Leadership

تحولات القيادة في عالم متغير

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل -

على نقيض الأدبيات التقليدية في حقل إدارة الأعمال حول تراجع أدوار القيادة في المؤسسات والاتجاه نحو اللامركزية وتفويض السلطات وتصاعد أنماط المؤسسات الشبكية، تصاعدت أدوار القيادات بصورة غير مسبوقة في كافة المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والخاصة، في ظل اتجاهات التغير المتواصل ‪Ceaseless Change(‬ ) والتنافسية )Competitiveness( والتعقيد Complexity() وعدم اليقين حول المستقبل وهو ما أدى لصعود جيل جديد من القيادات يعتمد على الابتكار والتطوير وإعادة هندسة المؤسسات وتفكيك البيروقراطية والإنجاز والربحية.

وفي هذا الإطار تصاعد دور القيادة في إدارة التغيير والابتكار في المؤسسات لتتواءم مع حتميات واقع جديد تغلب عليه التغيرات الفجائية الخاطفة في السياقات المحيطة، وتحولات تفضيلات العملاء، وضغوط التنافسية الشرسة، والأزمات المالية والاقتصادية المتتابعة، وهو ما يؤدي لاختلال قدرة المؤسسات على استيعاب التحولات، وتحليلها وصياغة البدائل وحسابات التكلفة والعائد وتنفيذ المهام.

وتقوم القيادة في هذا الصدد بتفكيك الهياكل التقليدية، وطرح رؤى واستراتيجيات جديدة تستهدف تحفيز وإلهام وإجبار المنتمين للمؤسسة على الإبداع والابتكار والمبادرة والعمل بأقصى طاقة لتنفيذ الغايات التي يضعها القائد، وعلى نقيض النماذج التقليدية لأدوار القيادة التي تركز على سلطات وصلاحيات القيادة في إصدار الأوامر، والتي تضع القائد في قمة الهرم المؤسسي، تتبني مدارس إدارة الأعمال الجديدة رؤى متعددة حول القيادة الشاملة ‪Comprehensive Leadership(‬ ) التي تجعل موقع القائد في قلب المؤسسة ليشارك بقوة في كافة مراحل دورة العمل، بداية من طرح الأفكار والمبادرات، مروراً بالتنفيذ والإنتاج، وانتهاء بالترويج والتسويق وتقييم رضا العملاء عن المؤسسة.

وفي هذا الإطار يقدم رايان هوليداي ‪Ryan Holiday(‬ ) في كتابه "العقبة هي الطريق" ‪The Obstacle Is the Way(‬ ) نماذج متعددة للقيادات الابتكارية في شركات التكنولوجيا التي غيرت من الفهم التقليدي لمهام القيادة وخصائص القائد، وهو ما يرتبط بأدبيات متعددة حول "نموذج وادي السيلكون" في القيادة وإدارة الأعمال، وما يتسم به من جدية شديدة وصرامة بالغة في التخلص من كل ما هو "تقليدي ومعتاد وممكن"، بحثاً عن "غير التقليدي وغير المعتاد وغير الممكن"، وفي هذا الصدد تتمثل أهم دلالات هذه التحولات فيما يلي:

1- سقوط نماذج الإدارة التقليدية: لم تعد النماذج الهيراركية والمركزية في الإدارة وممارسات التدرج الوظيفي وسلسلة الأوامر قادرة على التواكب مع التحولات العالمية التي فرضت تهديدات بقاء على المؤسسات، في المقابل تصاعدت نماذج الشبكات وفرق العمل المرنة والقيادة الجماعية واللامركزية التي تتيح فرصاً أكبر للابتكار والإبداع والمبادرة الفردية والتواصل بين العاملين، كما أن تصميم الشركات ومناطق العمل في المؤسسات بات يركز على تطبيق فلسفة دمج القيادة داخل المؤسسة من خلال الاستغناء عن المكاتب المغلقة وتصميم مساحات عمل مفتوحة ومرنة تسمح بالتواصل المستمر والمرونة في تكوين فرق العمل دون التقيد بالاعتبارات الإدارية التقليدية.

2- تداخل نطاقات التأثير: أثبتت نماذج "وادي السيلكون" في الإدارة سقوط الحواجز المفترضة بين الأقسام المتعددة داخل المؤسسة وبين المؤسسة والبيئة الخارجية، بحيث باتت المؤسسات بمنزلة نطاقات مفتوحة للتأثيرات المتبادلة، سواء بين الإدارات والأقسام داخل المؤسسة أو بين المؤسسة والمؤسسات الأخرى والبيئة المحيطة والمجتمع، وهو ما يرتبط بالتدفقات المعلوماتية غير المسبوقة والتطورات التكنولوجية وصعود التواصل والمساحات الافتراضية، وعلى الرغم من التهديدات التي قد ينطوي عليها هذا الانكشاف غير المعهود لدى المؤسسات التقليدية، فإنه يتضمن فرصاً متعددة للتواصل متعدد المستويات وإيجاد موارد من مصادر غير تقليدية وتحقيق الصدارة العالمية والمنافسة في عالم مفتوح بدون حواجز.

3- انتشار ثقافة التغيير: تمكنت شركات التكنولوجيا من صياغة ثقافة تنظيمية جديدة تقوم على الجرأة والمخاطرة في طرح التغيير

باعتباره فرصة ينبغي الاستفادة منها بدلاً من اعتبارها تهديداً للأوضاع المؤسسية السائدة، وتركز هذه الثقافة على عدة قيم، يتمثل أهمها في التنافس الشرس والإنجاز والتطوير المستمر والسرعة في الأداء والجدية في العمل بأقصى طاقة، وقبول المخاطرة، والمبادرات المتواصلة، وتقبل الضغوط المتزايدة، واعتبارها الوضع الطبيعي الذي يجب التعايش معه داخل المؤسسة، بالإضافة إلى التعلم المستمرين، والتدريب المتواصل، والاستثمار في الذات، وتقبل قواعد سرعة التعيين والاستغناء عن العاملين Fire( & Hire) في حال تعثرهم في تنفيذ المهام في التوقيت المحدد بالجودة المطلوبة. 4- صعود القيادات الذاتية: على نقيض أدبيات الإدارة التقليدية التي تتسم باليوتوبيا في تناول الخصائص الشخصية للقيادات الناجحة، والمبالغة في تقدير صفات شخصية مثالية، فإن نماذج شركات التكنولوجيا قد كشفت عن أن الجيل الجديد من القيادات تمكن من التعايش مع الخصائص الشخصية غير المثالية، حيث رصدت أدبيات إدارة الأعمال أن القيادات النرجسية الذاتية تحقق نجاحاً أكبر من غيرها بسبب تركيزها على الإنجاز وتحقيق الذات وتحقيق النجاح بأي تكلفة، كما تتمكن بعض القيادات العدوانية من تحقيق الصدارة في مؤسسات التكنولوجيا بسبب تمتعهم بقدرة غير محدودة من المخاطرة لتحقيق مكاسب قياسية في ظل التمتع بثقة مطلقة في الذات وقابلية استثنائية للتعايش مع الضغوط والتعامل مع التهديدات. 5- التركيز على العوائد المعنوية: لم تعد المؤسسات الحديثة تركز على مكافأة إجادة الأفراد من خلال المحفزات المادية والوظيفية فقط، وإنما باتت تبني نهجاً أشمل في دعم المنتمين إليها بالتركيز على العوائد المعنوية التي تشمل فرصاً أكبر لتحقيق الذات والاعتراف بالمكانة المتميزة لبعض العاملين وإسهامهم في نجاح المؤسسة ونقل المتميزين لإدارات تسمح بقدر أكبر من الإبداع والابتكار والتعلم الذاتي وتراكم الخبرات، بالإضافة إلى استقطاب بعض المتميزين إلى الدوائر القريبة من القيادة ومنح بعضهم فرصاً للمشاركة في مجالس إدارة المؤسسة للإفادة من خبراتهم ومنع انتقالهم لمؤسسات منافسة، وفي هذا الصدد تركز مؤسسات التكنولوجيا على حماية استثمارها في قدرات المتميزين من خلال الحرص على بقائهم داخل المؤسسة لأطول فترة ممكنة ومنع انتقالهم للمنافسين بكافة الوسائل الممكنة.

وفي هذا الإطار يتناول ملحق مفاهيم المستقبل لهذا العدد تحولات مفهوم القيادة في عالم متغير من خلال تحليل مبادئ مدرسة "وادي السيلكون" وشركات التكنولوجيا في القيادة والتحولات في خصائص ومهارات القيادات الصاعدة والمداخل التي تتبناها القيادات لمواجهة المشكلات المعقدة وآليات مواجهة

عوائق فاعلية القيادة في مراحل التغيير.

ففي صدارة العدد تتناول الأستاذة كارن أبو الخير المديرة التنفيذية ومستشارة العلاقات الدولية بالمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، نموذج "وادي السيلكون" في قيادة التغيير والابتكار والمبادئ والقيم التي ينطوي عليها هذا النموذج والأدوار الجديدة لقيادات الابتكار والتطوير في شركات التكنولوجيا، التي تمكنت من تحقيق الصدارة العالمية ومعدلات ربحية غير مسبوقة، على الرغم من التنافسية غير المحدودة في هذا القطاع.

وركز أحمد زكريا الباسوسي الباحث بالمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة على تحولات خصائص وأنماط القيادة في المؤسسات المختلفة وصعود نماذج غير تقليدية للقيادة، مثل القيادة الجماعية، وقيادة المخاطر، والقيادة بالمشاركة، وقيادة الأداء وصناعة النماذج، وغيرها من نماذج القيادات التي تمكنت من التكيف مع التحولات الواقعية المعقدة، كما ركزت الورقة على المقارنة بين قيادات مراحل التغيير الضاغطة، مثل القيادات الكاريزمية والتحويلية والتفاعلية، وقيادة المستوى الخامس.

أما د. رانيا علاء السباعي مدرس العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، فقد ركزت على تتبع الجدل النظري حول تأثير القيادات في مراحل التغيير وكيف يمكن للقيادات مواجهة المشكلات المعقدة من خلال المداخل والأدوات غير التقليدية، كما ركزت الورقة على قيادة التكيف Adaptive( Leadership) باعتبارها من أهم آليات التصدي للتحولات الفجائية غير المتوقعة واحتواء تداعياتها من خلال التطوير المتواصل والابتكار والتصحيح الذاتي واكتساب الخبرات من خلال الممارسة.

وأخيراً، يتناول موضوع سماح عبدالصبور، مدرس العلوم السياسية المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، آليات مواجهة معوِّقات فاعلية القيادة، والتي يتمثل أهمها في احتواء التفاعلات الشبكية المعقدة والمتداخلة وتصاعد ضغوط المساءلة المجتمعية لنشاط المؤسسات في القطاعات المختلفة والتغير المستمر لمعايير المنافسة العالمية واتجاهات مقاومة التغيير داخل المؤسسات ومراكز القوى المؤسسية التقليدية، وتزايد المعوقات الإدراكية التي تعترض قدرة القيادة على قراءة الواقع، كما تقدم الورقة تحليلاً لكيفية قيام القيادة بمهام إدارة التغيير في بيئة ضاغطة وغير مواتية.

المحرر

تمكنت شركات التكنولوجيا من صياغة ثقافة تنظيمية جديدة تقوم على الجرأة والمخاطرة في طرح التغيير باعتباره فرصة ينبغي الاستفادة منها بدلاً من اعتبارها تهديد للأوضاع المؤسسية السائدة، وتركز هذه الثقافة على عدة قيم يتمثل أهمها في التنافس الشرس والانجاز والتطوير المستمر والسرعة في الأداء والجدية في العمل بأقصى طاقة وقبول المخاطرة والمبادرات المتواصلة وتقبل الضغوط المتزايدة واعتبارها الوضع الطبيعي بالإضافة إلى التعلم المستمر والتدريب المتواصل والاستثمار في الذات.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.