أرض الأزمات:

البحث عن ”بجعة بيضاء“ في منطقة الشرق الأوسط

Trending Events - - المحتويات - د. محمد عبدالسلام مدير المركز أبوظبي، 2018

البحث عن "بجعة بيضاء" في منطقة الشرق الأوسط د.محمد عبدالسلام

إقليم مزعج، فقد بدأ الشرق الأوسط يتجاوز كل الملامح غير التقليدية التي تم الاعتياد عليها، واعتبرت ‪،)New Normal(‬ إلى بدايات أوضاع جديدة يتسم معظمها بعدم المنطق، قياساً حتى على "غير المعتاد"، لدرجة أن كل التعبيرات التي كانت قد استقرت كأطر نظرية لمحاولة فهم حالة الإقليم، على غرار عدم الاستقرار المزمن أو عدم القدرة على التوقع، قد انتقلت إلى المقررات الدراسية. كما بدأ يتضح عملياً ما الذي كانت تعنيه مفاهيم أكاديمية، مثل "اللانظام"، ووقعت بعض التطورات التي تشير إلى أن العلاقات بين الدول أصبحت تدار بطريقة مكشوفة– وحسب تعبير يتبلور حالياً– "فظيعة" Weird(.)

واحد من تلك الملامح يعود إلى تمييز قديم بين القاعدة والاستثناء، فقد كان من المتعارف عليه أن هناك قواعد لها مسميات مختلفة تحكم "العمليات السياسية"، داخل الدول أو بين الدول، سواء فيما يتعلق بصنع القرارات أو أدوار المؤسسات أو توجهات الشوارع أو علاقات الحلفاء أو اشتباكات الخصوم وغيرها، وفي الوقت نفسه هناك استثناءات يقال إنها تثبت القاعدة، لكن ما حدث هو أن الاستثناءات زادت، بحيث أصبحت تخل بالقواعد ذاتها، ثم انتشرت إلى درجة أنه أصبح من الصعب الحديث عن قواعد أصلاً.

إن العبارات السابقة تبدو بسيطة، لكنها يمكن أن تمتد على استقامتها لتطرح أسئلة – كما حدث في أحد المؤتمرات – عما إذا كان قانون نيوتن الثالث مثلاً، لكل فعل رد فعل، لايزال يعمل بالطريقة نفسها، على الرغم من أن الأمر يتعلق بفيزياء، وعما إذا كانت نظرية "نسيم طالب" الشهيرة حول "البجعة السوداء" في حاجة إلى تعديل مضاد، فما يحدث في الشرق الأوسط حالياً )وفي مناطق كثيرة في العالم بالمناسبة(، يدفع في اتجاه محاولة البحث عن بجعة بيضاء، في ظل انتشار غير طبيعي لوقائع بلا قواعد، ولا منطق أحياناً.

الأ�سراب الهائمة

إنها يمكن أن تشرح بأكثر من طريقة، لكن "طالب" كان يريد أن يلفت الانتباه إلى السيناريوهات الأقل احتمالاً، لكنها الأكثر تأثيراً، وتحديداً التطورات التي يعتقد أنها مستحيلة الوقوع أو لا يمكن أن "توجد"، مثل البجع الأسود، قبل أن تحدث بالفعل، ويحذر من أنه لا توجد دولة أو مؤسسة مثلاً، أو إقليم كذلك، في حصانة منها، والتعديل الرئيسي هنا هو أن ذلك لم يعد نادر الحدوث على الإطلاق، بل ظهرت أسراب كاملة من الأحداث غير المتوقعة على الساحة الدولية، لتطرح أسئلة مختلفة ترتبط بطبيعة كل حالة، بافتراض أن هناك سبباً لوقوع أي شيء، وأنه يمكن اكتشافه.

المشكلة هنا هي أن التداعيات الكبرى في التاريخ تترتب غالباً على "ما كان غير متوقع" من أحداث، وهناك أمثلة متتالية لوقائع مفاجئة ارتبطت بمفهوم "غير المحتمل"، كفوز ترامب وبريكست بريطانيا، ثم تظاهرات فرنسا، وغيرها مما تم اكتشاف تفسيرات له بعد وقوعه، لكن ذلك كان متأخراً، وكان على كل الأطراف أن تتعامل مع نتائج ما جرى، أو تتحوط لتأثيراته. وعموماً، فإن ما يبدو هو أن ما يسمى "المجاهيل غير المعروفة" يمثل أحد اتجاهات التفكير الرئيسية في الإقليم حالياً.

لقد شهدت الفترة الماضية أسئلة كثيرة، تبلورت لبعضها إجابات أولية، ولايزال بعضها قيد النقاش، في ظل اقتناع عام بأنه لا توجد "كتيبات إرشادية" للتعامل مع معظم التفاعلات حالياً، وأن على كل طرف أن يتصرف وفقاً لمتغيرات دون Manual(،) لكن قد تترتب على ذلك في النهاية، أطر جديدة لفهم ما يجرى على الساحة الدولية، خاصة الشرق الأوسط، والأمثلة عديدة: • هل يمكن أن يفوز ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية مرة ثانية عام 2020؟ وهو أحد أكثر الأسئلة المطروحة دلالة في الشهور الأخيرة، فبعد أن كان ثمة نقاش لمدة عامين تقريباً حول سيناريو الإقالة، وخروج الرئيس قبل انتهاء مدته الأولى، أصبح السيناريو الآخر موضع نقاش جاد، بفعل إنجازات اقتصادية له، أو سيطرة "الأسلوب نفسه" على إدارة العلاقات الدولية في حالات أخرى، ويطرح ذلك بالطبع سؤال ماذا لو؟ لكن الأهم هو أنه يوضح أن كل ما يجري لم يعد استثناءً، وأن ال New) )Normal قد أصبح فعلياً هو الطبيعي، أو يمكن أن يصبح كذلك. • لماذا تشهد دول متقدمة تحولات مفاجئة بهذا الحجم أو بتك الحدة؟ والمقصود هو ما حدث في الولايات المتحدة وبريطانيا، ثم تكرر في فرنسا، ففي دولة ديمقراطية عتيدة لديها دستور ومؤسسات وأحزاب ونقابات وانتخابات وإعلام، وتقاليد لإدارة الخلافات السياسية، تنزل "السترات الصفراء" إلى الشوارع وتفرض منطقها، والإجابات الأولى في تلك الحالات تشير إلى صعود الشعبوية، وغيبوبة النخب، وتصدع المؤسسات، وسياسات الشارع، وهناك حالياً افتراضات تمس أسس النظم السياسية، لدرجة أن هناك من يتحدثون عن فاشية في الولايات المتحدة. • ماذا حدث ل "قواعد اللعبة" في العلاقات الإقليمية؟ فلم يعد من الممكن فهم ما يحدث بين أية أطراف متحالفة أو أطراف متصارعة ببساطة، إذ اختلطت قواعد الصراعات والتحالفات معاً. في حروب أفغانستان كان يقال "إنك لن تستطيع التمييز بين حلفائك وأعدائك في مسرح العمليات"، وفي حرب سوريا، التي يصفها الجنرال بتريوس بأنها تشرنوبيل جيواستراتيجي، يقول "إنها المكان الذي عدو عدوك ليس صديقك فيه"، وفي كل التحالفات الدولية حالياً، يبدو كل طرف، وكأنه "قابض على

جمر"، فهناك حروب تجارية وصراعات نفوذ وتشكيل قوات مستقلة، وعدم ثقة، وتنافس حاد مباشر، وتصرفات مزعجة، وتصدع عام للمنظمات الدولية. • كيف يمكن أن تتحول "وقائع فردية" أو "حوادث رئيسية" إلى مشكلات ذات وزن استراتيجي تطرح إمكانية حدوث تحولات كبيرة في اتجاهات إقليم مثلاً لفترة تالية؟، فتأثيرات الحوادث الرئيسية ليست جديدة، إذا مست دولة كبرى، على غرار 11 سبتمبر 2001، لكن لم يكن متوقعاً أن يصل ذلك إلى ما يحث مؤخراً، والتصورات هنا شديدة التعقيد، فهناك شبكة كاملة من العوامل والفاعلين، على استعداد لإشعال حريق في الإقليم، أو دول رئيسية فيه، بمجرد ظهور فرصة لذلك، في ظل توجهات شديدة الشطط من جانب أطراف عربية وإقليمية، أدمنت "الألعاب السيئة". • هل أصبحت "المباريات الصفرية" هي أساس التفاعلات الإقليمية؟ على نحو يذكر بكتاب ‪Zero-Sum World(‬ ،) بحيث أصبح صانعو القرار يعتقدون أن مكسب طرف يمثل خسارة لطرف آخر، وأصبحت المصالح شديدة الضيق تحكم التنافس العادي بين الدول، واتجه الجميع إلى ما أسماه أ. عماد أديب "اللعب على المكشوف"، من دون مواربة، مع تبجح وتصعيد و"لدد في الخصومة"، ليصل الأمر إلى استخدام أساليب الابتزاز الفج من دون أي "حسابات" وكأنها نهاية العالم. المفاهيم المطروحة هنا تتجاوز مسألة المصالح الوطنية وصعود القومية، إلى مفاهيم مركبة سوف تتبلور أكثر فيما بعد. • لماذا لم يعد أحد يفكر "داخل الصندوق"؟ فهناك تحوّل كبير نحو التفكير خارج الصندوق، وتحويل تلك الأفكار مباشرة إلى سياسات، وكأنها الأساس، من دون أي محددات أو محاذير في كثير من الأحيان، فلم تعد السوابق ملزمة، أو الشروط المسبقة مهمة، ولا يريد أحد أن ينتظر، أو يتأنى، أو "يفكر ثانية"، فكل قيود الصندوق قد تبددت، أو يمكن أن تتبدد، وأية أفكار غير تقليدية أو غير معتادة يمكن أن تجد طريقها إلى الواقع، ووضح أيضاً أن ذلك ليس صعباً على الإطلاق، في حالات متعددة. • ما هو مستقبل العالم العربي؟ وهو سؤال قصير للغاية، لكنه يمثل مأساة حقيقية حالياً، فهناك طوفان إقليمي اجتاح حدود المنطقة العربية، ووصل إلى داخلها، وأطراف دولية تحاول إحداث انهيارات كبيرة، أو تنتظر "الثورات التالية" في المنطقة، وعلى الرغم من تصاعد أهمية سياسات الهوية، فإن عدد الدول العربية الذي لايزال يدافع بجدية عن فكرة العروبة أصبح محدوداً، وقد ظهرت مؤخراً "على استحياء" عدة مشروعات لمحاولة "بحث الأمر"، فلايزال الجسد يتنفس، لكن الوقت قصير للغاية، وإذا لم تتبع سياسات محددة للحفاظ على ما بقي من النظام والفكرة، سيجد جيل كامل قادم من أبناء الدول العربية نفسه في "تيه" الشرق الأوسط. • ما الذي ستسببه توجهات تتعلق بتغيير ملامح واتجاهات البنية الأساسية للإقليم؟ وهي إشكالية كبيرة للغاية، لا تتعلق بترتيبات الأمن أو التعاون الاقتصادي الإقليمي، وإنما بما هو أعقد فيما يتصل بمشروعات كبرى يتم التخطيط لها من جانب أطراف مختلفة دولية وإقليمية، كمشروع الحزام والطريق، أو بناء سدود رئيسية، أو قنوات مائية موازية، أو خطوط سكك حديدية عابرة للدول، أو خطوط أنابيب نفط وغاز، وخطوط بحرية، فبنية الإقليم على وشك أن تشهد تحولات هائلة، يمكن أن تتحول إلى واقع خلال فترة قصيرة بفعل تطور التكنولوجيا وتوفر التمويل، وهي تطورات تحول مسارات التاريخ. • وأخيراً، لماذا عادت الأسئلة الوجودية إلى الظهور؟ فبعد أن كان يظن أن العالم قد وصل إلى مستوى من ترتيب أوضاعه فيما يشبه "نهاية التاريخ"، وقيل فيه إن الفلسفة قد اضمحلت أو انتهت، وإن هناك إجابات علمية لكل شيء تقريباً، عادت التساؤلات الكبرى مرة أخرى عن الوجود الإنساني والتاريخ البشرى، وأصبحت كتب مجتمعات الخوف ودروس الماضي واتجاهات المستقبل، من أكثر الكتب مبيعاً، ووصلت الأسئلة إلى نقاش حول الحياة والدين والقيم، وطرح أسئلة حول "الوظائف" والأسرة والمال وتعليم الأطفال، فالقضايا الكبرى تمثل هاجساً في الوقت الحالي، وهناك تداعيات حادة لكل هذا.

اأر�ض الأزمات

في ظل كل ذلك، أو بفعل كل ذلك، فإن التعبير الذي يستخدم حالياً، أكثر من غيره، لوصف حالة الإقليم، هو "أرض الأزمات"، فلم يعد مفهوم "عدم الاستقرار" يقدم شيئاً جديداً، وتحوّل إلى ما يشبه المسلمات التي لم يعد أحد ينتظر العكس معها، فمن يمكنه أن يأمل حالياً – استناداً على مؤشرات محددة – في أن يشهد الإقليم استقراراً، في المدى القصير على الأقل، على الرغم من التسويات الأولية التي تتم في سوريا واليمن وليبيا.

الفكرة الواضحة، عملياً، هي أن الإقليم يفرز أزمات كل يوم، وأن كثيراً منها "خارج النموذج"، وفق تعبيرات نظرية البجعة السوداء، والاستراتيجيات الأولية في تلك الحالات بسيطة – وفق منطق النظرية نفسها أيضاً – وهي "تجنب أن تذبح"، فالبقاء مسألة أساسية، لكنها بديهية أيضاً، إلا أن ما ليس بديهياً هو "الأمن"، فحجم هائل من التفاعلات الحالية يتعلق بالأمن، أو يمكن أن يؤثر عليه بشكل مباشر.

إن كثيراً مما سمي "الأسئلة الهائمة" التي رصدت هنا، يمكن أن تفرز تأثيرات أمنية، لكن الأهم هو سؤال إضافي، يعرف الجميع أن الجميع يفكرون فيه، وهو تأثير التطورات التكنولوجية والأوضاع الاقتصادية على أمن دول الإقليم، وباختصار شديد، فإنه لا يجب على أي دولة عربية، لاتزال على قناعاتها بأهمية الدولة وقيمة الهوية، أن تسمح بظهور أي "بجع أسود" في مجالات الدفاع والاستقرار، وأن تتحسب لما هو غير متصور، أو حتى غير منطقي، مهما كان الثمن، إلى أن تستقر ملامح ما لمنطقة الشرق الأوسط.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.