الدبلوماسية السرية:

قنوات خلفية للتواصل ”غير المعلن“وإبرام صفقات دولية

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل -

كانت الدبلوماسية السرية هي النمط الأساسي السائد في العلاقات الدولية، وبصورة أساسية بين القوى الأوروبية الكبرى، طوال الفترة الممتدة من القرن الخامس عشر الميلادي حتى الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من التداعيات السلبية التي خلفها هذا النمط، وتحميلها مسؤولية اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، فإن هذا النمط لم ينته من العلاقات الدولية، وهو ما يتضح من اعتماد إدارة أوباما عليه بصورة مكثفة، سواء في التوصل لاتفاق البرنامج النووي مع إيران في 2015 أو لتطبيع العلاقات الأمريكية – الكولومبية في 2016.

وقد كان من العوامل التي ساعدت على انتشار هذا النمط قديماً بطء نقل المعلومات ونشرها، وفقاً لدرجة التطور التكنولوجي المتاحة وقتها، كما كان المنطق السائد أن العمل الدبلوماسي يرتبط بشكل أساسي بالتعبير عن المصالح الوطنية للدولة وحمياتها، ومن ثم فإنه من الأفضل أن تظل الأنشطة والاتصالات الدبلوماسية تتسم بالسرية، فضلاً عن النظرة السائدة حينها عن العلاقات الدبلوماسية باعتبارها من الملفات التي لا يمكن للمواطن العادي فهمها، بل إن انخراط الرأي العام فيها قد يخلق مشكلات وتوترات، ولذلك كانت الدبلوماسية مجالاً محجوزاً للحكومات والنخب.

وقد انعكس ذلك على الاتفاقات والمعاهدات والتي كانت تُبرم بين الدول الكبرى في ذلك الوقت من دون الإعلان عنها، واستمر ذلك الوضع حتى الحرب العالمية الثانية، والتي مثلت نقطة تحول فارقة، حيث تم النظر إلى الدبلوماسية السرية باعتبارها أحد مسببات الحرب العالمية الأولى والثانية، خاصة مع الخسائر الفادحة، المادية والبشرية، التي صاحبتهما. ومن ثم ازداد الحديث عن ضرورة التزام الطابع العلني في العلاقات الدولية، خاصة فيما يتعلق بإبرام الاتفاقيات، وضمان رقابة الرأي العام والمؤسسات المختلفة تجنباً لتكرار ويلات الحروب التي شهدها العالم.

وعلى الرغم من أن مفهوم الدبلوماسية السرية ليس بجديد، فإن الجدل حوله مازال مستمراً مع وجود حجج تدعمه وأخرى تنقده، وفي هذا السياق سيتم تناول المفهوم واستعراض الإشكاليات المختلفة المرتبطة به.

اأولً: الدبلوما�سية ال�سرية.. التعريف والأنماط

يمكن تعريف "الدبلوماسية السرية" باعتبارها "الحرص على استبعاد الرأي العام والإعلام وعدم إطلاعهم على الاتصالات أو المفاوضات التي تقوم بها الدولة مع الفاعلين الخارجيين". وتميز بعض التحليلات بين نمطين أساسيين من السرية في العلاقات الدبلوماسية وهي:

1- الدبلوماسية السرية الاستراتيجية ‪strategic secrecy(‬ :) وهي التي كانت سائدة إبان فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها وحتى الحرب العالمية الثانية، وكانت تمتد لتشمل كافة الاتصالات التي تتم بين الدول والمفاوضات التي تدور بينها، وكذلك عقد الاتفاقيات والمعاهدات، حيث ظلت تلك الأمور يحيطها سياج من السرية. ومن أبرز الأمثلة عليها، التحالفات السرية بين القوى الكبرى الأوروبية قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها، مثل المكاسب الإقليمية التي كانت ستحصل عليها كل من إيطاليا ورومانيا من بريطانيا، نظير مشاركتها في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء، وكذلك روسيا من أجل استمرار مشاركتها في الحرب) .)

1

وقد استمر الاعتماد على هذا الأسلوب، حتى الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية، فقد قامت بريطانيا بتوقيع اتفاق سري مع إيطاليا في ديسمبر 1935، تم بمقتضاه تقسيم إثيوبيا، وإعطاء روما الحق في السيطرة الإدارية والاقتصادية على جنوب إثيوبيا. وقد هدفت بريطانيا من هذا الاتفاق إلى استرضاء إيطاليا، ومنع أي تحالف محتمل بين إيطاليا وألمانيا) .)

2 2- الدبلوماسية السرية الإجرائية ‪Operational Secrecy(‬ :) أي تلك التي تقتصر على عملية المفاوضات أو الاتصالات نفسها بين الدول أو الفاعلين الدوليين المختلفين من دون أن تمتد السرية إلى المخرج النهائي والناتج من عملية المفاوضات) (. وتندرج

3 في هذا الإطار مفاوضات البرنامج النووي الإيراني، والتي تم إجراؤها في البداية بوساطة عمانية سرية بدأت منذ يوليو 2012، حتى تم التوصل إلى اتفاق "خطة العمل الشاملة المشتركة"، أو ما يعرف باسم صفقة البرنامج النووي الإيراني في 14 يوليو ‪.) 2015‬

4( ويرى البعض أن بروز الولايات المتحدة كقوى عظمى بعد الحرب العالمية الأولى ساهم في إضعاف الاعتماد على الدبلوماسية السرية، على ضوء التشكك الأمريكي في مخاطر الاعتماد على الآليات الدبلوماسية نفسها التي طالما اعتمدت عليها الدول الأوروبية، وأدت إلى اندلاع حروب متتالية، ومن ثم كانت واشنطن أميل إلى تبني الدبلوماسية العلنية، وقد لعب الرئيس الأمريكي ويلسون آنذاك دوراً مهماً في تأكيد أهمية العلنية في العلاقات الدولية في خطابه أمام الكونجرس الأمريكي في 1918 وقد انعكس ذلك على ميثاق عصبة الأمم، والتي تبنت بدورها مبدأ الدبلوماسية العلنية. ولاقى هذا الاتجاه استحساناً واسعاً، خاصة فيما يتعلق بضرورة العلنية عند إبرام الاتفاقيات والمعاهدات، والتي يجب أن تحظى برضا الرأي العام وموافقة البرلمانات الوطنية) .)

5 ويلاقي هذا الرأي انتقادات حادة، خاصة أن الولايات المتحدة نفسها لم تتوان عن توظيف الدبلوماسية السرية فيما بعد لتحقيق مصالحها، ومن أبرزها مؤخراً المباحثات السرية التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران حول برنامج طهران النووي، واتهام البيت الأبيض بإخفاء تفاصيل حول الاتفاق عن الرأي العام الأمريكي، وكذلك المفاوضات السرية في كندا التي سبقت الإعلان عن تطبيع العلاقات الكوبية - الأمريكية وعودتها بشكل كامل.

ثانياً: مزايا الدبلوما�سية ال�سرية

لم تؤد الانتقادات التي شابت الدبلوماسية السرية بعد الحرب العالمية الأولى إلى اختفائها أو تراجع الدول عن توظيفها، بل على العكس برزت العديد من الآراء التي أيدتها وأكدت أهميتها. ويدافع أنصارها عنها بالقول إن الدبلوماسية العلنية يصعُب أصلاً تحققها على أرض الواقع. ويقدم أنصار هذا الاتجاه العديد من الأسباب لتبرير وجهة نظرهم تلك، فمن ناحية، يرون أن الدبلوماسية العلنية لا تعطي الحكومات مساحة واسعة للحركة بما يخدم مصالحها لأنها تفرض عليها أموراً قد تجد حرجاً في التراجع عنها بعد الإعلان عنها أمام الرأي العام حتى لو لم تتفق مع مصالحها) .)

6 ومن ناحية أخرى، توجد في كثير من الأحيان بعض القضايا أو حالات الصراعات المعقدة، والتي قد لا يلائمها طابع الدبلوماسية العلنية، بل على العكس قد تؤدي إلى تعقيدها أكثر وتصعب من إمكانية الوصول إلى حلول بشأنها بالنظر إلى دور الإعلام والرأي العام والضغوط التي قد يمارسها على كل طرف بما يعيق إمكانية حل المسألة. في حين قد توفر الدبلوماسية السرية ملجأ فعّالاً في هذه الحالات على الأقل لحين الوصول إلى أرضية مشتركة أو حد أدنى من الاتفاق يمكن الإعلان بعده عن الاتصالات بين أطراف الصراع، كما أنها تخلق فرصة لإمكانية التفاوض المباشر بين الأطراف المختلفة من دون تدخل أطراف وسيطة، قد تكون لها مصالحها الخاصة، وتؤثر على فرص الوصول إلى تسوية للصراع) .)

7 ويظهر في هذا الصدد العديد من الأمثلة على توظيف الدبلوماسية السرية في إدارة بعض الملفات المعقدة على مر العقود الماضية، بما في ذلك السياسة الخارجية الأمريكية صاحبة الريادة في المناداة بالعلنية، مثل حالة أزمة الصواريخ الكوبية في 1962 حيث لجأ الرئيس كيندي وقتها إلى الاعتماد على النائب العام وقتها روبرت كيندي في التواصل مع الاتحاد السوفييتي في إطار من السرية لحل الأزمة، وكذلك الزيارات السرية التي كان قام بها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي في أوائل السبعينيات إلى الصين تمهيداً لزيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى الصين في 1972 ولم يكن من الملائم الإعلان عنها في وقتها، نظراً لتخوف البيت الأبيض من رد فعل الرأي العام الأمريكي، خاصة في ضوء المشكلات الداخلية التي كان يواجهها نيكسون آنذاك. ومن أحد النماذج الأخرى الحديثة المفاوضات السرية التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران في 2011 واستضافتها عُمان تمهيداً للمفاوضات الرسمية التي تمت بعد ذلك وأسفرت عن الاتفاق النووي الإيراني.

من ناحية أخرى، يرى هذا الاتجاه أن المجتمع الدولي قد شهد تغيرات كبيرة زادت معها أهمية اللجوء إلى الدبلوماسية السرية

لتحقيق وتأمين مصالح الدول وأمنها، ومن أبرز هذه التغيرات تزايد دور الفاعلين من غير الدول في مجال العلاقات الدولية، بما جعل الدول قد تتقارب معها في اتصالات غير مُعلنة، وتضم القائمة العديد من الفاعلين، مثل الشركات الدولية ومنظمات المجتمع المدني العالمي والحركات الانفصالية، كما يبرز دور الجماعات العنيفة أو المتشددة كأحد أبرز الفاعلين الجدد وأكثرهم تأثيراً على العلاقات الدولية والسلم والأمن الدوليين.

وفي ضوء هذا التطور، قد تضطر الدول إلى التواصل مع تلك الجماعات بما قد يتفق مع مصالحها الوطنية، ولكنها في الوقت ذاته، ترفض التصريح بتلك العلاقة، سواء بسبب الاعتبارات الأخلاقية، أو التخوف من أن يؤدي التواصل مع تلك الجماعات إلى الإضرار بمصالحها مع الدول الأخرى التي قد تستهجن هذا السلوك وتعتبره معادياً لها، ومن ذلك على سبيل المثال، تأزم العلاقات التركية – السورية في فترة التسعينيات بسبب العلاقات التي ربطت بين نظام حافظ الأسد آنذاك والزعيم الكردي عبداله أوجلان وحزب العمال الكردستاني، وكذلك الاتهامات التي تواجهها تركيا في الفترة الأخيرة بسبب علاقاتها مع "داعش" والجماعات العنيفة الأخرى الموجودة في سوريا.

ثالثاً: �سلبيات الدبلوما�سية ال�سرية

تظهر حجج أخرى مضادة تبرز محدودية فعالية الدبلوماسية السرية، ويمكن إجمال هذه الحجج المضادة في النقاط التالية: 1- التعارض مع آليات الحكم الديمقراطي: تتمثل أهم المشكلات المرتبطة بالدبلوماسية السرية الافتقاد للشفافية والمحاسبة، حيث تظل عملية صنع القرار قاصرة على مجموعة قليلة من المنخرطين في عملية المفاوضات أو الاتصالات السرية. ولا تتوافر المعلومات بشكل كافٍ أمام الرأي العام والمؤسسات الأخرى، بما يحد من قدرتهم على التأثير على عملية اتخاذ القرار أو المشاركة فيه، كما أنها تضعف من قدرتهم على محاسبة المسؤولين عن عملية الاتصالات السرية.

ومن ناحية أخرى، فإن انكشاف هذه العلاقات أو الاتصالات السرية قد تؤثر سلباً على شعبية صانعي القرار وشرعيتهم، خاصة إذا تم تسريب نتائج المفاوضات، ولاقت معارضة من الرأي العام أو المؤسسات السياسية الأخرى في الدولة. وقد يحدث هذا التسريب نتيجة أمور خارجة عن إرادة كل الأطراف، مثل حدوث تحولات سياسية كبيرة في إحدى الدول الأطراف في التفاوض، كتعرض النظام القائم للمحاكمات، أو حتى سقوطه.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك، ما حدث في أعقاب الثورة البلشفية في عام 1917، وقيام فلاديمير لينين، قائد الثورة، بفضح اتفاقية "سايكس – بيكو"، والتي أبرمت من خلال تفاهم سري فرنسي – بريطاني، وبمصادقة روسيا القيصرية خلال الحرب العالمية الأولى لاقتسام منطقة المشرق العربي، وتكررت وقائع مشابهة بعد ذلك في دول الاتحاد السوفييتي السابق عقب انهياره، بما أدى إلى إتاحة عدد كبير من الوثائق والمعلومات لم يكن من الممكن الوصول إليها) .)

8 2- صعود دور التسريبات: تمثل ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، والذي يسَر سرعة وحركة نقل المعلومات عبر حدود العالم، أحد أهم القيود على توظيف الدبلوماسية السرية. فإذا كانت الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى قد شهدت محدودية كبيرة في تكنولوجيا نقل المعلومات وتبادلها بما سهل على الحكومات توظيف الدبلوماسية السرية، فإن الوضع قد اختلف بشكل كبير، خاصة في العقد الأخير والذي شهد تطوراً ملحوظاً في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وانتشاراً كبيراً في استخدامها.

فقد بلغ عدد مستعملي الإنترنت ما يقرب من 2,5 مليار نسمة في البلدان النامية وحوالي مليار في البلدان المتقدمة. كما تعكس البيانات المتاحة من الاتحاد الدولي للاتصالات أن تغطية الهواتف المحمولة باتت اليوم شبه كاملة، إذ يقدَّر أن 95% من سكان العالم– أو نحو سبعة مليارات نسمة– يعيشون في مناطق تغطيها شبكة خلوية) (. أضف إلى ذلك الأعداد المتزايدة من مستخدمي

9 شبكات التواصل الاجتماعي والذين بلغوا ما يقرب من2,7 مليار نسمة في عام 2017 بالمقارنة ب 1,9 مليار نسمة في عام ‪.) 2014‬

10( ويفرض هذا التقدم الهائل في إمكانية نشر وتبادل أشكال المعلومات كافة قيداً هائلاً على الدول في قدرتها على الحفاظ على سرية اتصالاتها أو معاملاتها مع الدول الأخرى والتي قد تكون عُرضة للانكشاف أمام الرأي العام، خاصة في ضوء تطور أدوات الاختراق الإلكتروني، وكسر الشيفرات الخاصة بحماية المعلومات أو اختراق المواقع والحسابات الشخصية لصانعي القرار والمؤسسات الرسمية.

ويعد أبرز الأمثلة على ذلك "جوليان أسانج"، والذي تمكن عبر موقعه الإلكتروني "ويكيليكس"، من القيام بأكبر عملية تسريب في تاريخ الحكومات، عندما بدأ يكشف تدريجياً عن ربع مليون من المراسلات الدبلوماسية السرية الخاصة بوزارة الخارجية الأميركية. وقد أدت الوقائع المتتالية للتسريبات الإلكترونية إلى مطالبة الحكومات بالتزام الشفافية والعلانية قدر الإمكان في القضايا الخارجية، إذ إن وجود فجوة كبيرة بين السياسات العلنية

والسرية قد يؤدي إلى إثارة أزمات دبلوماسية تؤثر سلباً على مصالح الدولة أو تسلبها مصداقيتها.

3- تراجع فكرة المجال المحجوز: لم يعد المجال السياسي قاصراً على الحكومات، وإنما اتسع ليشمل عدداً أكبر وأكثر تنوعاً من الفاعلين ممن أصبحت لهم قدرة كبيرة على التأثير على السياق الدولي والعلاقات الدولية بشكل يفوق بعض الدول أحياناً، وينعكس ذلك على بروز دور الشركات العالمية التي تتجاوز أرباحها موازنات دول بأكمها، ومنظمات المجتمع المدني العالمي، والتي يتزايد دورها في الدفاع عن قضايا معينة، مثل الاهتمام بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام والبيئة وغيرها.

وفي هذا الصدد أيضاً لم تعد قضايا العلاقات الخارجية حكراً على مؤسسة الخارجية أو الدبلوماسية الرسمية فحسب، بل شهدت الفترة الأخيرة بروز عدد كبير من القضايا ذات الأبعاد الفنية المعقدة والتي قد تستوجب استدعاء أطراف ومؤسسات أخرى من خارج المؤسسة الدبلوماسية الرسمية، بما يزيد من صعوبة الحفاظ على سرية المعلومات أو الاتصالات لأنه بشكل أو بآخر قد تتسرب بعض المعلومات أو الأخبار من أحد الأطراف المشاركة فيها) .)

11 4- محدودية نتائج الدبلوماسية السرية: على الرغم من لعبها دوراً في فتح باب التفاوض بين الدول، خاصة فيما يتعلق بالخلافات والمشكلات المعقدة والتي يفرض عليها أداء الدبلوماسية العلنية قيوداً عديدة، فإن هذه الحجة يُرد عليها بأن الدبلوماسية السرية عادة لا تنجز اتفاقاً كبيراً في حل المشكلات المعقدة، والتي يتم تأجيلها في الغالب لدورات أخرى من المفاوضات العلنية، ويبرز في هذا الصدد المثال عن المفاوضات السرية الفلسطينية – الإسرائيلية، والتي أسفرت عن اتفاقية أوسلو 1993، إذ يرى البعض أن الاتفاقية لم تستطع أن تقدم الكثير، خاصة أن المفاوضات السرية استبعدت أهم القضايا، مثل قضايا اللاجئين والمستوطنات والمياه وأجلتها لدورات تالية من المفاوضات، وهو ما لم يحدث.

وفي السياق نفسه، ينتقد البعض الدبلوماسية السرية نظراً لأنها تقوم على انخراط عدد محدود من الأطراف بما يعني أنها قد تستبعد ممثلين من الجماعات أو المؤسسات والتي يجد صانع القرار أنها لن تكون متحمسة للدخول في مفاوضات أو اتصالات سرية أو قد تكون لها مواقف متشددة قد تهدد عملية التفاوض برمته، ولكن تظل هذه المشكلة قائمة خاصة مع الإعلان عن محتوى ونتائج المفاوضات السرية، فقد تعترض تلك الجماعات على عدم تضمينها في عملية المفاوضات، بل وقد تعمل على إفساد هذه العملية ونتائجها.

وفي هذا الإطار، أشار البعض إلى احتمالية رفض الكونجرس الأمريكي حينها الاتفاق النووي الإيراني، نظراً لمعارضة قطاع عريض من أعضائه له، أو حتى العمل على عرقلته، من خلال تبني الكونجرس إجراءات عقابية ضد الشركات الإيرانية، بما يهدد الاتفاق وعملية المفاوضات برمتها، وبالتالي، فإن استبعاد بعض المؤسسات من عملية المفاوضات قد يدفعها لعرقلة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه) .)

12 وفي الختام، يظل موضوع الدبلوماسية السرية متجدداً، وعلى الرغم من الجدل المستمر حوله، فإن اعتبارات المصلحة الوطنية والأمن القومي تظل دافعاً ومبرراً قوياً أمام الدول لاستمرارها في تبني هذ النهج. ولكن تظل الآراء المعارضة لها وجاهتها، خاصة فيما يتعلق بالتعارض بين الدبلوماسية السرية وآليات الحكم الديمقراطي، وما ينطوي عليه من مبادئ الشفافية والمحاسبة والحق في الحصول على المعلومات وتداولها، وفي هذا الصدد تبرز أهمية تحديد الضوابط الأخلاقية والموضوعية، والتي تضمن حق الرأي العام والجماهير في معرفة ما يجري وراء الستار، خاصة إذا ارتبطت باتفاقيات أو التزامات تضعها الدولة على نفسها، وقد تؤثر على حقوق ومصالح مجموعات مختلفة داخل الدولة.

د. رانيا علاء السباعي مدرس مساعد، قسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.