‪Limited Governance‬

أساليب احتواء ”ا قاليم الخارجة عن سيطرة الدول“

Trending Events - Future Concepts - - خب‪2 3‬ الدراسات السياسية وا منية -

هناك العديد من العوامل التي ساهمت في تقويض سلطة الدول على أجزاء من أقاليمها، وتتمثل في عدة أمور منها ضعف نظم الحكم، وعجزها عن احتكار الاستخدام الشرعي للقوة، خاصة مع تنامي دور الفواعل المسلحة من دون الدول، بالإضافة إلى التدخلات الخارجية.

وقد سعى الأدب النظري في العلوم السياسية إلى مواكبة هذا التطور، فظهر عدد من المفاهيم التي حاولت وصف حالات الضعف المزمن للدولة، وعجزها عن القيام بوظائفها الأساسية تجاه مواطنيها، وفي هذا الإطار ظهر مفهوم الدولة الفاشلة، ثم مفهوم الدولة الهشة، وأخيراً مفهوم "الدول ذات نظم الحكم المحدودة" ‪.(Limited Statehood)‬

وتسلط هذه المقالة الضوء على هذا التطور المفاهيمي، ومدى إسهامه في بلورة فهم أفضل لحالات تراجع سلطة الدولة، ثم التعريج على التحديات الأمنية التي تفرضها المناطق التي تعاني ضعف نظم الحكم بها، وأخيراً الإشارة إلى خيارات الدولة في التعامل مع نظم الحكم المحدودة.

اأولاً: تطور مقاربات درا�سة انهيار الدولة

يعد أحد التعريفات الكلاسيكية للدولة، الذي قدمه "ماكس فيبر" على أنها "هيكل حكم مؤسسي يتمتع بالقدرة على الحكم بشكل قانوني والسيطرة الشرعية على استخدام وسائل العنف". وعرّفها "ستيفن كراسنر" على أنها "التنظيم الرسمي للسلطة السياسية وقدرة الحكومة على ممارسة رقابة فعّالة داخل حدود سلطتها"( . وفي

)1 ضوء ما سبق يمكن القول إن مفهوم الدولة يشير إلى القدرة على اتخاذ وإنفاذ قراراتها على إقليمها، والقدرة على احتكار الاستخدام الشرعي للقوة.

وفي المقابل، ظهر مفهوما الدولة الفاشلة والهشة في البداية للإشارة إلى الحالات التي تكون فيها الدولة عاجزة عن القيام بوظائفها الأساسية، خاصة الأمنية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كلا المفهومين قد تم تطويرهما من جانب "صندوق السلام" Fund( ‪for Peace‬ ،) وذلك في إطار سعيه لتطوير مؤشر للدول الفاشلة ثم الهشة، لقياس الدول التي تعاني تراجع قدرة الحكومات بها على القيام بالأمن وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين. وقد دفعت الانتقادات التي تعرض لها المفهوم الأول إلى تطوير المفهوم الثاني، وهو الدول الهشة( .(

2 ويشير مفهوم الدولة الفاشلة ‪Failed State(‬ ) إلى حالة "انهيار الدولة، أي عجز الدولة عن القيام بأدوارها الأمنية أو التنموية، فضلاً عن تراجع سيطرتها على إقليمها، أو حدودها"( )، أي أنها

3 كما عرفها "جيرالد هلمان" و"ستيفن راتنر" غير قادرة على العمل ككيان مستقل في المجتمع الدولي( .(

4 ويعد أحد الانتقادات التي وجهت لهذا المفهوم ودفع إلى تطوير مفهوم الدولة الهشة، هو توظيف مفهوم الدول الفاشلة للإشارة إلى الدول التي تكون حكومتها ضعيفة وليست منهارة تماماً، في حين أن مفهوم الدولة الفاشلة يعطي انطباعاً بغياب أي نوع من أنواع السلطة. ومن جهة ثانية، فإن المفهوم الأخير أغفل حقيقة أنه توجد أحياناً مؤسسات للحكم في هذه الدول، وإن وُجدت على مستوى محلي( .(

5 وبذلت محولات لتدارك هذا القصور المفاهيمي، فجاء مفهوم "الدولة الهشة" ‪Fragile state(‬ ) ليشير إلى الدول التي تعاني مؤسساتها الضعف الشديد، أو تفتقد الاستقرار، والتي يعاني مواطنوها الفقر المدقع، والعنف والفساد، والعشوائية السياسية.

ووفقاً لهذا المفهوم، فإن الدول الهشة هي "الدول التي تكون فيها الحكومة غير قادرة أو غير راغبة في القيام بوظائفها الأساسية، في مجال توفير الأمن وحكم القانون، بالإضافة إلى الإمداد بالخدمات الاجتماعية الأساسية"( )، وبالتالي فإنه لا يفترض هنا بالضرورة

6 غياب الدولة تماماً، كما في حالة الدول الفاشلة.

وقد تعرض هذان المفهومان للانتقاد لسببين رئيسيين، أولهما: أنهما يحملان الدول الفاشلة أو الهشة مسؤولية بعض المشاكل الأمنية التي تواجه العالم كالإرهاب والجريمة المنظمة، نظراً لوجود مساحات واسعة خارج سيطرة الدولة، تمارس فيها هذه الكيانات أنشطتها المهددة للاستقرار الإقليمي أو الدولي بحرية شديدة، وتغفل دور العوامل الإقليمية والدولية، التي قد تكون ساعدت على نشوء هذا الوضع بالأساس.

ومن جهة ثانية، فإن المفهومين يعجزان عن إدراك أنه في بعض الدول القوية، أمنياً وعسكرياً، فإن بعض المناطق داخلها قد تخرج عن سيطرتها، ومن ذلك على سبيل المثال، حالة باكستان، والتي تعجز عن إحكام السيطرة على منطقة القبائل في شمال البلاد.

وقد دفع هذا القصور في المفهوم السابق إلى تطوير مفهوم بديل هو "نظم الحكم المحدودة"، والذي يشير إلى "دول معترف بسيادتها دولياً، إلا أن سيادتها المحلية أصبحت محدودة أو مقيدة، نتيجة افتقارها للقدرات والموارد اللازمة لفرض سيطرتها على كامل أراضيها، أو نتيجة لاتخاذها قراراً بإرجاء السيطرة على تلك المناطق، نظراً لتخصيص الموارد لأولويات ومناطق أخرى".

ويعني هذا أن خروج بعض المناطق عن السيطرة، ليس ناتجاً فقط عن تراجع القدرات الأمنية للدولة، ولكن قد يكون مرده افتقاد الإرادة السياسية، أي تقديرها بأن العمل على استعادة هذا الإقليم تكون تكلفتها المادية والبشرية مرتفعة، نظراً لوجود فواعل مسلحة من دون الدول بها، أو أن العائدات من وراء فرض السيطرة عليه منخفضة جداً، نظراً لهامشية هذا الإقليم، وعدم وجود موارد اقتصادية فيه( .(

7 ولعل الصومال مثال على الحالة الأولى، إذ تفتقد الحكومة المركزية في مقديشو القوة اللازمة لتحجيم حركة الشباب الإرهابية، أو لمنع نشوء كيانات انفصالية، مثل صوماليلاند، وبونت لاند. أما المثال على الحالة الثانية فيتمثل في باكستان، حيث إن الحكومة هناك تتمتع بحق احتكار استخدام القوة المشروعة في أجزاء كثيرة من أراضيها، وعلى الرغم من ذلك، فإن المناطق القبلية في شمال غرب البلاد خرجت عن سيطرتها، نظراً لتقدير الحكومة أن العمل على استعادتها سوف تكون تكلفته المادية والبشرية مرتفعة في الفترة الحالية، وبالتالي تندرج إسلام آباد تحت تصنيف الدول ذات نظم الحكم المحدودة.

ولا يقتصر هذا التصنيف على الدول النامية فقط، ولكن ينطبق كذلك على الدول المتقدمة، فعلى سبيل المثال، لم تتمكن السلطات الأمريكية من إنفاذ القرارات والتمتع بحق احتكار استخدام القوة في نيو أورلينز بعد إعصار كاترينا عام 2005، وإن كان ذلك لفترة مؤقتة( .(

8 ويسمح مفهوم نظم الحكم المحدودة بالتمييز بين أنماط مختلفة من نظم الحكم، فالدول التي تندرج تحت تصنيف الدول الفاشلة لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من نظم الحكم في العالم، أما معظم الدول النامية والدول التي تمر بمرحلة انتقالية فتعتبر نظم حكم محدودة، حيث تسيطر على أدوات استخدام القوة المشروعة وتتمتع بالقدرة على إنفاذ القوانين وتنفيذ القرارات، ولكن بشكل جزئي وحيال مناطق معينة.

وتدخل معظم دول البلقان في إطار نظم الحكم المحدودة، لأسباب مختلفة، فكل من كوسوفو والبوسنة والهرسك، تعاني النزاعات العرقية والحدودية، بالإضافة إلى ضعف سيطرة الدولة على أجزاء من إقليمها، علاوة على قيام الانفصاليين بترتيبات لتقاسم السلطة، مما أضعف من سلطة الحكومة المركزية، بينما تعاني ألبانيا ومقدونيا والجبل الأسود ضعف قدرات الدولة بسبب نقص الموارد وانتشار الفساد( .(

9 وترضخ المناطق غير الخاضعة لسيطرة الدولة لحكم جهات فاعلة أخرى، مثل النخب التقليدية أو الدينية، أو أُمراء الحروب، أو جماعات متمردة( )، وتنتهج هذه الجهات أساليب شبكية لامركزية

10 في الحكم، وتعتمد على التفاوض في التعامل مع الجهات المختلفة، إذ يتسم نظام حكمها بأنه "متعدد المستويات" Multilevel( Governance،) حيث يتشابك المستوى المحلي مع المستويات الإقليمية والدولية، إذ تلجأ الجهات الفاعلة الدولية والجماعات الإغاثية إلى التعاون معها لتقديم الخدمات التي من المفترض أن تعجز عن تقديمها الحكومة المعنية( .(

11

ثانياً: الا�ستجابة الحكومية للتحديات الاأمنية

يلاحظ أنه في الدول التي شهدت بروز نظم حكم محدودة، توجد ثلاثة أنواع من الأمن، إلى جانب خدمات الأمن التي تقدمها الدولة، وهي: الأمن بالإكراه ‪Coercive security(‬ ) مع وجود درجة معينة

من نظام مؤسسي )المأسسة( يقوم بفرض نظام محدد للضرائب على سبيل المثال؛ والأمن الوقائي الذاتي Self-protective( security) ضد التهديدات الداخلية أو الخارجية. وأخيراً، الأمن التجاري ‪Commercialized security(‬ ) عبر تفويض مهام الحماية إلى شركات أمن خاصة( .(

12 وينشأ في هذه المناطق المنعزلة عن سلطة الدولة نوعان من التهديدات، أولاً: إمكانية دخول الجماعات الإرهابية والمنظمات الإجرامية، وممارسة أنشطتهم داخل الدولة، مما يتسبب في عدم الاستقرار وانتشار العنف، مثل: سيطرة حركة طالبان على أجزاء من أفغانستان وباكستان، وسيطرة تنظيم "داعش" على مناطق في سوريا والعراق. وثانياً: قد يصبح من الصعب على الدولة استخدام أساليب الردع أو حتى اتباع الطرق الدبلوماسية مع القوى الفاعلة في هذه المناطق، نظراً لكونهم يعملون خارج الإطار القانوني الرسمي( .(

13 وتعتمد أنماط السلطة في نظم الحكم المحدودة على آليتين رئيسيتين هما: المساومة والمداولة. وتنطوي المساومة على إيجاد محفزات للجهات المجتمعية الفاعلة في المناطق الخاضعة لسيطرتها ومحاولة دفعها للتعاون معها، وذلك باستخدام وسائل عدة قد تصل إلى أسلوب التهديد وفرض العقوبات، بينما يسعى الفاعلون من خلال المداولات إلى التوصل إلى توافق حول كيفية علاج المشكلات المطروحة( .(

14 أما بالنسبة للحكومات المعنية، فإنها تمتلك ثلاثة خيارات أساسية في مواجهة أنظمة الحكم المحدودة، تتمثل في التالي: • استعادة السيطرة على المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة: وغالباً ما يتم ذلك باستخدام القوة العسكرية. وعلى سبيل المثال، قدمت الولايات المتحدة الدعم لكل من كينيا وإثيوبيا وقوات الاتحاد الأفريقي للقضاء على حركة الشباب في الصومال. • الاختراق السلمي بغرض إضعاف نظم الحكم البديلة: وهو ما يتحقق من خلال السعي لكسب الولاء المحلي من خلال إقناع المواطنين بفكرة أن الانضمام للدولة يعد خياراً بناءً. فعلى سبيل المثال، قامت الحكومة الباكستانية باتباع سياسة "الاختراق السلمي" لقبائل البشتون في الفترة من 1951 وحتى 1955، وكذلك خلال الفترة من 1972 وحتى 1977، حيث قدمت لهم مجموعة متنوعة من مشاريع التنمية، بهدف إظهار مزايا الخضوع لسلطة الحكومة المركزية. • استقطاب الحكومة لهياكل السلطات البديلة واستمالتها: إذ تلجأ الحكومة في هذه الحالة إلى التعامل مع السلطات البديلة القائمة بحكم الأمر الواقع، وعقد اتفاقات معها، تتضمن قدراً من العلاقات التعاونية. ويأتي هذا النوع من بسط السيطرة تحت العديد من المسميات مثل: "الحكم غير المباشر" أو "الحكم بالوكالة". وفي الواقع فإن كثيراً من الجهود تجمع بين السياسات الثلاث( .(

15

الخاتمة

لقد أصبحت نظم الحكم المحدودة سمة تميز بعض الدول في النظام الدولي الراهن، وفي ظل تراجع قدرات وإمكانيات بعض الدول في مواجهة الفواعل المسلحة من دون الدول، تتصاعد المخاوف من زيادة عدد الدول ذات نظم الحكم المحدودة التي توفر ملاذاً آمناً لأطراف فاعلة غير حكومية تتبنى العنف وتوفر مأوى للإرهابيين. ومن جهة ثانية، تدعو بعض القوى الدولية إلى ضرورة تبني الدولة توجهات تعاونية مع نظم الحكم المحدودة داخلها والقوى المجتمعية التي تستند إليها، في محاولة لإنفاذ قوانين الدولة، وتقديم السلع والخدمات( .(

16 وعلى الرغم من أن محاولة استقطاب الدول هؤلاء الفاعلين تساعد على تجنب العديد من التكاليف والمخاطر، فإنها قد تؤدي إلى حالة من الصراع المستمر، خاصة أن أهدافهم ومصالحهم تتعارض مع الدولة القائمة، وبالتالي فإن أي اتفاقات معهم سوف تكون مؤقتة، كما أنها قد تضفي الشرعية على هذه الكيانات، والتي قد تكون متورطة في أنشطة غير مشروعة، وهو ما يجعل الحل الوحيد للتعامل مع هذه الكيانات هو تحجيمهم واستعادة الدولة هيمنتها على المناطق التي يسيطرون عليها.

د. إسراء إسماعيل خب‪2 3‬ الدراسات السياسية وا منية

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.