الدول في النظام، أو السعي لدعم استقاليتها من خال التخلي عن المعونات التي تحصل عليها من الدولة القائد. 2- تجنب المواجهة المباشرة مع الدولة القائد في النظام، سواء كان ذلك من خال تشكيل تحالف عسكري موجه ضدها (توازن خارجي للقوى) أو القيام ببناء قدراتها العسكرية (توازن داخلي للقوى). 3- أن يكون هذا التوجه استراتيجياً للدولة، بمعنى أن تتبناه القيادة العليا للدولة، وترى فيه تحقيقاً لمصالح الأمن القومي للدولة، وقد تضعه في وثائق خاصة بأمنها القومي وسياستها الخارجية. 4- تخصيص الدولة موارد اقتصادية لزيادة قوتها من خلال دعم الإنفاق العسكري وصناعات الدفاع؛ وهو ما قد يترتب عليه، في حالة التخطيط غير السليم، تداعيات سلبية على اقتصاد الدولة أو دخولها في أزمات دبلوماسية حادة( ).

13 2- استراتيجية إحداث التوازن عن بعد: في مقابل استراتيجية التحوط، الرامية للقضاء على الهيمنة على النظام الدولي، طورت المدرسة الواقعية الجديدة مفهوم "عملية التوازن عن بعد" (Offshore Balancing )، والذي يعد بمنزلة استراتيجية مقابلة أو مضادة تعمل على صد محاولات إحداث تغيير النظام الدولي، أي بقاء الدولة القائد – أو الدول المهيمنة – هي الفاعل الأول في النظام الدولي. ووفقاً لأصحاب هذا الاتجاه، وهو اتجاه أمريكي بالأساس، تتمثل المصلحة الأمريكية في منع ظهور قوة مهيمنة في أقاليم العالم المختلفة مثل منطقة أوراسيا أو الشرق الأوسط، ولذلك فإنها تستخدم آليات لتوازن القوى من أجل منع ظهور قوة منافسة، وذلك من خال التحالف مع القوى الإقليمية الأساسية، وتحميلها تكلفة ومخاطر الدفاع عن نفسها( ).

14 ويعني ذلك أن على الولايات المتحدة إذا أرادت أن تحافظ على هيمنها أو قوتها في إقليم ما، فإنه يجب عليها أن تقوم بدور الموازن من الخارج في هذا الإقليم عندما تظهر قوة إقليمية كبرى تسعى للهيمنة في هذه الأقاليم( ).

15 وتتمثل ميزة هذه الاستراتيجية من وجهة نظر أصحابها في أن الدولة القائد تعتمد على القوى الإقليمية لاحتواء القوى الصاعدة؛ وأنه يمكنها مراقبة الصراع الدائر على المستوى الإقليمي بين القوى الإقليمية وتنتظر الفرصة المواتية للتدخل وتحديد من الطرف الذي ستدعمه، وأن ذلك يمنحها حرية حركة في الصراعات الإقليمية كونها لا تحتاج للتدخل المباشر بصورة عاجلة، وأنه يمكنها الحصول على أكبر قدر من التنازلات من حلفائها كثمن لتدخلها في الصراع لصالحها( ).

16 ويمكن القول إن أصحاب هذه الاستراتيجية ينطلقون من حقيقة أن أحد القوانين الثابتة في العاقات الدولية، هو أنه عندما تسود قوة عظمى وتهيمن على النظام الدولي، فإنه تنشأ تحالفات مضادة لها، مثل فرنسا تحت حكم نابليون، وألمانيا تحت حكم هتلر. وتدرك الولايات المتحدة هذه الحقيقة؛ فطبقاً لدراسات أجرتها وكالة الاستخبارات الأمريكية، سوف تنتهي الأحادية الأمريكية بحلول عام 2020، وذلك مع اقتراب قوى أخرى من قوة الولايات المتحدة، وبالتالي فإن (التوازن عن بعد) يعد أحد الأدوات التي يمكن من خالها للولايات المتحدة التحسب لعالم متعدد الأقطاب لأن البديل هو أن تخوض الولايات المتحدة حروب لانهائية، وهو أمر غير ممكن. كما أن هذا النوع من التوازن يخفف التكاليف والأعباء الأمنية على الولايات المتحدة ويلقيه على الدول الأخرى( ).

17 ويقدم جون ميرشايمر John) .J (Mearsheimer في كتابه "مأساة سياسات القوى الكبرى" (The Tragedy of Great Power Politics )، تصوراً مختلفاً لاستراتيجية التوازن عن بعد؛ إذ يرى أن القوى الكبرى تسعى دائماً للحصول على مزيد من القوة كلما كان ذلك ممكناً، حتى لو كانت على هرم النظام الدولي؛ وذلك لأن الطابع الفوضوي للنظام الدولي يولد تنافساً عسكرياً حاداً بين مختلف الدول، حتى ولو كانت راضية عن توزيع القوى في النظام الدولي، إذ يستحيل التيقن من نوايا الدول الأخرى، وهو ما يجعل الدول تتصرف بطريقة هجومية (Offensive)، والضامن الوحيد لذلك ولتحقيق أمنها هو الحصول على مزيد من القوة، ولو كان ذلك على حساب الدول الأخرى.

ولهذا يصف "ميرشايمر" السياسة الدولية بالمأساة، نظراً لأن حجم التنافس لا يمكن تهدئته بسبب الطابع الفوضوي

للنظام الدولي، بل ويرى أنه يستحيل أن تهيمن دولة على النظام الدولي، ولهذا فكافة الدول تسعى دائماً لزيادة القوة.

وحتى إذا ما سعت دولة إلى أن تكون المهيمنة إقليمياً، فإنها عندما تصل لهذا الوضع، فإنها تصبح دولة تسعى للحفاظ على الأمر الواقع؛ ما يتطلب منها زيادة قوتها من جانب، ومنع الدول المنافسة من محاولة الهيمنة في هذا الإقليم أو الوصول إلى ذات المكانة التي حققتها هذه القوة الإقليمية المهيمنة.

ولذلك فإذا شعرت الدولة المهيمنة إقليمياً أن هناك قوة كبرى أخرى تسعى للوصول إلى وضع الدولة المهيمنة إقليمياً في مجالها، فإنها تعمل على منع هذه القوة من خال انتهاج سياسة التداخل في إقليم آخر تهيمن عليه القوة المنافسة، ومثال ذلك أنه كي تمنع الولايات المتحدة روسيا أو الصين من منازعتها هيمنتها مثاً في أمريكا الاتينية، فإنها تنتهج سياسة منافسة الهيمنة الصينية في شرق آسيا والهيمنة الروسية في شرق أوروبا ووسط آسيا.

ووفقاً لميرشايمر، فإن المهيمن الإقليمي هو أمر نادر الحدوث، والدولة الوحيدة في العصر الحديث التي استطاعت الوصول إلى وضع الدولة المهيمنة إقليمياً هي الولايات المتحدة، وذلك منذ تدخلها في الحرب العالمية الأولى لمنع ألمانيا من الوصول إلى وضع القوى المهيمنة إقليمياً، وتدخلها في الحرب العالمية الثانية لمنع اليابان من أن تصبح قوة مهيمنة إقليمياً في شمال شرق آسيا، ومنع ألمانيا النازية من الهيمنة على أوروبا.

أيضاً قامت الولايات المتحدة في ظل الحرب الباردة بتقديم ضمانات أو مظات أمنية لحلفائها في أوروبا الغربية وآسيا لضمان عدم سيطرة الاتحاد السوفيتي عليها، وبالتالي لعبت الولايات المتحدة منذ قرون دور الموازن عن بعد أو إحداث عملية التوازن من الخارج (Offshore Balancer ) ).

( 18 أخيراً، يبقى القول إن نظرية توازن القوى، تبدو وكأنها قانون أزلي، لتفسير سلوك الفاعلين في النظام الدولي وسياسات الدول الخارجية واستراتيجياتها العسكرية، سواء كان ذلك من قبل قوى مهيمنة على النظام الدولي وتعمل على البقاء عليه كما هو، أو سواء كان ذلك من قبل دول تسعى لإحداث توزان من نوع مختلف، أو حتى كان ذلك من قبل فاعلين من غير الدول، حيث طورت هذه النظرية أطراً تتناول هذه الإشكالية النظرية الجديدة كما سبق لدى تناول آليات إحداث توازن القوى.

ومع ذلك، وبالنظر إلى تنوع واختاف أدوات ومقاييس القوة ذاتها، وبروز أشكال جديدة منها، لاسيما القوة السيبرانية، هذا عاوة على صعوبة رصد وتحليل التفاعات التي تحدث خال عملية إعادة توازان القوى، والتداخل الهائل بين ما هو دولي وما هو إقليمي، فإن نظرية توازن القوى، ربما لا يمكنها أن تقدم تفسيراً وافياً لكافة التغيرات الإقليمية والدولية، لكنها تبقى أحد أهم وأبرز النظريات التي تفسر سلوك الدولة الخارجي وتحالفاتها المتغيرة.

د. شادي عبدالوهاب

منسق برنامج تقدير الاتجاهات الأمنيةبمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.