الغاز:

التداعيات الجيوسياسية للتحولات الراهنة في صناعة الغاز الطبيعي

Trending Events - - دراسة المستقبل - إبراهيم الغيطاني رئيس برنامج دراسات الطاقة - المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبي

تمر صناعة الغاز الطبيعي بتحولات عديدة على المستوى العالمي، بما يفرضه ذلك من تغيرات جيوسياسية مختلفة. وتتمثل أبرز هذه التحولات في صعود مراكز جديدة لإنتاج الغاز في مناطق مختلفة من العالم، خاصة في منطقة شرق المتوسط وأوراسيا وأفريقيا، وتنامي الطلب العالمي على الغاز بالتوازي مع بدايات تغير خريطة توزيع الاستيراد نسبياً، وبروز اتجاهات جديد لحركة تجارة الغاز، وتدشين خطوط أنابيب إقليمية جديدة لنقل الغاز، والتحول التدريجي نحو العقود قصيرة الأجل بدلاً عن العقود الطويلة، ودخول التكنولوجيا كعنصر حاسم في تطوير صناعة الغاز الصخري.

ويمكن التأكيد أن هذه التحولات سوف تترك تداعيات جيواستراتيجية على الساحة العالمية، منها تصاعد التوترات الأمنية والسياسية في بعض مناطق اكتشاف وإنتاج الغاز كما يحدث في منطقة شرق المتوسط، واحتمال استفادة بعض منتجي الغاز سياسياً من خلال تعزيز نفوذهم السياسي، ولكن مع إمكانية تعرض البعض منهم لاستخدام ورقة الغاز للضغط السياسي والتعرض للعقوبات مثلما حدث مع إيران وروسيا، هذا علاوة على تصاعد النفوذ الاقتصادي لبعض منتجي الغاز الواعدين مثل أستراليا. كما سوف يبقى الغاز محدداً رئيسياً للعلاقات السياسية والاقتصادية بين مراكز ودول الإنتاج والاستهلاك، وسبباً لتعزيز التنسيق الأمني بين هذه المراكز للحفاظ على إمدادات الغاز.

في هذا السياق، تتناول هذه الدراسة أبرز الأطر النظرية التي تفسر دور الطاقة في التفاعات العالمية، والمامح الرئيسية لخريطة الغاز الطبيعي العالمية في الوقت الراهن، وأهم التحولات الجارية في صناعة الغاز الطبيعي، والتداعيات الجيواستراتيجية المتوقعة لهذه التحولات مع التركيز على منطقة الشرق الأوسط وأوراسيا باعتبارهما من أكثر مراكز العالم إنتاجاً وتصديراً للغاز الطبيعي.

اأولً: ابرز الأطر النظرية حول دور الطاقة في التفاعلات العالمية

يحظى مجال الطاقة باهتمام واسع من قبل علماء العاقات الدولية، لاسيما منذ سبعينيات القرن الماضي، حينما أبرز حظر تصدير النفط العربي لبعض الدول الأوروبية كيفية استخدام الطاقة كساح جيوسياسي جوهري في أوقات الحروب والصراعات. وقبل ذلك كان الفحم عنصراً أساسياً في التفاعات السياسية بين القوى الدولية المختلفة أثناء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. كما أضحت مصادر الطاقة، من النفط والغاز الطبيعي والطاقة المتجددة، من القضايا التي تحظى بأولوية قصوى في التفاعات العالمية الراهنة.

وعلى ضوء ذلك، اتجه علماء حقل العاقات الدولية بمختلف اتجاهاتهم نحو بلورة مجموعة من الرؤى النظرية حول دور الطاقة في العاقات الدولية، وارتكزت جهودهم بالأساس على دراسة الارتباط بين أمن الطاقة - المقصود به وفق آرائهم توفير موارد للطاقة بأسعار معقولة للمستهلكين– وبين المصالح الوطنية والسياسات الاقتصادية ومدى تأثيرهما بالتبعية على التفاعات الإقليمية والدولية.

وقد رأى أنصار النظرية الواقعية أن أمن الطاقة يعد عنصراً أساسياً لتحقيق الأمن القومي، ولا ينفك تأثير أحدهما عن الآخر. ومن هنا أكد بعض الواقعيين الكاسيكيين أهمية القوة العسكرية في تحقيق أمن الطاقة، خاصة في أوقات الصراع والحروب. واعتبرت "مدرسة كوبنهاجن" أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة بكافة صورها أمر حيوي لتعزيز القدرات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية للدول.

أما أنصار المدخل الليبرالي للعاقات الدولية، فقد أكدوا أهمية توفير موارد الطاقة بأسعار ثابتة ومقبولة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وذلك من خال تعزيز التعاون الدولي والإقليمي عبر المؤسسات الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، ركز أصحاب المدخل المؤسسي على دور المؤسسات الدولية والإقليمية في تعزيز أمن الطاقة على المستوى العالمي، من خال آليات مختلفة، يتمثل أبرزها في تبادل المعلومات وتوفير تكنولوجيا الطاقة ودعم الخبرات الفنية. ومن أهم المنظمات التي تقوم بهذه الأدوار حالياً "وكالة الطاقة الدولية" و"منظمة الدول المصدر للبترول" )أوبك(

ولكن هذه المداخل السابقة، والتي ركزت بالأساس على أمن الطاقة، واقتصرت بشكل أكبر على التعبير عن مصالح الدول المستهلكة، ودفعت الباحثين والمتخصصين في حقل الاقتصاد السياسي في السنوات الأخيرة إلى محاولة وضع إطار نظري لمفهوم أمن الطاقة بحيث يكون أكثر شمولاً وتعبيراً عن مصالح الأطراف الأخرى بمن فيهم منتجو الطاقة.

وفي هذا الصدد، تشير دراسة صادرة عن معهد الدفاع الوطني البرتغالي في عام 2017، إلى أن أمن الطاقة مفهوم واسع ينطوي على أبعاد مختلفة، أمنية ودولية وداخلية واقتصادية، تساهم معاً في تحقيق مصالح كل من المستهلكين والمنتجين.

وبالنسبة للبعد الأمني، فهو يتعلق بتوفير الأمن المادي ونظم أمن المعلومات الازمة لتأمين منشآت الطاقة والتخزين والنقل والتوزيع. وفيما يتعلق بالبعد الخاص بالسياسة الخارجية فهو ما يعرف ب "دبلوماسية الطاقة"، أي إقامة اتصالات سلمية على المستوى الثنائي والمتعدد الأطراف بين مراكز إنتاج واستهاك الطاقة لضمان توفير الطاقة على المستوى الدولي.

ويتطرق البعد الداخلي لمفهوم أمن الطاقة إلى السياسات المحلية الازمة لتأمين الطاقة، وتشمل استراتيجيات الطاقة الوطنية وتحديد مزيج الطاقة المحلي ونظام الاستثمار في مجال الطاقة وإنتاجها وغيرها. ويرتكز البعد الرابع على تتبع تأثيرات موارد الطاقة على تحقيق الأمن الاقتصادي والتنمية الاقتصادية وما يندرج تحت ذلك من قضايا مهمة مثل الحوكمة والشفافية والتوزيع العادل للثروة وغيرها) .)

وبالتوازي مع الجهود النظرية السابقة، برزت في السنوات الماضية دراسات تطبيقية عديدة من قبل الباحثين حول العالم، تناولت العوامل الدولية المؤثرة على أمن الطاقة العالمي، مثل توزيع الاحتياطيات الرئيسية لموارد الطاقة، والموقع الجغرافي للدول المصدرة والمستوردة للطاقة، وخطوط توزيع الطاقة، وغيرها من العوامل الأخرى، التي تكون بدورها مصدراً إما للقوة والنفوذ السياسي الدولي أو سبباً للتنافس والحروب والصراعات والتهديدات الدولية؛ حيث تمت بلورة هذه الآثار الجيوسياسية للطاقة من جانب الباحثين تحت إطار مفهوم جديد يعرف ب "الجغرافيا السياسية للطاقة" ‪.)Geopolitics of Energy(‬

وعند النظر لمتغير مثل القوة الدولية وعاقته بالطاقة، فمما لا شك فيه أن سيطرة الدول على موارد واسعة للطاقة تعد مصدراً للقوة والنفوذ إقليمياً ودولياً، وبالعكس، فقد تكون ندرة الطاقة مصدراً للضعف السياسي والاقتصادي. وفيما يتصل بدور الطاقة في النزاعات أو الصراعات، فاتزال موارد الطاقة حتى الآن سبباً ليس فقط للتنافس بين المستهلكين للسيطرة على موارد الطاقة والاستثمارات الدولية في هذا المجال، وإنما سبباً كذلك في نشوء العديد من النزاعات العابرة للحدود والتدخات الأجنبية والحروب.

ولا يعتبر المحيط الدولي أو الإقليمي الساحتين الوحيدتين للنزاعات الناجمة عن الصراع على موارد الطاقة، وإنما امتد هذا النزاع ليشمل الساحة المحلية أيضاً، حيث قد تكون موارد الطاقة أحد المبررات لإثارة النزاعات المحلية، كما هي الحال في كثير من الدول المنتجة للنفط في منطقة الشرق الأوسط، وبعض الدول الأفريقية مثل نيجيريا، حيث تسعى بعض الجماعات المسلحة للسيطرة على موارد النفط بمنطقة دلتا النيجر.

وعاوة على ذلك يمكن استخدام موارد الطاقة كساح جيوسياسي، لاسيما من قبل الدول المنتجة، وذلك عن طريق خلق فائض في الإنتاج للمورد أو عن طريق خفضه. وفي الحالة الأولى، قد يكون هدف المنتجين إما إضعاف المنافسين الذين يعتمدون بشكل كبير على صادرات الطاقة أو دفع مصادر الطاقة البديلة للخروج من دائرة المنافسة الاقتصادية. وأما في حالة خفض الإنتاج، فيكون الهدف الأساسي هو تحقيق سعر مرتفع للمصدرين) .)

وبالإضافة للنفط الخام، فقد استحوذت موارد الغاز الطبيعي على اهتمام علماء السياسة والاقتصاد منذ فترة ليست بالطويلة، حيث تصاعد مؤخراً الاهتمام بالتأثيرات الجيوسياسية للغاز الطبيعي، لاسيما مع نمو الطلب العالمي عليه كونه وقوداً رخيصاً ونظيفاً ومتعدد الاستخدامات. وقد توسعت الدراسات النظرية والتطبيقة لاحقاً في دراسة تأثيرات الغاز الطبيعي على التفاعات المحلية والدولية على حد سواء، أي دراسة تأثيراته المختلفة على مستوى الاستراتيجيات الوطنية للدول وعاقاتها الخارجية، وكذلك على نطاق التفاعات الجيوسياسية العالمية) .)

ويعتبر الغاز الطبيعي - على غرار موارد الطاقة الأخرى - عاماً حاسماً في تحديد قوة الدول، وقد يكون في الوقت ذاته سبباً لإثارة التنافس والصراع الدوليين أيضاً. فمن الزاوية الأولى، يعد مورد الغاز أحد المحددات الأساسية للقوة الهيكلية للدول وموقعها في النظام الدولي، حيث تكون موارد الغاز الوفيرة مصدراً للثروة المالية، التي يمكن استخدامها لتعزيز القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية المحلية. ومن الزاوية الثانية، يمكن أن تكون تجارة الغاز على سبيل المثال مصدراً لإثارة التوترات السياسية بين الدول، مثلما هو الحال في الوقت الراهن بالنسبة للعاقات المتوترة بين روسيا وأوكرانيا.

وقد ظهر أحد أهم مامح التفاعات الجيوسياسية للغاز الطبيعي مؤخراً في الدور الجوهري التي تلعبه الدول الصناعية المستهكلة في تحديد، ليس فقط ترتيبات الإنتاج العالمي للغاز، وإنما أيضاً مواقع خطوط نقل وتوزيع الغاز في دول دون أخرى، مثل تعزيز نظام الإنتاج في قطر على عكس إيران على سبيل المثال، وهذا ما يفسر نسبياً اندفاع الشركات العالمية التابعة للدول الكبرى في السيطرة على موارد الغاز في بعض الدول المنتجة دون دول أخرى ليس لأغراض اقتصادية وتجارية بحتة فقط، وإنما لأسباب جيوسياسية واستراتيجية أيضاً.

من جانب آخر، لا يمكن إغفال الدور الحيوي الذي بات يلعبه العامل التكنولوجي في التأثير على التفاعات الجيوسياسية العالمية، حيث يتجلى ذلك بوضوح في حالة الولايات المتحدة الأمريكية التي تمكنت في السنوات الخمس الماضية من تحقيق طفرة إنتاجية في إنتاج الغاز الصخري بفضل التطور التكنولوجي لتقنية التكسير الهيدورليكي، وهذا ما سيدعم أهدافها في المستقبل في تحقيق أمن الطاقة والتأثير - إن أمكن - على مجريات أوضاع أسواق الغاز العالمية مع زيادة حصتها التصديرية في الأسواق الدولية تدريجياً) .)

ثانياً: الملامح الرئي�سية لخريطة الغاز الطبيعي العالمية

منذ نهاية العقد الأخير في القرن العشرين، حرصت معظم دول العالم على تنويع مصادر الطاقة لديها، وتبنت في الوقت ذاته سياسات متنوعة للتخلص من الانبعاثات الكربونية النتاجة عن استخدام الفحم والنفط، وهذا ما دفع العديد منها للتوسع في استخدام الغاز الطبيعي في مختلف القطاعات الاقتصادية، خاصة الصناعة والكهرباء.

وبحلول عام 2016، كان الغاز الطبيعي يمثل ثاني أهم مصدر للطاقة على مستوى العالم، بنسبة مساهمة وصلت 24.1% من إجمالي استهاك الطاقة الأولية على المستوى العالمي، وبكميات قدرها 3204.1 مليون طن مكافئ نفط، مقارنة بنحو 3146.7 مليون طن مكافئ نفط في عام 2015، أي بنسبة نمو بلغت 1.8%، ليواصل بذلك معدلات النمو القوية التي سجلها الغاز الطبيعي على مدى العقدين الماضيين) .)

وتأتي الولايات المتحدة الأمريكية كأكثر دول العالم استخداماً للغاز الطبيعي بكميات بلغت 716.3 مليون طن نفط مكافئ، وبحصة 22.3% عالمياً، تليها روسيا بكمية 351.8 مليون طن مكافئ )10.9%(، ثم الصين بكمية 189.3 مليون طن مكافئ نفط )5.9%(، ثم إيران بكمية 180.7 مليون طن مكافئ نفط )5.6%(، ثم اليابان بكمية 100.1 مليون طن مكافئ نفط )3.2.)%

ويبدو أن الإقبال الدولي على التوسع في استخدام الغاز الطبيعي كان حافزاً لكثير من دول العالم لتنمية مواردها من الغاز الطبيعي، سواء لغرض سد احتياجاتها المحلية أو لدعم قدراتها التصديرية. وقد تم بالفعل تحقيق اكتشافات كبيرة من موارد الغاز في أنحاء مختلفة من العالم؛ وهو ما ضاعف من الاحتياطيات العالمية للغاز على مدار العقد الماضي، علماً بأن معظم هذه الاحتياطيات توجد في منطقتي الشرق الأوسط وأوراسيا.

ووفق التقرير الإحصائي لشركة "بي بي" البريطانية لعام 2017، فقد زادت الاحتياطيات العالمية من الغاز الطبيعي خال الفترة من )1996 - 2016(، أي على مدى عشرين

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.