ماذا وراء قطع المغرب علاقتها بإيران؟

Trending Events - - آراء المستقبل - د.إدريس لكريني مدير مختبر الدراسات الدولية حول تدبير الأزمات في جامعة القاضي عياض، المغرب

اتسمت العلاقات المغربية - الإيرانية بالتوتر على امتداد أربعة عقود، فقد قطعت المغرب علاقاتها الدبلوماسية بإيران عام 1980 في أعقاب “الثورة الإسلامية”، واعترافها بجبهة“البوليساريو”،وتوجهاتها العدائية نحو محيطها العربي.

تجاوزات اإيرانية متكررة

في بداية التسعينيات من القرن الماضي، عادت العاقات بين البلدين، مع تبادل السفراء، وتم نسج عاقات طالت عدداً من المجالات، غير أن العاقات تدهورت عام 2009، لتنتهي بالقطيعة مرة أخرى، كردّ فعل من المغرب على تحرّشات إيران بمملكة البحرين، وصدور تقارير وأخبار تفيد بتورّط إيران في تهديد الوحدة المذهبية والأمن الروحي للمغاربة من خال نشر التشيّع، قبل أن تنتهي القطيعة عام 2014 بصورة متدرّجة.

وفي مايو 2018، أعلنت المغرب عن قطع عاقاته مجدّداً مع إيران، وقد أشار بيان صادر عن وزارة الخارجية المغربية

إلى وجود معطيات ودلائل قاطعة تثبت تورط إيران وحزب الله في المسّ باستقرار المغرب ووحدتها، بتقديمهما الدعم لجبهة "البوليساريو" عبر تسليح وتدريب مقاتليها على حرب الشوارع "من خال دبلوماسي يعمل بالسفارة الإيرانية في الجزائر".

وسارع كل من حزب اله وإيران إلى إنكار هذا الأمر، واعتبرا القرار المغربي غير مبرّر ومبنياً على "معطيات غير دقيقة وغير موضوعية"، بل تم ربط الخطوة بسلسلة الضغوط التي تواجهها إيران من قبل محيطها الإقليمي ومن الولايات المتحدة ضمن "خطة مدروسة مسبقاً".

والواقع أن الأسباب التي ساقتها المغرب لقطع العاقات تفيد بأن الخطوة كانت تطوراً منطقياً، فقد أكدت وزارة الخارجية المغربية أن الأمر يتعلق بقرار سيادي أملته مصالح المغرب الحيوية، ولا عاقة له بأي ضغوط خارجية، منبّهة إلى أن المغرب أعادت العاقات مع إيران بعد قطيعة دامت زهاء سنتين عام 2016، في الوقت الذي كانت فيه عاقات هذه الأخيرة

متوتّرة مع محيطها العربي ومع مجمل الدول الغربية، بما يؤكد استقالية القرار المغربي.

الخطر يطول الجزائر

بعد المحاولات الفاشلة والمحبطة التي قامت بها إيران لنشر التّشيع بالمغرب، والتي ردّت عليها المغرب بقوة، تحوّلت استراتيجية إيران نحو توظيف آليات التآمر في المسّ بوحدة المغرب واستقراره، محاولة بذلك إعادة السيناريو الذي طبقته في العراق وسوريا واليمن، عبر استغال واقع العاقات الجزائرية - المغربية المرتبكة.

والواقع أن الجزائر لا تقدّر خطورة هذا التواطؤ بالنسبة لها، وبالنسبة للمنطقة المغاربية التي نجحت دولها إلى حدّ كبير في تدبير تنوعها المجتمعي بصور بنّاءة، حالت دون سقوطها في صراعات إثنية أو عرقية أو طائفية.

وقد تزايدت تحذيرات النشطاء الجزائريين خال عام 2016 من خطر

انتشار "التشيع" بالباد، ووصل الأمر إلى حدّ المطالبة بترحيل الملحق الثقافي الإيراني بتهم التحريض على الطائفية بالجزائر، مع الإعان عن رفض زيارة روحاني للباد، وهو ما أدى بالفعل إلى إلغاء هذه الزيارة في حينه.

هذا، وتحظى المؤسسة الملكية في المغرب بمكانة سامية على مستوى تدبير الشأن الديني، انسجاماً مع مقتضيات الفصل الحادي والأربعين من الدستور التي تؤكد أن الملك هو "أمير المؤمنين وحامي حمى الملّة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية"، وهو يرأس المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه، باعتباره "الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى التي تُعتمد رسمياً".

روابط روحية و�سيا�سية وثيقة

وفي معادلة العاقات المغربية - الإيرانية، يبرز ملف القارة الإفريقية، وتحظى منطقة غرب أفريقيا على وجه الخصوص بأهمية استراتيجية كبرى بالنظر لموقعها الجغرافي. وتضم هذه المنطقة عدداً كبيراً من المسلمين.

وقد فسَّر بعض المحللين القطيعة بين المغرب وإيران في إطار الصراع الديني والاقتصادي في هذه المنطقة، والواقع أن هذا التحليل يجانب الحقيقة في جزء كبير منه، بالنظر إلى سياق العاقات بين البلدين من جهة وأفريقيا من جهة أخرى.

وتتقاسم المغرب العديد من المقومات مع مختلف الأقطار الأفريقية، فالعاقات بينهما تمتدّ لتاريخ بعيد، فيما أسهمت ظروف الاحتال الأجنبي لعدد من دول القارة في تعزيز مظاهر التعاون والتنسيق بين الجانبين قبيل الحصول على الاستقال وبعده أيضاً في إطار منظمات إقليمية ودولية.

وتشير دراسات متعددة إلى أن كثيراً من الأفارقة ينظرون إلى العاهل المغربي باعتباره أميراً للمؤمنين بالنسبة لأفريقيا أيضاً.

وقد درّبت المغرب عدداً كبيراً من أئمة المساجد والمرشدين الدينيين المنحدرين من بلدان أفريقية، مثل مالي وغينيا وليبيا وتونس، وفق برامج مبنية على الوسطية والاعتدال والتسامح. كما أن اهتمام المغرب بالزوايا والطرق الصوفية في عدد من الدول الأفريقية مثل مالي والسنغال، خاصة الطريقة التيجانية، يجسّد أحد العوامل الروحية التي تدعم هذه العاقات.

وفي منتصف عام 2016 وفي إطار تعزيز وتعميق العاقات المغربية مع محيطها الأفريقي، أُنشئت مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة كإطار للتعاون وتبادل الخبرات والتجارب، والتنسيق بين العلماء على طريق نشر القيم السمحة للإسام.

وتضم المؤسسة فقهاء وعلماء من عدد كبير من البلدان الأفريقية كالسنغال، وتشاد، والغابون، وبنين، وأنغولا، وجزر القمر، وجيبوتي، وسيراليون، ومالي، والكاميرون، وكوت ديفوار.

وقد تم تنصيبهم ضمن هيكلها من قبل العاهل المغربي، الذي اعتبر المبادرة "تجسيداً لعمق الأواصر الروحية العريقة، التي تربط الشعوب الأفريقية جنوب الصحراء بملك المغرب بصفته أميراً للمؤمنين".

محاولت ت�سلل اإيرانية

ليس اهتمام إيران بأفريقيا جديداً، فقد بدأ في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، وتنامى في السنوات الأخيرة بصورة ملحوظة، ما أصبح يثير قلقاً متزايداً في أوساط عدد من دول القارّة. ويجد هذا

الاهتمام أساسه في الرغبة في الاستفادة من الإمكانيات المهمة التي تختزنها أفريقيا على مستوى الاستثمار والطاقة من جهة، والسعي لتطويق المنطقة العربية من جهة أخرى.

وقد حرصت إيران على المزاوجة بين المدخل التجاري و"الديني" في سبيل تمتين عاقاتها مع دول أفريقيا، عبر المساعدات الإنسانية )إنشاء المستشفيات والجمعيات( والتعاون الاقتصادي )بناء مصانع في بلدان أفريقية كأوغندا والسنغال(.. وتمتين عاقاتها مع القبائل والطرق الصوفية ونشر التشيّع، بالصورة التي بدأ بها الحديث عن وجود قدر كبير من التشويش على المذهب السني في المنطقة.

واستغلت إيران الفراغ الذي خلفه تدهور النظام الإقليمي العربي، إضافة إلى ما نتج عن تفشي الإرهاب في العالم من تضييق على المبادرات الخيرية والإنسانية والدعوية العربية في عدد من دول القارة. كما لا تخفى تأثيرات الصورة المسوّقة لزعيم "حزب اله" عبر الإعام "كمقاوم لإسرائيل"، في ترسيخ "تشيع سياسي" استثمرته إيران داخل أفريقيا.

الطائفية �سلاح طهران

لا يخلو التوجه الإيراني نحو أفريقيا من صعوبات تحدّ من فاعليته، تتصل بالمؤامرات التي قادتها إيران في محيطها العربي، ودور طهران في نشر النزعة الطائفية التي ما زالت تفاعاتها وتداعياتها قائمة، عاوة على وجود عدد من المشاريع والتوجهات الإقليمية والدولية داخل القارة، بما يقزّم من أي دور إيراني في هذا الخصوص.

وثمّة فرق شاسع بين التوجه المغربي نحو أفريقيا ونظيره الإيراني، فالمغرب بلد أفريقي وتوجهه يأتي في سياق روابط ممتدّة في التاريخ، وفي إطار بناء عاقات متوازنة مبنية على المصالح المتبادلة بشكل ندّي، أما بالنسبة لإيران فالأمر يتعلق بتوجهات تحكمها خلفيات توسعية تلتقي في جزء كبير منها مع توجهات القوى الاستعمارية التقليدية في المنطقة.

بعد محاولات إيران الفاشلة لنشر التّشيع بالمغرب، والرد المغربي الصارم عليها، تحوّلت استراتيجية إيران نحو توظيف آليات التآمر في المسّ باستقرار المغرب ووحدته، محاوِلةً بذلك إعادة السيناريو الذي طبقته في العراق وسوريا واليمن، عبر استغلال واقع العلاقات الجزائرية - المغربية المرتبكة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.