ما هي دوافع استهداف الصوفية؟

Trending Events - - المحتويات - د. نصر محمد عارف

لعل من مفارقات التاريخ أن المرجع الأول للتيار السلفي أحمد بن تيمية له كتابان محققان ومنشوران يقدمان رؤية مناقضة لما هو شائع عن عداء الفقيه الأشهر للصوفية وأهلها.

روؤية ابن تيمية للت�سوف

تُعد أحد المؤشرات الواضحة على التعامل الانتقائي مع التراث عدم علمية وانتقائية الخطابات التي تطلقها جماعات التوظيف السياسي للإسام؛ إذ أن المرجع الأول للتيار السلفي أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (661 ه - 728 ه /1263م - 1328م( له كتابان محققان ومنشوران، يتجاهلهما المعاصرون من أتباعه، يتاقى ابن تيمية في أولهما مع الصوفية الحقيقية؛ من حيث الأفكار والقيم ورؤية التدين الصحيح للمسلم، وذلك في كتابه ”قاعدة في المحبة".

وفي كتابه الثاني "الصوفية والفقراء" يقدم ابن تيمية دراسة لتيارات الصوفية وأصولها وأنواعها، ويميز بين ثاثة أصناف للصوفية والمتصوفة، أولها صوفية الحقائق، وهم الصديقون المجتهدون في عبادة اله الملتزمون بالفقه والشريعة. والصنف الثاني هو صوفية الأرزاق، وهم الذين وُقِفت عليهم الأوقاف في الخوانق )جمع خانقاه، وهي لفظة فارسية تعني المكان الذي ينقطع فيه المتصوف للعبادة( والتكايا، وهؤلاء لا يشترط فيهم أن يكونوا من أهل الحقائق كما في الصنف الأول، ولكن يُشترط فيهم ثاثة شروط هي: العدالة الشرعية، أي أداء الفرائض واجتناب المحرمات، والتأدب بآداب أهل الطريق، وألا يكون الواحد منهم متمسكاً بفضول الدنيا من جمع المال وغيره من الشهوات. والصنف الثالث هو صوفية الرسوم )أي الأشكال(، وهم الذين يقتصرون على التمسك بالهيئة والشكل ولا يعرفون عن التصوف شيئاً.

على الرغم من هذه الصورة الواضحة عند شيخ الإسام ابن تيمية، وأن المتصوفة لديه مسلمون موحدون من أهل القبلة، طالما لم يخرج أيٌّ منهم عن مسلمات الدين وقواعده، فإن السلفية في نسختها الجهادية تقدم ديناً موازياً للدين الإسامي، وتوظف التراث والتاريخ والمراجع الفقهية أمثال ابن تيمية لتمرير تلك الأيديولوجية وتسويغها، لذلك نجدها تتخذ من الصوفية نقيضاً دينياً، وعدواً تاريخياً، فأصل نشأة السلفية الجهادية إنما جاء لمحاربة رموز التصوف، أو ما تم نسبته إلى المتصوفة، مثل اتخاذ شواهد للقبور أو زيارتها والتبرك بها، ولذلك كانت الدعوة السلفية الجهادية في جوهرها دعوة ضد الصوفية ولم تكن ضد الجاهلية، أو الوثنية أو الشرك بالله أو الكفر به، وكل تاريخها كان حرباً ضد الصوفية والشيعة، وقد تم مزج الاثنين عملياً لاشتراكهما في معظم الرموز والممارسات، ولذلك نجد أن جوهر فكرة السلفية الجهادية كان ضد المقامات والأضرحة والقبور وزائريها، ولم يكن لها مجال ديني آخر لتصحيح فهم الناس وحياتهم إلا هذا المجال.

تناق�ض مواقف ال�سلفية

السلفية الجهادية والصوفية نقيضان دينيان لا يلتقيان، وكأنهما دينان مختلفان، ولكن للأسف لا توجد دراسات جادة تشرح بعمق هذه التناقضات العقائدية والتعبدية بين الاثنين، ولا يلتفت أحد إلى تلك الفوارق إلا إذا حدثت حوادث إرهابية يقوم بها السلفيون ضد الصوفية، سواء بالتفجير أو القتل أو هدم الأضرحة والمقامات. والتاريخ المعاصر يثبت أن أول دخول للسلفية الجهادية إلى مصر كان ممثاً في هدم

الأضرحة والمقامات، والتهجم على أهل التصوف، والأمر نفسه حدث في سوريا وليبيا بعد سيطرة أجنحة من السلفيين على مسارات بعض الثورات العربية.

يتناقض السلفيون الجهاديون مع أهل التصوف في معظم قضايا العقيدة، وفي معظم الشعائر الدينية، ابتداء من مقام الألوهية ومقام النبوة، ومفهوم الوحي، وعاقة المسلم بعالم الغيب، وبطبيعة عاقة المسلم بربه، وبرسول اله صلى اله عليه وسلم، وكذلك في العبادات، وفي النظر للحياة وكيفية التمتع بها، ويتناقضون في كل شيء بصورة تدفع المنتمي للسلفية الجهادية إلى تكفير الصوفي، سواء أعلن ذلك أو لم يعلن. فحتى الزهد اعتبره السلفيون خروجاً عن الإسام، إذ اعتبر زهدهم في متاع الدنيا نوعاً من الرهبانية التي تخرجهم من دين الإسام. إذن هناك خاف عقائدي عميق بين السلفية الجهادية والمتصوفة، ووجود أحدهما يعني نفي وجود الآخر.

هذا الخاف العقائدي الذي يدخل في صميم فهم السلفي للدين دفع السلفيين الجهاديين إلى استهداف الصوفية بالقتل، واستباحة دمائهم حتى في المساجد ويعد قَتْل المئات في مسجد الروضة في شمال سيناء في صاة الجمعة يوم 24 نوفمبر 2017 مثالاً على ذلك.

توظيف التوتر ال�سلفي - ال�سوفي

منذ ما بعد 11 سبتمبر 2001، وهناك توجه عالمي يرى أن الجماعات الصوفية يمكن أن تلعب دوراً في مواجهة الجماعات السلفية والجهادية، وأسفر هذا عن تحول الخاف السلفي - الصوفي إلى وسيلة في يد القوى الدولية لتأجيج الصراع بينهما وتوظيف أحدهما في مواجهة الآخر. في 25 أبريل 2005 نشر ديفيد كابلن دارسة في مجلة "يو إس توداي آند ورلد ريبورت" عنوانها: "القلوب والعقول والدولارات: في الجبهة الخفية للحرب ضد الإرهاب.. أمريكا تنفق المايين لتغيير وجه الإسام"، جاء فيها أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تعتمد استراتيجية استخدام المسلم الجيد للتخلص من المسلم الرديء، وهذا الرديء هو الإرهابي السلفي الجهادي، أما المسلمون الجيدون فهم الصوفية في آسيا وأفريقيا والإخوان المسلمون في العالم العربي.

وقد اعتمد هذا الرأي على التاريخ المعاصر للصوفية من دون الغوص في تطوراتها التاريخية، وطبيعة تكوين الطرق أو الجماعات الصوفية، على اعتبار أن السمة الغالبة على الحركات الصوفية أنها ذات منزع روحي يدفع المنتمين إليها إلى هجرة العالم المادي والزهد فيه، واعتزال الناس لتحقيق الخاص الفردي، وأن الجماعات الصوفية طوال تاريخها تؤمن بالولاء المطلق لولي الأمر، والبيعة الكاملة له، حتى وإن بغى وفسد، ولم يحدث أن وجهت ساحها في الحالات التي خاضت فيها الجهاد إلى المسلمين، إذ تجاهد دائماً الغازين المغيرين على أمة الإسام، فالصوفية تؤمن بجهاد الدفاع، وليس بجهاد الغزو.

دوافع ا�ستهداف ال�سوفية

نفذت الولايات المتحدة أجندتها في التعامل مع الحركات الصوفية، فتم الدفع بمسؤولين عن الشأن الديني في العديد من الدول الإسامية في المناصب المهمة من ذوي الخلفية الصوفية الذين عملوا على تهميش دور السلفيين، وهذا أدى إلى شعور بالنقمة عند دعاة السلفية الجهادية خاصة مع التضييق عليهم من السلطات التي وظفت العلماء المنتمين للتيار الصوفي ضدهم. كل ذلك خلق نقمة شديدة عند قواعد السلفية الجهادية ضد الصوفية الذين يراهم السلفيون كفاراً مشركين عباد قبور وأوثان، والآن صاروا أدوات للأجنبي والحكومات ضدهم، وهذا بدوره حوّل كراهية السلفية الجهادية للصوفية إلى حالة من النقمة التي تمت ترجمتها في سلوك إرهابي عنيف يعتمد القتل الجماعي وتفجير المساجد.

خاصة القول، إن هذه الحالة الممتدة من نيجيريا إلى سوريا عبر ليبيا ومصر من عمليات القتل العمد وتفجير المساجد والمقامات والأضرحة التي تقوم بها جماعات السلفية الجهادية أياً كان الاسم الذي تطلقه على نفسها، هذه الحالة هي انعكاس لبنية عقائدية يؤمنون بها، تقوم على تكفير الصوفية، وإخراجهم من الدين جملة وتفصياً، واستباحة قتلهم واستحال دمائهم، وقد زاد من تفاقمها انخراط العديد من القيادات الصوفية في حكومات ومنظومات سياسية دولية تهدف إلى محاربة السلفية الجهادية، هذان العامان قادا إلى تحوّل السلوك السلفي الجهادي تجاه الصوفية إلى نمط إرهابي عنيف، وسيستمر هذا السلوك في المرحلة القادمة حتى يتم إحداث ثورة ثقافية في بنية عقول المتطرفين السلفيين.

وللخروج من حالة الاحتراب الداخلي بين التيارات والمدارس الفكرية المنتمية للدين الإسامي يجب القيام بعملية إصاح تعليمي شاملة، تعلم الأجيال الجديدة مصادر الاختاف وأسبابه، وتعلمهم كذلك أدب الاختاف وأخاق الحوار.

ويتطلب ماسبق أن تشتمل مناهج التعليم العام على تعريف بهذه الخريطة الواسعة من المذاهب والفرق والمدارس والتيارات التي تشكلت كظواهر اجتماعية على مر تاريخ المسلمين، فضاً عن تضمين الت عليم الديني مكونات رئيسية إلزامية عن الفقه المقارن وأسباب الاختاف فيه، وكذلك مقارنة المدارس العقائدية المتنوعة التي تعبر جميعها عن تجليات متنوعة للدين الإسامي، لا يملك أي منها الأفضلية أو التفرد بالفهم الصحيح الوحيد.

ونذكر في الختام بما اتفق عليه العالم الإسامي في اجتماع مجمع الفقه الإسامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسامي دورة عمان 2007؛ اتفق على أن جميع المسلمين الذين يتعبدون على المذاهب الثمانية: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والظاهرية، والزيدية والإباضية والشيعية الإثنى عشرية، جميعهم مسلمون؛ يحرم تكفيرهم. بنشر هذه الثقافة من خال مناهج التعليم سوف نصل إلى التحرر من عقلية امتاك الحقيقة التي تقود إلى قتل المخالفين.

عمليات القتل العمد وتفجير المساجد والمقامات والأضرحة التي تنفذها الجماعات السلفية الجهادية، هي انعكاس لبنية عقائدية تقوم على تكفير الصوفية وإخراجهم من الدين جملة وتفصيلًا واستباحة قتلهم واستحلال دمائهم. وسيستمر هذا السلوك حتى يتم إحداث ثورة ثقافية في بنية عقول المتطرفين.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.