كيف تفكر النخبة الحاكمة في جيبوتي؟

Trending Events - - آراء المستقبل - د. حمدي عبدالرحمن الأستاذ بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة زايد

ظلت جيبوتي بعد حصولها على الاستقلال عام 1977 محمية فرنسية يتجاهلها الجميع. وفي ظل شح الموارد الطبيعية وفقر السكان، لم يكن أمام الرئيس المؤسس حسن غوليد سوى القبول بمبادلة موقع بلاده الاستراتيجي مقابل المساعدات والحماية من قبل الفرنسيين.

وكان عام 1991 فارقاً بالنسبة لجيبوتي؛ لأنه شهد مولد إريتريا في الشمال وأرض الصومال في الجنوب، وكلتاهما يرتبط مع جيبوتي بعاقات اللغة والنسب. ولم يكن الوضع الداخلي آنذاك مستقراً في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس حسن غوليد، وقبيل الانتخابات الرئاسية عام 1999 آثر الرجل أن يتنحى وحل محله ابن أخيه، كما يُعتقد، إسماعيل عمر غيلة، والذي نجح منذ ذلك الحين في تأسيس نظام حكم أبوي جديد يقوم على توزيع منافع دولته الريعية وفقاً لنمط القائد والأتباع.

ولا يخفى على المتابع لتحولات القرن الأفريقي ماحظة وجود توجهات سياسية جديدة لدى النخبة الحاكمة في جيبوتي في مرحلة ما بعد الرئيس المؤسس. وسوف نحاول في هذا المقال الإجابة عن عدد من التساؤلات المهمة التي تساعدنا على فهم الطريقة التي تفكر بها النخبة الحاكمة هناك.

دوافع التحول في الخيارات ال�ستراتيجية

لقد تعلمت جيبوتي في مرحلة ما بعد الاستقال كيفية تحقيق عوائد مادية من خال الاستفادة من موقعها الجيوستراتيجي. إنها دولة صغيرة المساحة )نحو 23 ألف كم ) والسكان )نحو 900 ألف نسمة(، وعلى الرغم من ذلك حباها اله بنعمة المكان الذي يطل على الشاطئ الغربي لمضيق باب المندب. ولا تكاد جيبوتي تبعد عن اليمن نحو 30 كم فقط، الأمر الذي يجعلها على ارتباط وثيق بمجريات الأحداث في جنوب شبه الجزيرة العربية.

ولم تعرف القيادة السياسية، ربما بسبب تعقيدات طبيعة النظام الدولي، طريقة الاستفادة القصوى من أهمية الموقع والمكان، فاقتصرت على ما حصلت عليه من عوائد مادية وأمنية مقابل احتفاظ فرنسا بقاعدة عسكرية في العاصمة جيبوتي.

بيد أن عوامل ثاثة نابعة من البيئة الداخلية دفعت النخبة الحاكمة لتبني فكر سياسي واستراتيجي جديد أكثر انفتاحاً على الخارج. وأول هذه العوامل هو شح الموارد الطبيعية وتفشي الفقر. أما العامل الثاني فهو يرتبط بارتفاع نسبة التحضر، حيث يعيش نحو 82% من السكان في العاصمة وما حولها، ولاتزال بقية السكان تمارس حرفة الرعي والتنقل وراء الماء والكلأ.

ودفع العامان السابقان باتجاه إفراز العامل الثالث، وهو تأسيس قواعد نظام سياسي أبوي جديد يدور حول شخص الرئيس الذي تخلص من المعارضة وقام بشراء الأتباع والمؤيدين من خال نمط القائد والأتباع.

أما من جهة الدوافع الخارجية للتحول، فثمة دوافع ثاثة أسهمت في تغيير نمط الفكر الاستراتيجي لمن يحكم في جيبوتي، أولها الحرب بين إثيوبيا وإريتريا في 1998 - 2000، حيث اضطرت أثيوبيا التي أضحت دولة حبيسة إلى الاعتماد في تجارتها الخارجية على جيبوتي، وقد أعاد

ذلك بناء العاقات الأثيوبية الجيبوتية على أسس راسخة، في الوقت نفسه الذي اهتزت فيه أركان العاقات مع إريتريا بسبب نزاعها الحدودي مع جيبوتي.

وقد أسهم النمو المتسارع والتحوّل الهيكلي لاقتصاد إثيوبيا على مدى العقد الماضي في زيادة توثيق روابطها مع جيبوتي. أما الدافع الثاني للتغيير فإنه يرتبط بتحولات الفكر الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 الإرهابية، فقد أنشأت الولايات المتحدة قوة مهام مشتركة للقرن الأفريقي. وفي عام 2008 تم دمج هذه القوة في قيادة "أفريكوم"، كما أصبحت المنشآت العسكرية الأمريكية في مخيم "ليمونيه" بجيبوتي القاعدة الدائمة الوحيدة في أفريقيا.

ويتمثل العامل الثالث في الروابط المعقدة بين العمليات العسكرية المتعددة الأطراف وتدابير مكافحة القرصنة في خليج عدن والمحيط الهندي. فقد وجدت جيبوتي نفسها بمنزلة معمل اختبار للأشكال الجديدة للتعاون العسكري والبحري بين قوات حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. وتعد جيبوتي مركزاً مهماً لتقديم الخدمات اللوجستية في الحملة الدولية لمكافحة القرصنة في خليج عدن.

الموقع الجيو�ستراتيجي للاإيجار

يبدو أن تحولات المشهد الجيوستراتيجي على ضفاف مضيق باب المندب وما حوله، كانت مصدر قلق للقوى الدولية الفاعلة، حيث اتجهت الأنظار نحو تأمين المنطقة.

وفي ظل هذه الأوضاع اتجه قادة جيبوتي نحو الاستثمار في موقع بادهم الاستراتيجي عن طريق تأجير أراضيها للجيوش الأجنبية التي تتطلع إلى إقامة قواعد عسكرية هناك.

ولعل أهمية الموقع هي ما يفسر لنا سر تمسك الفرنسيين بوجودهم العسكري الدائم في المنطقة منذ ما يقرب من 150 عاماً. وفي عام 2008 عندما أراد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تقليص نفقات فرنسا العسكرية في أفريقيا، كانت جيبوتي

خارج هذه الحسابات الاقتصادية.

والجديد هنا هو انفتاح جيبوتي أمام القوى الأجنبية الأخرى، وكأنها ترفع لافتة "قاعدة عسكرية للإيجار". ففي عام 2001، احتاجت الولايات المتحدة إلى موقع متميز بالقرب من الشرق الأوسط لإنشاء قاعدة لمكافحة الإرهاب، ورأى الرئيس غيله أن الفرصة باتت سانحة، مستغاً هذا الوضع الدولي لتحقيق الربح وتحويل باده إلى دولة ريعية خالصة.

وبالإضافة إلى الأساطيل الدولية التي تجوب المياه قبالة السواحل الجيبوتية، فإن دولاً، مثل اليابان وإيطاليا والصين والمملكة العربية السعودية أقامت منشآت عسكرية لها في جيبوتي. ومن الواضح أن مبادلة الموقع بالمال تشكل دعامة لاستراتيجية جيبوتي الكبرى، التي من غير المرجح أن تتغير حتى مع تغير القيادة الحاكمة.

ميناء جيبوتي

إضافة إلى الاستثمار في الموقع، تمتلك جيبوتي مصادر أخرى متجددة يمكنها استخدامها لجعل الباد أكثر استقراراً من الناحية الاقتصادية، إذ تمتلك جيبوتي ممر شحن تجاري إقليمي وعالمي كبيراً، نظراً لارتباطه بنمو الاقتصادات المحيطة، كما أنه يشكل شريان الحياة التجارية للعديد من البلدان غير الساحلية، مثل جنوب السودان وإثيوبيا.

وقد نجحت الحكومة بدعم خارجي في تطوير الميناء ليصبح جزءاً مهماً من منظومة شبكة تبادل بحري دولية تربط بين قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا.

العلاقة مع اأثيوبيا

تشكل العاقة مع أثيوبيا ركيزة أساسية للدخل في جيبوتي، فبعد استقال إريتريا وانهيار الصومال تكاد تكون جيبوتي

الممر الوحيد للتجارة الأثيوبية مع العالم الخارجي. وفي أكتوبر 2016 تم افتتاح خط سكك حديد جيبوتي- أديس أبابا الذي يبلغ طوله نحو 756 كيلومتراً، ومولته الصين. ولاشك أن هذا الخط الحديدي سوف يساعد على دعم العاقات التجارية بين البلدين. وعليه فقد أضحت التجارة مع إثيوبيا هي المحرك الكبير في اقتصاد جيبوتي، وهو ما يعني وجود عاقة ترابط وثيقة بين الطرفين بحيث لا يمكن لأحدهما البقاء دون الآخر، فنحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي لجيبوتي يأتي من عاقاتها التجارية مع إثيوبيا.

التحدي القادم

تجد جيبوتي نفسها مضطرة إلى التعامل مع أي قوة دولية مستعدة لاستثمار في قطاعات اقتصادها الحيوي على المدى الطويل. ونظراً لأن فرنسا والولايات المتحدة توجهان أنظارهما صوب مناطق أخرى من العالم، فقد اتجهت جيبوتي نحو دعم عاقاتها بالصين.

وتستثمر الصين في قطاعات الطرق والموانئ والسكك الحديدية، حيث تسعى قيادة جيبوتي إلى محاكاة نمط التنمية في كل من دبي وسنغافورة. على أن التواجد الدولي الكثيف، لاسيما الصيني، على الأراضي الجيبوتية قد يدفع إلى التصادم والاحتكاك، وهو ما يعكسه تزايد القلق الغربي والأمريكي من وجود القاعدة العسكرية الصينية بالقرب من الحشود العسكرية الغربية في جيبوتي.

ومن جهة أخرى فإن تطوير بعض الموانئ الأخرى في مناطق الجوار التي تتمتع باستقرار نسبي مثل بربرة في صومالياند وبوصاصو في بونتاند قد يمثل بالنسبة لميناء جيبوتي منافسة لا يستهان بها، وعلى الرغم من ذلك فسوف تظل جيبوتي، على الرغم من كل تناقضاتها الاقتصادية المحلية، تحظى بدعم كبير من حلفائها ومانحيها على اختاف توجهاتهم الأيديولوجية. وعلى الرغم من أبوية النظام الحاكم وتسلطيته، فإنه سوف يحافظ على ريعية الدولة، مستفيداً من استمرار هشاشة النظام الاقليمي، لكن الرياح قد تأتي بما لا تشتهي السفن.

اتجه قادة جيبوتي نحو الاستثمار في موقع بلادهم الاستراتيجي عن طريق تأجير أراضيها للجيوش الأجنبية التي تتطلع إلى إقامة قواعد عسكرية لتأمين باب المندب.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.