علاقات برجماتية:

دور الكنيسة الأرثوذكسية في دعم السياسات الروسية

Trending Events - - كيف يفكر العالم الثاني؟ - جوليا ترويتسكايا كبير المراسلين في وكالة الأخبار الدولية، ”روسيا سيغودنيوا“، الإمارات

استفاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تنامي دور الكنيسة الأرثوذكسية لخدمة سياساته الرامية إلى الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي داخلياً، وتوسيع نفوذ روسيا إقليمياً ودولياً، والاستفادة في ذلك من ارتباط الكنيسة الروسية مع الكنائس الأرثوذكسية في الجمهوريات السوفييتية السابقة، في إطار ما يعرف باسم "العالم الروسي".

تباينت العلاقة بين الدين والدولة من فترة زمنية لأخرى على امتداد التاريخ الروسي. ففي بعض الفترات، كانت الكنيسة تؤثر بشكل مباشر على سياسات النخب الحاكمة الداخلية والخارجية، في حين أنه في بعض الحالات الأخرى كانت مجرد أداة بيد النخب الحاكمة توظفها في تمرير سياساتها.

وتكتسب العلاقة في روسيا الاتحادية بين الدولة والكنيسة في المرحلة الحالية طابعاً مختلفاً عن النمطين السابقين، إذ صارت تقوم على أسس مصلحية متبادلة، يبرز فيها تناغم بين سعي الكنيسة الأرثوذكسية لاستعادة دورها في المجتمع الروسي، وتعزيز مكانتها الدينية إقليمياً، وبين حاجة الدولة لمؤسسات دينية قادرة على لعب دور يصب في خدمة أهداف السياستين الداخلية والخارجية للنخب الحاكمة. وسوف يتم التركيز على تطور العلاقة بين الدولة والكنيسة في روسيا، وعلى الأدوار الداخلية والإقليمية التي قامت بها الأخيرة.

اأولاً: تطور العلاقة بين الكني�سة والدولة

يرجع تاريخ اعتماد موسكو على الديانة المسيحية منذ لحظة تأسيس دولة روسيا الحديثة، إذ تشكلت النواة القومية للدولة الروسية نتيجة اتحاد عدد من القبائل السلافية، بعد اعتناقها الديانة المسيحية، وذلك في عهد الأمير "فلاديمير

سفياتسلافيتش" عام 980 م. ومنذ تلك اللحظة ظهرت بين مجموعة الدول الأوروبية المسيحية إمارة "كييفسكايا روس") ،) وهي دولة ظهرت في القرون الوسطى في شرق أوروبا، نتيجة اتحاد عدد من القبائل السلافية الشرقية، بقيادة أمراء من سلالة "ريوريك"، وامتدت بين نهري "دنيستر" و"الفولجا"، وعاصمتها "كييف" عاصمة أوكرانيا حالياً. ونظراً لأن روسيا الوليدة آنذاك كانت دولة متعددة القبائل، فقد احتاجت إلى "عقيدة" قوية يتوحد الجميع حولها، وهو ما ساهم في اعتناق المسيحية") .)

ومع تطور الدولة الروسية وتوسعها، تفاوت دور الكنيسة قوة أو ضعفاً من فترة تاريخية لأخرى، ففي أغلب فترات العهد القيصري، لعبت الكنيسة دوراً محورياً في التأثير على القرارات الصادرة عن الأباطرة والقياصرة الروس، غير أن هذا الدور ما لبث أن تراجع بشدة في أعقاب الثورة البلشيفية في عام 1917، وقيام الاتحاد السوفييتي، وتبنيه سياسات مناوئة لكل الأديان بشكل عام.

واستمر الوضع حتى تولى "ميخائيل جورباتشوف" منصب سكرتير عام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1984، وأطلق سياسة "بيريسترويكا" التي شكلت بداية الانفتاح على الغرب. وقامت الكنيسة الأرثوذكسية بدور غير مباشر في

مساعيه للتقارب مع الغرب. فإلى جانب اتفاق جورباتشوف مع الولايات المتحدة على تقليص الأسلحة الاستراتيجية، كان في حاجة إلى التأكيد على تبنيه سياسات ليبرالية تسمح بحرية الاعتقاد الديني، وذلك في مقابل الحصول على دعم مالي غربي للاقتصاد السوفييتي المنهار) ومن ثم مثلت الكنيسة إحدى أدوات جورباتشوف للتقارب مع الغرب.

ومع سقوط الاتحاد السوفييتي، وتولي بوريس يلتسن منصب أول رئيس لروسيا الاتحادية عام 1991، قام باتخاذ عدد من الإجراءات لإعادة بناء الدولة الروسية، والتي هدفت في أغلبها إلى إحياء تقاليد الحياة السياسية المتعارف عليها في عهد "الإمبراطورية الروسية"، وهو ما وضح في إعادة تسمية المؤسسات التشريعية والتنفيذية، فضلاً عن تغيير شعارها الرئيسي لكي يرمز إلى المكونات السياسية والدينية للدولة، والتأكيد على مكانة روسيا كقوة إمبراطورية.

ومن أهم تلك الخطوات المرسوم الذي أصدره مساء يوم 21 سبتمبر عام 1993، حول "إصلاحات دستورية في روسيا الاتحادية"، والذي بموجبه قرر حل "مجلس نواب الشعب" )البرلمان(، وإجراء انتخابات برلمانية جديدة لمجلس الدوما في 11 – 12 ديسمبر 1993. وكان لافتاً أن يلتسن قرر في نص المرسوم تغيير اسم البرلمان من "مجلس نواب الشعب" إلى "مجلس الدوما"، وهو اسم البرلمان في السنوات الأخيرة من عهد روسيا القيصرية) .)

وفي 30 نوفمبر 1993 أصدر يلتسن مرسوماً لإلغاء شعار روسيا السابق، المعتمد إبان الحقبة السوفييتية، واعتماد شعار جديد، تتطابق تفاصيله مع شعار الإمبراطورية الروسية، وهو عبارة عن "نسر ذهبي برأسين، على مخمل أحمر، تعلو النسر تيجان الإمبراطور بطرس الأكبر، ويحمل على أحد جناحيه صولجاناً، وعلى الجناح الآخر "جوهرة الكرة") ويرمز الصولجان إلى السلطة، في حين أن جوهرة الكرة، وهي عبارة عن كرة يعلوها صليب عادة، ترمز إلى سلطة الكنيسة.

وأولى يلتسن اهتماماً خاصاً بدور ومكانة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وذلك على الرغم من أنه لم يكن متديناً، حيث واظب على تقليد المشاركة في احتفالات الميلاد في الكنيسة. ومع الوقت نشأت علاقة وطيدة بينه وبين البطريرك "أليكسي الثاني") وقدم طيلة سنوات حكمه كل الدعم للكنيسة، ليكون بذلك صاحب الفضل الأكبر في استعادتها موقعها ومكانتها في المجتمع والدولة الروسية) .)

وحافظ فلاديمير بوتين، الذي تولى الرئاسة خلفاً ليلتسن على العلاقة الطيبة نفسها، ووضح هذا منذ لحظة تولي بوتين الحكم، فقد حضر البطريرك أليكسي الثاني مراسم نقل السلطة من يلتسن إليه، في رمزية تدل على استعادة الكنيسة مكانتها، التي فقدتها إبان الحقبة السوفييتية، خاصة أن البابا شهد مراسم أول نقل للسلطة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي) .)

ثانياً: اأدوار الكني�سة في عهد بوتين

تولى بوتين رئاسة روسيا في عام 2000 بمباركة من الكنيسة الأرثوذكسية، ففي ختام مراسم تنصيبه، شارك في صلاة في كتدرائية البشارة، الواقعة ضمن مجمع الكرملين، التي أقيمت من أجل عافية وطول عمر الرئيس) وعلى الرغم من تأكيد الدستور الروسي في المادة )14( منه على علمانية الدولة) غير أن الصلاة بعد الانتهاء من مراسم تنصيب الرئيس أصبحت تقليداً كرره بوتين في مستهل كل ولاياته الرئاسية، وكذلك فعل "دميتري مدفيديف" خلال تنصيبه رئيساً 2008( – 2012(، وقد جسد هذا التقليد تعزيز الكرملين لدور الكنيسة، والذي اتخذ الأبعاد التالية: 1- تعزيز القومية الروسية: سعى بوتين منذ السنوات الأولى لتوليه الحكم في المضي قدماً لاستعادة قوة الدولة الروسية، عبر تعزيز الاستقرار الداخلي، وإحياء أمجاد الإمبراطورية الروسية باستعادة موقعها ونفوذها إقليمياً ودولياً. ولتحقيق أهداف سياساته استعان بكافة الأدوات المتوفرة، الاقتصادية والسياسية، ولم تفته الاستفادة من التأثير الكبير للمؤسسات الدينية على المجتمع الروسي، فضلاً عن العلاقات التي تربط بين هذه المؤسسات ونظيرتها في الدول الأخرى حول العالم، لاسيما الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، خاصة أنها تاريخياً كانت تقود الكنائس الأرثوذكسية خارج روسيا، خاصة في دول الاتحاد السوفييتي السابق، وقد عبّر بوتين عن هذه الحقيقة، إذ أوضح أن "الكنيسة تقوم بدور إيجابي وبنّاء جداً"، مشيراً إلى أنه "مع اعتناق المسيحية، الأرثوذكسية، بدأت تتشكل القومية الروسية كقومية موحدة، وبدأت تتشكل الدولة الروسية المركزية) .) 2- الدفاع عن العالم الروسي: لم يغب العامل الديني عن رؤية بوتين لتعزيز مكانة روسيا إقليمياً، ودولياً، فإلى جانب مشاريع التكامل الاقتصادي مثل "الاتحاد الاقتصادي الأوراسي"، و"الدولة الاتحادية الروسية – البيلاروسية"، عمل الرئيس الروسي على الاستفادة من انتشار الجاليات الروسية في عدد من دول العالم، وكذلك الكنائس التابعة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وذلك عبر تأسيس "صندوق العالم الروسي"، والذي يهدف إلى نشر اللغة الروسية في الدول الأجنبية") ومع أن الجهات المؤسسة للصندوق وفق المرسوم الرئاسي هي وزارة الخارجية ووزارة التعليم العالي، فإن الكنيسة باتت مساهماً رئيسياً في النشاطات التي تحقق أهداف ذلك الصندوق.

وكشف البطريرك كيريل، بطريرك موسكو وسائر الأراضي الروسية، عن رؤية الكنيسة للعالم الروسي، إذ أشار إلى أن "العولمة تشكل تحدياً للهوية الثقافية والقومية الروسية"، وأن "ممثلي مختلف الثقافات يقفون اليوم أمام خيار، إما الانضمام إلى العولمة والانصهار فيها، أو أن يكونوا كياناً مستقلاً في بنية العالم التي تتشكل"، معبراً عن قناعته عن قدرة العالم الروسي أن يلعب دوراً مؤثراً على الساحة العالمية) .)

وتجدر الإشارة إلى أن الفهم الكنسي للعالم الروسي يقتصر فقط على تأكيد الوحدة الثقافية مع كل من أوكرانيا وبيلاروسيا، فقد أكد البطريرك كيريل أن العالم الروسي هو في الوقت ذاته العالم الأوكراني والعالم البيلاروسي، أي أنه الحيز الجغرافي، الذي الذي اعتنقت فيه الشعوب السلافية المسيحية في عهد الأمير فلاديمير، ووحدها وأسس دولة "كييفسكايا روس" عند نهر الدنيبر )في العاصمة الأوكرانية كييف() .) 3- دعم الكنائس الروسية في أوكرانيا: احتفظت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بنفوذ ديني على الكناس الأوكرانية، غير أن نفوذها واجه تحدياً كبيراً مع اندلاع الأزمة الأوكرانية في عام 2014 وهو ما وضح في انقسام البطريركيات داخل أوكرانيا، بين بطريركية حافظت على تبعيتها إلى موسكو، في حين أن الثانية انفصلت مؤسسة بطريركية أوكرانيا، وذلك بإيعاز من السلطات الأوكرانية.

وتعود مخاوف السلطات الأوكرانية من علاقة البطريريكية الروسية بنظيرتها الأوكرانية إلى سنوات سبقت نشوب أزمة شرق أوكرانيا، حيث كانت دوماً تتخوف من استغلال موسكو لهذه العلاقة في تمرير خططها السياسية. ووضح ذلك في تحذير البطريرك فيلاريت، بطريرك كييف، للبطريرك كيريل عند زيارته إلى الكنائس التابعة لبطريركية موسكو في أوكرانيا في عام 2010، من إطلاق تصريحات سياسية، متهماً إياه بأن زيارته ليست دينية، بقدر ما هي سياسية بنية نشر عقيدة ما يُسمى "العالم الروسي") .)

ومع تصاعد الأزمة الأوكرانية، سعى الرئيس الأوكراني "بيوتر بوروشينكو" إلى تحريف التاريخ، عندما سعى لتأكيد مركزية الكنيسة الأوكرانية، وأن الكنيسة الروسية هي التي تتبعها، وليس العكس، وذلك بالمخالفة للوقائع التاريخية المستقرة) كما دعم بورشينكو جهود البطريرك المسكوني "برثلماوس" لمحاولته توحيد الكنائس الأوكرانية الثلاثة، ومن ضمنها الكنيسة الروسية) .) 4- مساندة المسحيين في الشرق: عبّرت الكنيسة الروسية عن قلقها على مصير الاقليات المسيحية في سوريا منذ اندلاع الصراع المسلح هناك. وأكد البطريرك كيريل أن "المأساة في سوريا والعراق تحولت إلى مأساة كبرى بحق المسيحيين. ومع أنه ليس من الصواب القول إنها مأساة المسيحيين فقط، إذ يعاني المسلمون كذلك، لكن معاناة المسيحيين أكبر لأنهم أقلية في تلك الدول والقضاء عليهم سيؤدي إلى زوال الوجود المسيحي في الشرق الأوسط، وهذه كارثة حضارية") .) وحافظت الكنيسة على مدار سنوات الأزمة على تواصلها مع الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس الأخرى في سوريا، وقامت بإرسال المساعدات إليهم.

وعلى الجانب الآخر، أكدت الحكومة الروسية أن أحد أهداف عملياتها العسكرية "ضد الإرهاب" في سوريا هو الدفاع عن العالم المسيحي الأرثوذكسي. وعبرت عن هذا الموقف بوضوح "إيرينا ياروفايا"، نائبة رئيس مجلس الدوما، إذ أوضحت على هامش مشاركتها في المؤتمر العام للأرثوذكس في مبنى البرلمان اليوناني، أن "الحرب ضد الإرهاب التي تقوم بها روسيا في سوريا، ليست حرباً من أجل مصالحها، بل نضال من أجل مصالح جميع الأرثوذكس، وكل المدنيين المهددين بالموت على يد القوة الأكثر فتكاً ووحشية في العالم") في إشارة منها إلى تنظيم "داعش" الإرهابي.

وفي الختام، يمكن القول إن الدين مثّل إحدى الأدوات التي ارتكنت إليها الحكومة الروسية في محاولتها لبناء الدولة الروسية، وإيجاد عقيدة روسية جديدة تغاير الأيديولوجية الشيوعية المنهارة، والقيم الليبرالية الغربية التي تنظر إليها النخبة الحاكمة في الكرملين بشك كبير، وتحملها مسؤولية تفشي الانحلال الأخلاقي في المجتمع، خاصة مع إضعافها لقيم العائلة، ومن ثم فإن إحياء دور الكنيسة ساهم في تحقيق الاستقرار المجتمعي، فضلاً عن إمكانية توظيفه كأداة لنشر وتبرير الدور الروسي الخارجي.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.