هل انتهى عصر قيادة الدولة للاقتصاد؟

Trending Events - - المحتويات - محمد باهارون

كانت أبرز مميزات الاقتصاد الآسيوي، الذي أفرز النمور الآسيوية مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا، هي أن الدولة كانت تقود التنمية الاقتصادية.

لم يكن اقتصاد هذه الدول شبيهاً بالاقتصاد الشيوعي الذي تديره الدولة بشكل كامل، فإنه لم يكن أيضاً شبيهاً بالاقتصاد الرأسمالي الغربي المعتمد على حرية السوق، وعدم تدخل الدولة، إلا في الحد الأدنى. ومن ثم يطرح السؤال: هل انتهى عصر قيادة الدولة لاقتصاد؟

التجربة الآ�سيوية الملهمة

منذ ما وُصف بانهيار النمور الآسيوية عام 1997، فإن تلك الاقتصادات لاتزال تمثل ثقاً اقتصادياً أساسياً في المنطقة، ولاتزال تجربتها تلهم العديد من الدول. وفي منطقة الخليج، فإن الطفرة الاقتصادية لإمارة دبي تأثرت بشكل كبير بالتجربة في سنغافورة، وهو تأثر لا ينكره واضعو السياسات الاقتصادية في إمارة دبي، الذين عمل بعضهم في سنغافورة نفسها، كما يفخرون بأن سنغافورة اليوم عادت لتستفيد من تجربة الإمارات، وتجربة دبي في التنويع الاقتصادي.

والحديث عن التجربة الآسيوية في التنمية عادة ما يستحضر دولاً، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وحتى تايوان، ولكنه لا ينظر إلى التجربة الضخمة لاقتصاد الصيني الذي كانت السياسات الحكومية فيه هي أساس النقلة الاقتصادية التي حققتها الصين من خال تبني بعض جوانب الاقتصاد الرأسمالي مع الاحتفاظ بسيطرة الدولة.

الدولة قائدة للاقت�ساد اأم داعمة له؟

من المفيد التفرقة بين أمرين: محاولة الدولة "دعم" الاقتصاد ومحاولة الدولة "قيادة" الاقتصاد فالفارق بينهما كبير؛ فتقديم "الحوافز" الاقتصادية، سواء كانت إعفاءات ضريبية أو تسهيات حكومية، مهم جداً لاجتذاب الاستثمار، وهو ما اتضح في المناطق الحرة )أو المناطق الاقتصادية الخاصة(، التي منحت الشركات الأجنبية تسهيات حكومية، غير أن قيادة الدولة لاقتصاد تركز على دعم قطاعات استراتيجية للدولة يمكنها أن تقود التحولات في الاقتصاد، وتسمح للعديد من الاقتصادات حولها بالبناء عليها والنمو حولها.

واليوم، فإن دولاً خليجية مثل السعودية بدأت تنتهج نهجاً جديداً في فتح اقتصادها، ومن ذلك رفع الدعم الحكومي عن سلع استراتيجية مثل الوقود، وطرح الشركات الوطنية لاكتتاب العام، وتطوير مناطق اقتصادية خاصة، بهدف اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر، والذي يتطلب قدراً من الحرية بعيداً عن سلطة الدولة في تحديد الأسعار، لكن كل ذلك لن يتم من دون جهد من الدولة وقيادة من قبل الدولة لاقتصاد.

إن جهود المنطقة الحالية لاستعداد لمرحلة ما بعد النفط هي في الأساس جهود حكومية، كما أن خطط الانتقال إلى اقتصاد المعرفة لا يمكن أن تتم من دون إصاح حكومي لأنظمة التعليم والحوكمة، ناهيك عن استثمار مباشر

في البنية التحتية التقنية والصناعات المتقدمة.

وتقدم دولة الإمارات نموذجا مهماً، فتجربة دولة الإمارات تشير إلى أن الاستثمار الحكومي في صناعة الطيران كان جزءاً أساسياً من تطوير السياحة، كما أن الاستثمار في البنية التحتية كان أيضاً جزءاً أساسياً من رفع قيمة الاستثمار العقاري. واليوم، فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وصناعات الفضاء والعربات ذاتية القيادة هو جزء من استثمار الدولة في تقنيات المستقبل لتحفيز الانتقال إلى عصر الاقتصاد المعرفي.

من جانب آخر فإن جهود التحول الاقتصادي في دبي هي من أبرز التجارب التي توضح أهمية قيادة الدولة لعملية التحول. فالاستثمار الحكومي في المناطق الحرة والموانئ فتح الباب أمام أن تصبح دبي مركزاً مهما للخدمات البحرية في منطقة مهمة لحركة الماحة العالمية، وكان نموها حيوياً لتطور موانئ دبي العالمية التي تدير أكثر من 78 ميناء ومحطة بحرية في قارات العالم الست. كما أن تحويل مدينة دبي إلى منطقة جذب سياحي تطلب استثماراً حكومياً في صناعة الطيران وفي قطاع الفنادق، وتشجيع قطاع التجزئة، وإطاق المبادرات العمرانية.

اقت�سادات ما بعد ال�سراع

في حين أن قيادة الدولة لاقتصاد قد تكون ضرورة لتحقيق مكاسب اقتصادية، كما هي الحال في جهود التحول الاقتصادي الذي تسعى من أجله دول الخليج لتقليص الاعتماد على النفط، فإنه قد تكون له ضرورات مختلفة في مناطق أخرى في العالم. وبالذات في اقتصادات ما بعد الصراع، فإن قيادة الدولة الاقتصاد ستكون حيوية جداً لعودة البوصلة الاقتصادية وتحقيق التعافي الاقتصادي.

عادة تخرج الدول التي مرت بصراعات من هذه التجربة محملة بكلفة إنسانية كبيرة، من دمار رأس المال البشري، وتراجع التعليم والصحة، ومثل هذه الأوضاع تخلق تحديات تتطلب سنوات لإعادة التوازن الاجتماعي أولاً، وهي تحديات في الواقع تفوق حالة اقتصاد الصراع، كما أن مصادر تمويل ما بعد الصراع ستتطلب وجود جهات حكومية قادرة على الإيفاء بمتطلبات الجهات المانحة. وعليه فإن الجهد الحكومي في استعادة التعافي والاتزان الاقتصادي في دول الصراعات، سواء كانت العراق أو ليبيا أو اليمن، سيعتمد إلى حد كبير على دور الدولة.

وبالنظر إلى اليمن، على سبيل المثال، فإن دور الحكومات، مركزية أو محلية، سيكون مهماً في قيادة دفة الاقتصاد وتوفير الأطر المناسبة للشراكة مع القطاع الخاص للمساهمة في دفع دفة الاستقرار والتوازن الاقتصادي، وهو ما سيعيد عجلة الحياة إلى طبيعتها، ويساهم في ترسيخ الأمن والأمان والاستقرار السياسي بعد انتهاء الصراع.

ع�سر اقت�ساد الدولة لم ينته

لا يزال الاقتصاد الذي تقوده الدولة مهم، خاصة أن الدولة يمكنها تبني مبادرات يحجم عنها القطاع الخاص. وهنا من المفيد الإشارة إلى أن هذا الوضع قد لا يكون نموذجاً بقدر ما هو تجربة تتنامى وتتغير. ومن الخطأ النظر إلى هذه التجارب بمقاييس الاقتصاد الحر الغربي، وإن كانت تقترب منه أكثر مما تقترب من النمط الشيوعي في إدارة الاقتصاد، وهو التغير الذي تمر به الصين حالياً على سبيل المثال.

وليس من المستغرب أن أغنى رجل في الصين هو "جاك ما"، المالك والرئيس التنفيذي لشركة "علي بابا" التي تضم التسوق الإلكتروني والخدمات الافتراضية. و"علي بابا" ليست أكبر شركة في الصين، ولكنها شركة لا تملكها الحكومة، وارتباطها بعالم الإنترنت سيجعلها تعمل في مناطق لا تسيطر عليها الحكومة الصينية أو الاقتصاد الصيني، ولكنها مناطق ستستفيد الصين اقتصادياً من تواجدها فيها.

في المقابل فإن السياسات الحمائية التي أعلن عنها الرئيس دونالد ترامب قوبلت بالتشكك من جانب العديد من الشركات الأمريكية الكبرى، لأنها ستؤثر في مكانتها الاقتصادية واستفادتها من السوق العالمي.

إن دينامكيات السوق والربح والخسارة قد تجعل الاقتصاد الوطني يستفيد من قيادة الدولة لاقتصاد ومن المبادرات التي تردد في دخولها القطاع الخاص ويمهد لها القطاع الحكومي الطريق، ولكن الدولة سوف تخفف من قيادتها، بالنظر إلى استفادتها من سياسات السوق المفتوح.

ويشي كل ذلك بأن نموذج التنمية الاقتصادية الذي تقوده الدولة، والذي يوصف بأنه نموذج التنمية الآسيوي، مرشح لأن يكون أكثر أهمية في المنطقة العربية للعقدين القادمين.

لكن قد يطرح هذا الوضع تساؤلاً ختامياً حول مدى الاستدامة في التجربة، لاسيما في حال كانت قيادة الدولة لاقتصاد تجعلها شريكاً أو منافساً للقطاع الخاص، نظراً لتردد أو تخوف القطاع الخاص من أخذ زمام المبادرة. وعادة ما توصف قيادة الحكومات الاقتصاد بأنها "تغوّل" عليه من خال ما يُرى أنه ممارسات احتكارية تُضعف القطاع الخاص، وتقلل من جاذبية تلك الاقتصادات على المدى البعيد، لكنه من زاوية أخرى يعتبر الحل الأمثل لتحقيق النهضة الاقتصادية الازمة.

إن تجربة دبي للتحول الاقتصادي هي أبرز التجارب التي توضح أهمية قيادة الدولة عملية التحول. فالاستثمار الحكومي في المناطق الحرة والموانئ فتح الباب أمام قيادة دبي الخدمات البحرية في منطقة مهمة لحركة الملاحة العالمية، وكان نموها حيوياً لتطور موانئ دبي العالمية التي تدير أكر من 78 ميناء ومحطة بحرية في قارات العالم الست.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.