:Containing Complexity

اتجاهات ”التعقيد“في صنع السياسة الخارجية

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل - محمد عبدالله يونس

تغيرت الخصائص الرئيسية للبيئة المحيطة بعملية صنع القرار باتجاه التعقيد والتداخل بين الأبعاد والمسارات، وتعدد الفاعلين، وتشابك أدوارهم، وتتابع التحولات غير المتوقعة، والافتقاد للثبات في التفاعلات الدولية، وهو ما يفرض على صانعي القرار تبني مداخل جديدة للتكيف مع التعقيد المتصاعد لسياقات صنع السياسة الخارجية.

اأولً: الأبعاد النظرية لظاهرة التعقيد

يرجع توظيف "نظرية التعقيد" إلى البحوث التطبيقية في علم الفيزياء حينما استخلص موراي جيل مان (-Murray Gell Mann) من تطبيقات فيزياء الجزيئات أن الكون يمثل نظاماً معقداً ومتداخل الأبعاد، حيث تأثر "مان" برؤى "إدوارد لورنز" (Edward Lorenz ) حول نظرية الفوضى، ثم جاء بعد ذلك تطبيقات متعددة من بينها دراسات فريدريك هايك (Friedrich Hayek ) حول الظواهر المعقدة والترابط بين الاقتصاد وعلم النفس، وتطبيقات أخرى في مجالات علم الاجتماع والانثروبولوجي وعلم النفس والعلاقات الدولية) ،( واتفقت أغلب

1 الدراسات سالفة الذكر على اشتراك الظواهر والسياقات المعقدة في عدة أبعاد رئيسية، يتمثل أهمها فيما يلي:

1- تعدد العناصر: تتسم الظواهر المعقدة بتعدد عناصرها ومكوناتها بصورة غير قابلة للاستيعاب في ظل تداخل هذه العناصر واختلاطها عضوياً وعدم إمكانية إخضاعها للفصل التحكمى لدراستها، كما تتصف النظم المعقدة بأنها تتكون من نظم فرعية مترابطة في إطار شبكات معقدة من التفاعلات. 2- التداخل الزمني: تتمثل أهم خصائص الظواهر المعقدة بكونها تتجاوز التصنيفات الزمنية التقليدية، حيث يتكامل الماضي والحاضر ليحددان مسار تطور النظم الفرعية المكونة للنظام المعقد، وعادة ما تتطور هذه النظم الفرعية بصورة ذاتية متناغمة مع تطور النظام المعقد ككل.

3- انتفاء السببية: تتسم الظواهر البسيطة بوجود علاقات سببية واضحة تحدد ما هو السبب الرئيسي لتبلور الظاهرة، في المقابل فإن الظواهر المعقدة تتسم بعدم وجود علاقات خطية واضحة بين الأسباب والنتائج في ظل انتشار التفاعلات غير الخطية (Non Linear ) بين الفاعلين، وفي هذا الصدد يطرح عدد من المتخصصين نموذج أثر الفراشة (Butterfly Effect ) لتحليل التفاعلات غير الخطية، ووفق هذا النموذج فإن حدثاً محدوداً في بقعة بعيدة في العالم قد يؤدي لتفجير موجات التغيير المتتابع في مناطق أخرى بعيدة جغرافياً( ).

2

4- عدم التوقع: تتسم الظواهر المعقدة بأنها لا يمكن توقعها في ظل حالة السيولة وانعدام اليقين والغموض التي تحيط ببداية الظاهرة، خاصةً أنها عادة ما تقع في فئة القضايا غير المعروفة وغير المتوقعة(Unknown Unknowns )، وهو ما يزيد من تعقيدات تعامل صانعي القرار مع هذه الظواهر.

5- الانفتاح على البيئة: على نقيض النظم والظواهر البسيطة التي تتسم بالانعزال عن البيئة المحيطة والثبات، فإن النظم المعقدة والظواهر المعقدة تتسم بالانفتاح على البيئة المحيطة وعدم وجود حواجز أو حدود فاصلة بينهما مما يؤدي لتدفق المُدخلات بصورة

ضخمة إلى داخل النظام والنظم الفرعية داخله مما يسهم في تقوية شبكات التفاعلات بين النظم الفرعية.

6- التغير المتواصل: تتسم الظواهر المعقدة بالديناميكية والتغير المتواصل (Constant Flux ) نتيجة لتعدد العوامل والأبعاد المكونة للظاهرة وتفاعلها في إطار شبكات متداخلة وعلاقات غير خطية والانفتاح الدائم على البيئة المحيطة، وهو ما يزيد من صعوبة مهام التوقع والتنبؤ بتطور الظواهر وتداعياتها المستقبلية( ).

ثانياً: �سعود التعقيد في بيئة �سنع ال�سيا�سة الخارجية

أضحت بيئة صنع السياسة الخارجية تتسم بالتغير المتواصل في خرائط توزيع القوة وطبيعة الفاعلين الدوليين وأنماط التفاعلات البينية ومنظومة المؤسسات والقواعد والقيم الحاكمة لهذه التفاعلات، وهو ما أدى لمضاعفة تحديات عملية صنع القرار التي بات عليها مواجهة بيئة معقدة تتسم بالخصائص التالية:

1- اندثار الحدود: تماهت الحدود الفاصلة بين النطاقات المختلفة لعملية صنع القرار وتداخلت البيئتان الداخلية والخارجية لعملية صنع القرار فيما يمكن أن يُعرف بالتفاعلات البينية (Intermistic)، وهو ما يرجع إلى تصاعد تأثير الفاعلين من غير الدول في التفاعلات الدولية وكثافة مستويات الاعتماد المتبادل المعقد (Complex Interdependence )، والذي أدى لتعزيز معادلات الانكشاف المتبادل (Mutual Vulnerability ) بين الفاعلين الدوليين، ومن ثم أضحت الأحداث الداخلية في بعض الدول تتسبب في موجات عاتية من التحولات على المستويات الإقليمية والدولية على غرار الثورات العربية والأزمات المالية العالمية وتأثيرات تباطؤ الاقتصاد العالمي على الاستقرار الداخلي للدول( ).

2- الاندماج المتصاعد: تصاعدت حدة الجدل حول تأثير اتجاهات الاندماج العالمي وتآكل الحدود والحواجز بين الشعوب مما أفرز طفرة غير مسبوقة في كثافة ووتيرة تدفق السلع والخدمات والبشر والأفكار على المستوى العالمي، بغض النظر عن الحدود الفاصلة بين الدول، وهو ما يرتبط بثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات واتساع نطاق المساحات الافتراضية( ).

وكشف تقرير صادر عن مفوضية التنمية الرقمية التابعة للأمم المتحدة عام 2014 أن حوالي 2.4 مليار شخص من سكان العالم يستخدمون الإنترنت وهو العدد الذي يرجح أن يصل إلى حوالي 7.6 مليار شخص بحلول عام 2017، كما أكدت الإحصائيات وجود ما لا يقل عن 1.85 مليار مستخدم لشبكات التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت، أما عدد مستخدمي الهاتف المحمول في الاتصالات فقد وصل إلى حوالي 6.5 مليار مشترك على مستوى العالم بما يعادل 93% من عدد السكان عالمياً( ).

وفي ظل هذه البيئة المعقدة تتضاءل قدرة صانعي القرار على التحكم في تدفقات المعلومات ومدخلات عملية صنع القرار، ومسارات التغذية العكسية، فضلاً عن تآكل قدرتهم على تشكيل توجهات وتفضيلات الرأي العام، كما تتزايد الضغوط على عملية صنع القرار من جماعات متعددة ذات امتدادات عابرة للحدود لتحقيق مصالحها.

3- عدم التوقع: أضحت بيئة صنع القرار تتسم بتتابع التغيرات الفجائية في ظل سيادة حالة من عدم اليقين وتراجع قدرة الفاعلين الدوليين على توقع التحولات، وهو ما وصف في بعض الأدبيات بكونه امتداداً لعصر "اللا مُتخيل"(The age of the unthinkable )، وفي هذا السياق باتت أغلب دول العالم معرضه في أي وقت لمواجهة أحداث مفاجئة، مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2011 في الولايات المتحدة، أو هجوم عسكري مفاجئ من دولة معادية أو انهيار الأسواق العالمية وصعود وهبوط غير متوقع لأسعار سلع استراتيجية، ناهيك عن تداعيات الكوارث الطبيعية أو تسرب إشعاعي واسع النطاق.

وقد تؤدي التغيرات الفجائية لإصابة مؤسسات الدولة بالعجز المؤسسي والوظيفي في مواجهة البيئة الخارجية، خاصةً إذا كانت التغيرات الفجائية مصحوبة بخسائر فادحة في الأرواح وتكلفة مادية ضخمة وانهيار للبنية التحتية وتصدع لمؤسسات الدولة، أو احتجاجات حاشدة من المواطنين وحالات الفوضى الأمنية وعدم الاستقرار السياسي الممتدة، مما يضيف مزيداً من الأعباء على صانعي السياسة الخارجية للتكيف مع حالات التغيرات الفجائية( ).

4- صعود الشبكات: يؤكد نيل هاريسون في كتابه المعنون "التعقيد في السياسات العالمية" أن وحدات التحليل الرئيسية في حقل العلاقات الدولية قد تتعرض لتغيرات جذرية بصعود "الشبكات" كبديل للفاعلين الدوليين، ويرجع ذلك للترابط المعقد بين الفاعلين الدوليين والتحالفات العابرة للحدود بينهم مما عزز اتجاههم لاختراق الدول والضغط على الحكومات من الداخل في إطار سياسات الترابط (Linkage Politics ) ).

ومن ثم باتت الدول تواجه تأثيرات عابرة للحدود من فاعلين متعددين، مثل الفاعلين الدعويين (Proselytizers) الذين يسعون للدفاع عن قضايا عالمية، مثل حركات نزع التسلح وجماعات الخضر والمنظمات الحقوقية الدولية والمجتمعات

تتطلب المواقف الفجائية من صانع القرار ترقب اكتمال المعطيات الواقعية والتطور الكامل لأبعاد الموقف (Emergence)، حيث يُعد الموقف الفجائي مجرد "قمة جبل الجليد" الذي ستتبعه تحولات أخرى لا يمكن لعملية صنع القرار أن تغفلها وإلا ستنتج عنها قرارات غر مناسبة، ومن ثم يجب على صانعي القرار تجنب نهج ردود الأفعال العشوائية السريعة والاكتفاء بالمعالجات الموقفية المحدودة حتى اكتمال الموقف لطرح سياسة متكاملة الأبعاد.

المعرفية (Epistemic communities ) وتتضمن الشبكات الإعلامية المختلفة ووكالات الأنباء العالمية وشبكات الخبراء والمراكز البحثية، ويضاف لذلك فاعلون من فئات متعددة، مثل الشركات دولية النشاط وعصابات الجريمة المنظمة والميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية( ).

9

وفي السياق ذاته تصاعد التأثير السياسي للأفراد، خاصةً من يمتلكون مقومات مالية أو إعلامية أو فكرية أو عقائدية تكفل لهم التأثير في مسار التفاعلات الداخلية والإقليمية في ظل تصاعد اتجاهات التشبيك والتواصل العابر للحدود اعتماداً على التحولات التكنولوجية وتبلور شبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما يؤدي إجمالاً لزيادة الضغوط البيئية التي يتعرض لها صانع القرار.

ثالثاً: اآليات احتواء التعقيد في �سنع ال�سيا�سة الخارجية

أدت التحولات الضاغطة في بيئة صنع القرار لطرح عدد كبير من المتخصصين مداخل متعددة للتكيف مع التعقيد والتحولات الفجائية وتداخل الأبعاد وأدوار الفاعلين، وتمثلت أهم هذه الآليات إجمالاً في الآتي:

1- الترقب الحذر: يؤكد كل من ديفيد سنودن وماري بون في

دراستهما المنشورة في دورية "هارفارد بيزنيس ريفيو" بعنوان "إطار القيادة لصنع القرار"، أن المواقف الفجائية تتطلب من صانع القرار ترقب اكتمال المعطيات الواقعية والتطور الكامل لأبعاد الموقف (Emergence)، حيث يُعد الموقف الفجائي مجرد "قمة جبل الجليد" الذي ستتبعه تحولات أخرى لا يمكن لعملية صنع القرار أن تغفلها وإلا ستنتج عنها قرارات غير مناسبة، ومن ثم يجب على صانع القرار تجنب نهج ردود الأفعال العشوائية السريعة والاكتفاء بالمعالجات الموقفية المحدودة حتى اكتمال الموقف لطرح سياسة متكاملة الأبعاد( ).

10

2- تهيئة السياق: ينبغي على صانعي القرار أن يركزوا على تهيئة السياقات المواتية لظهور تغيرات إيجابية عقب حدوث التغيرات المفاجئة، ويشير بعض المتخصصين إلى هذه الآلية باعتبارها "تحفيزاً لعوامل الجذب" (Stimulating )Attractors والتي تستهدف استعادة القوة الدافعة (Momentum) وتوجيهها للتكيف مع التحولات المفاجئة مما يؤدي لاحتواء تداعياتها.

وقد يكون من الملائم أن يركز صانع القرار على استغلال الفرص التي تنبع من قلب الأزمة، مثل تعزيز التضامن المجتمعي الذي ينشأ عقب تعرض الدولة لهجوم إرهابي، أو استغلال الأزمات الاقتصادية لتمرير خطة شاملة للإصلاح الاقتصادي( ).

11

3- توسيع النطاق: قد يكون من الملائم في مواجهة المواقف المعقدة أن يقوم القائد السياسي بتوسيع نطاق الجماعات المنخرطة في عملية صنع القرار وتشجيع المناقشات الجماعية والاتصال الفعال بين مختلف أرباب المصالح وذوي الاهتمام بالقضية لاستيعاب الضغوط المتعارضة وخفض حدة الانتقادات المجتمعية، ومن الضروري أن تتسم عملية صنع القرار بأقصى قدر من إتاحة المعلومات والتصدي لنشر الشائعات.

4- تشجيع الاختلاف: من الضروري أن يدعم صانعو القرار المركزيون الاختلاف في الآراء والتنوع في التوجهات لأن الطابع غير التقليدي للمواقف المعقدة يتطلب قدراً كبيراً من الابتكار والخروج عن المألوف في طرح بدائل استثنائية غير متوقعة وخارج نطاق المألوف والمتعارف عليه، ومن الضروري أن يتم التصدي لأنماط التوحد في تفكير الجماعة (Group Think ) من خلال تغيير المشاركين وتبديل أدوارهم وطرح معطيات جديدة عن الموقف.

من الضروري أن يدعم صانعو القرار المركزيون الاختاف في الآراء والتنوع في التوجهات لأن الطابع غر التقليدي للمواقف المعقدة يتطلب قدراً كبراً من الابتكار والخروج عن المألوف في طرح بدائل استثنائية غر متوقعة وخارج نطاق المألوف والمتعارف عليه، ومن الضروري أن يتم التصدي لأنماط التوحد في تفكر الجماعة من خال تغير المشاركين وتبديل أدوارهم وطرح معطيات جديدة عن الموقف.

5- السيناريوهات المستبعدة: من الضروري أن يركز صانعو القرار في مواجهة مختلف المواقف على طرح السيناريوهات المستبعدة (Black Swans ) ومناقشتها بجدية وإعداد خيارات واقعية ذات فاعلية لمواجهتها في حال حدوثها وقد تستعين بعض المؤسسات ببعض الأفراد لأداء دور "محامي الشيطان" )Devil's (Advocate بحيث تكون وظيفتهم طرح ما هو مستبعد وغير متخيل على صانعي القرار وبناء سيناريوهات لمواجهة هذه المواقف( ).

12

أخيراً على الرغم من صعوبة التحكم في التحولات المتتابعة النابعة من البيئة المعقدة التي تحيط بعملية صنع القرار، فإن التكيف واحتواء هذه التغيرات الفجائية قد يكون المدخل الأكثر فاعلية من خلال رصد الاتجاهات المنتظمة في هذه التغيرات وتهيئة السياقات المواتية للتدخل الفعال ومواجهة هذه التغيرات والسعي للإفادة من بعض تداعياتها الإيجابية والحد من تداعياتها السلبية والارتداد للحالة الطبيعية في مدى زمني قصير.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.