لماذا تحظى السياسات اللاعقلانية بالقبول الشعبي؟

Trending Events - - آراء المستقبل -

لقي العديد من القادة الذين طرحوا شعارات غير عقلانية أثناء حملتهم الانتخابية تأييداً شعبياً جارفاً، وهو ما يثير التساؤل حول أسباب هذا القبول الشعبي الواسع لهذه الشعارات المتطرفة.

وفي محاولة لتفسير هذا السلوك يتساءل المختصون عما إذا كان يرجع إلى نوع من أنواع التصويت الاحتجاجي على النظام السياسي السابق، والذي عجز عن حماية مصالح المواطنين الاقتصادية، أم إلى الرغبة في التخلص من القادة السياسيين الذين عجزوا عن طرح حلول واقعية لمشاكلهم.

وعود كبيرة

عادةً ما يدلي الأشخاص بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية متأثرين بالبيئة المحيطة وتوجهاتها الاجتماعية والسياسية، وربما نزعاتها الدينية، أو نتيجة وعود قطعها المرشح على نفسه بحل مشاكل الناس الاقتصادية والاجتماعية، أو بوعود سياسية يطلقها لفئة من الناخبين، كوعود الرئيس الأمريكي ترامب لناخبيه أو داعميه الماليين من اليهود.

هذا، وأعتقد أن أي مرشح برلماني أو رئاسي لا بد له من دراسة توجهات الناس وحاجاتهم قبل أن يطلق وعوده الانتخابية. وقد يطلق المرشح دعوات وشعارات تبدو في بعضها أو في معظمها عنصرية، أو تستهدف جماعة من الناس لمعتقداتها الدينية أو أوضاعها الاجتماعية، وربما للون بشرتها أو ملامحها، من منطلق أنها سبب لبعض المشكلات الاجتماعية أو الاقتصادية التي يعانيها الناس، كالجريمة والبطالة وغيرهما. وهذه كلها، أو بعضها، وعودٌ وشعارات تثير حماس الناس وعواطفهم، وربما نوازعهم البدائية التي قد تصل إلى درجة الانتقام.

وكل هذه شعارات ووعود تكون غالباً غير قابلة للتحقق، وتفتقر إلى أي قدر من العقلانية السياسية، وقد تحمل في طياتها بعض التداعيات المدمرة على نسيج المجتمع وعلاقة مكوناته المختلفة بعضها ببعض، أو قد تعرِّض علاقات الدولة الخارجية للتهديد. وقد لا نبالغ إذا قلنا إن مواقف ترامب من اللاتينيين والمسلمين، وربما السود الأمريكيين، قد أثارت عند بعض الأمريكيين نوازعهم البدائية، كما أنها قد تعيد للمجتمع بعض السياسات القائمة على أساس الدين والعرق واللون، أو تفتح عليه أبواب صراع اجتماعي قائم على هذه المعطيات.

تراجع الديمقراطية عالمياً

يجب أن نُقرَّ وندرك أن هناك تحولات باتت تجتاح العالم، لا يمكن أن نعزوها إلى سبب اقتصادي أو سياسي محدد أو إلى شخصية محددة في العالم، حتى إن بدا أن شخصيات بعينها تقف وراءها. فما نراه الآن هو نتيجة لأحداث وتحولات مرت عليها سنوات. وأعتقد ما نحن فيه ليس إلا مرحلة من مراحل التحول التي يبدو العالم في معظمه داخلاً فيها. فالعالم، كما تقول مجلة "فورين أفيرز"، في عدد مايو ويونيو 2018، يشهد ما تسميه المجلة "موت الديمقراطية" أو ما أسميه "أفول الديمقراطية".

وقد حددت المجلة ملامح هذا الأفول في مجموعة من السمات، من أهمها تمركز القوة في السلطة التنفيذية

أو في شخص رئيسها، وهو أمر بتنا نشهده في حالات روسيا والصين وتركيا وفي كثير من دول العالم الثالث. ومحاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخروج عن سلطة السلطات التشريعية والقضائية تُواجه دائماً بقدر كبير من الضبط، أو أنها محاولات لم تنجح بعدُ، وقد لا تنجح مستقبلاً، لأسباب متعلقة بترسيخ قيم المؤسساتية في إدارة الدولة، وهو الأمر الذي تفتقر إليه بعض الدول السابقة. والسمة الثانية هي التسييس الذي بات يخضع له القضاء وأحكامه. أما السمة الثالثة فهي التضييق على الإعلام المستقل والحد من تأثيره، وقد لاحظنا ذلك بشكل جلي بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا في يوليو 2016. والسمة الرابعة هي توظيف الطبقة السياسية حضورها وسيطرتها على مراكز السلطة لتحقيق مكاسب شخصية لها أو للجماعات القريبة منها.

وأعتقد أن الديمقراطية في مواقعها التقليدية في أوروبا الغربية، أو في بعض مواقعها الجديدة في أوروبا الشرقية وجمهوريات آسيا الوسطى، وربما في بعض دول القارة الأفريقية وأمريكا اللاتينية، باتت تمر بإحدى أصعب مراحلها. فاليمين المتطرف في فرنسا كان على وشك القفز إلى السلطة، كما وصل إلى مقاعد الحكم في النمسا وإيطاليا، وهو ذو حضور برلماني مؤثر في ألمانيا، بل إن مواقف بعض دول أوروبا الشرقية وإيطاليا من المهاجرين ورفض دخول اللاجئين إليها ليس إلا انعكاساً لحضور اليمين المتطرف والقوى الشعبوية في حكوماتها.

ومن جهة أخرى، فإن بروز نماذج للنهوض الاقتصادي والقوة السياسية المؤثرة على الصعيد الدولي في دول غير ديمقراطية، كما في حالتي الصين وروسيا، بات يشكل تهديداً ليس فقط لعمليات التحول الديمقراطي في دول العالم الثالث، بل بتعزيزه إمكانية أن يكون نموذجاً قابلاً للتبني من جانب بعض الدول الجديدة الصاعدة في العالم الثالث.

اأ�شباب �شعود اليمين ال�شعبوي

ما هي، إذن، أسباب هذا الصعود الكبير لقوى اليمين والقوى الشعبوية في النظام السياسي الغربي؟ أعتقد أن هناك مجموعة من الأسباب يمكن تحديد بعضها في التالي: 1- التدهور الاقتصادي لبعض الدول الأوروبية كإيطاليا والنمسا وإسبانيا واليونان، وهو تدهور وظّفته القوى الشعبوية لتأكيد فشل القوى المحافظة والاشتراكية في تحقيق معدلات أفضل من النمو الاقتصادي وتقليص حجم البطالة، ووقف تدفق المهاجرين واللاجئين الذين تُنسب إليهم الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. 2- فساد الطبقة السياسية التقليدية بشقيها المحافظ والاشتراكي، والتي دخلت أوروبا بسببها في كثير من المغامرات السياسية الخارجية وفي أزمات اقتصادية كانت تداعياتها كبيرة ومؤثرة.

3- عجز الاتحاد الأوروبي عن تحقيق حلم الصعود الاقتصادي لدول الأطراف الأوروبية في أوروبا الشرقية وفي اليونان والبرتغال وإسبانيا، وهو فشل قاد إلى نقمةٍ على الاتحاد ودعوات للخروج منه. وقد بدا هذا الموقف جليّاً في حالتي اليونان والبرتغال. 4- جاذبية الخطاب الشعبوي للفئات الشبابية، إذ إن الخطاب الشعبوي الأوروبي الذي تتبناه قوى اليمين واليمين المتطرف قد وجد طريقه إلى الفئات الشبابية الجديدة التي لم تشهد فكر وإيديولوجيا الحركات الاجتماعية التي عرفتها أوروبا في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، والتي صيغت وتبلورت في ضوئها الكثير من الحركات الاجتماعية والسياسية المعروفة في أوروبا والعالم الثالث. ويطرح صعود التيارات اليمينية المتطرفة تساؤلات كثيرة حول ما أشيع عن الحصانة الثقافية للناخب الأوروبي ضد الانزلاق نحو تأييد هذه القوى.

5- تراجع عمليات التحول الديمقراطي في دول كانت على أعتاب الدخول إليها، كما في تركيا ودول شرق أوروبا. بل إن العالم بدأ ينظر إلى نماذج من الصعود الاقتصادي في دول لم تعرف حريات سياسية واسعة. والنهوض الاقتصادي لهذه الدول يعفيها من البحث عن ضمانات تحقق لها الشرعية العقلانية، لأن شرعيتها تأتي من قدرتها على تلبية الحاجات الحياتية الأساسية وفرص العمل لشعوبها، وهو ما لم تنجح فيه دول حققت قدراً كبيراً من الحكم الديمقراطي.

إن تركيا الجديدة التي برزت مع صعود حزب العدالة والتنمية في مطلع العقد السابق ليست تركيا التي تشكلّت بعد انقلاب يوليو 2016، بل أن الطبيعة الشعبوية للطبقة السياسية الجديدة باتت تستقطب قطاعات واسعة من الناس على الرغم من أزمات تركيا الاقتصادية، وتدهور علاقاتها السياسية مع جُل الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية.

إضافة إلى ما سبق، فقد تأثرت الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية في سياساتها بالتوجهات الشعبوية لقوى اليمين المتطرف، التي باتت في سدة الإدارة السياسية لبعض دول الجنوب الأوروبي. وهو الأمر الذي يعيد تشكيل كل سياسات دول أوروبا المتعلقة بجالياتها الأجنبية والحريات الاجتماعية والسياسية، وكذلك بمواقف هذه الدول من قضايا حقوق الإنسان وسياسات الهجرة واللاجئين.

بدأ العالم ينظر إلى نماذج من الصعود الاقتصادي في دول لم تعرف حريات سياسية واسعة أو دمقرطة. والصعود الاقتصادي لهذه الدول يعفيها من البحث عن ضمانات تحقق لها الشرعية العقلانية، لأن شرعيتها تأتي من قدرتها على تلبية الحاجات الحياتية الأساسية وفرص العمل لشعوبها، وهو ما لم تنجح فيه دول حققت قدراً كبيراً من الحكم الديمقراطي.

د. باقر النجار أستاذ علم الاجتماع بجامعة البحرين

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.