تناقضات المصالح:

انتشار أنماط ”صراعات التسوية“في المنطقة العربية

Trending Events - - المحتويات - محمد بسيوني عبدالحليم باحث في العلاقات الإقليمية، مصر

انتشار أنماط "صراعات التسوية" في المنطقة العربية محمد بسيوني عبدالحليم

لم تؤد مبادرات تسوية الصراعات في المنطقة العربية إلى تخفيض حدتها، بقدر ما أنتجت موجة جديدة من العنف المتبادل يمكن وصفها ب”صراعات التسوية“. ويرتبط ذلك بالتعارض الحاد بين مصالح الفاعلين المنخرطين في الصراعات.

اأولً: مع�سلة ال�سراعات العربية

يفترض بيتر فالنستين أن "فرص تسوية الصراع قد تتضاءل إن تطور الصراع إلى حالة حرب، إذ إن الأطراف الرئيسية ستسعى في هذه الحالة إلى تحقيق النصر بدلاً من البحث عن تسوية مشتركة، وفي حالة نشوب الحرب تصبح إمكانية انتصار طرف على آخر نتيجة محتملة جداً، وقد تصل إلى مرحلة استسلام الطرف الآخر وتفككه وانتهاء وجوده بوصفه طرفاً فاعلاً في الصراع") .)

وفي هذا الصدد، أضفى امتداد الصراعات في المنطقة العربية مزيداً من التعقيدات على مسارات التسوية، التي أضحت بشكل أو بآخر حروباً أهلية. فعامل الوقت تكفل بتدخل المزيد من الفاعلين في الصراعات لتتراجع سلطة الدولة المركزية وتصبح المنطقة إطاراً للتأكيد على مقولات وفرضيات ظاهرة "الدولة الفاشلة" وظهور ما يُعرف "بمناطق خارج سيطرة الدولة" ‪Stateless Areas(‬ ،) والتي بدورها تقدم للفاعلين المسلحين من غير الدول فرصاً للحضور وتأسيس نمط مستقل من السلطة بعيداً عن الدولة.

شكلت هذه المعطيات بيئة محفزة لصعود موجة من "صراعات التسوية"، وهي الصراعات التي رافقت مبادرات وأطروحات التسوية، وفي هذا السياق ارتبطت "صراعات التسوية" في المنطقة العربية بعدد من الأبعاد الرئيسية تمثلت فيما يلي: 1- اقتصادات الحرب: أفضت الصراعات القائمة إلى تراجع سلطة الدولة وقدرتها على أداء وظائفها لتنشأ قوى موازية تستفيد من هذا الغياب اقتصادياً، وذلك في خضم ما يطلق عليه "اقتصاد الحرب" والذي يعرفه "تيم إيتون" بأنه "الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على وجود العنف وإدارته أو إطالة أمده") .)

وتستفيد شبكات الفاعلين المسلحين من اقتصادات الحرب، ففي ليبيا تتنافس الجماعات المسلحة على السيطرة على طرق التهريب، والبنية التحتية للنفط والغاز الطبيعي، والمنافذ الحدودية.

ولم تكن هذه الشبكات غائبة أيضاً عن الصراع في سوريا، التي شهدت هي الأخرى نمطاً من التداخل بين الجريمة والصراع The( ‪Conflict Nexus‬ - Crime،) حيث أصبحت

الجريمة المنظمة مصدراً للدخل يتم استخدامه في تغذية العنف( .)

وتعددت مظاهر اقتصاد الحرب في سوريا لتشمل الجماعات التي تقوم بتوفير السلع والوقود للمناطق المحاصرة، وتهريب الأسلحة، والسيطرة على مصادر النفط، وتهريب الآثار. وتحفز هذه المعطيات "صراعات التسوية" في المنطقة؛ لأن الشبكات التي استفادت من الصراع لن تتقبل بسهولة التخلي عن المصالح والمكاسب التي حققتها، وهو ما قد يدفعها إلى تصعيد الصراع لإفشال مبادرات التسوية، خصوصاً إذا لم تقدم هذه التسوية مصادر اقتصادية بديلة. 2- صفقات التهدئة: تستعين بعض النظم الحاكمة في دول الصراعات بعدد من الفاعلين خارج دوائرهم الرسمية لمواجهة الضغوط المفروضة عليهم من القوى المناوئة لهم، وهو ما أفضى إلى التكريس لظاهرة "دولة الصفقات" ‪Transactional State)‬ ،) التي تقوم على تبادل المنافع بين النظام وأنصاره، وفي ظلها أصبح فاعلون مسلحون من غير الدول أكثر نفوذاً، وهؤلاء المستفيدون الجدد من التعامل مع النظام يسعون في المقام الأول إلى تحقيق مصالحهم الخاصة( .)

وعلى الرغم من أن تحالفات نظم الحكم تسهم في تعزيز قدرتها على البقاء، فإنها انطوت أيضاً على تحديات؛ لأن التوسع في دائرة العلاقات التبادلية بين النظام ومناصريه قد يكون نقطة ضعف مستقبلية، حيث سيكون من الصعب التوصل إلى تسوية سياسية للصراع تأخد في حسبانها مصالح مناصري نظم الحكم، خاصة في ظل إدراك أهميتهم لبقائها. 3- فوضى العنف: تجلت معالم هذه الفوضى في انتشار الأسلحة داخل مجتمعات الصراع، وتعدد الفاعلين العنيفين، وهيمنة خيار التفكك داخل الحركات المنخرطة في الصراع، بحيث بات من الصعب رسم خريطة واضحة الملامح للحركات المسلحة التي يمكن دمجها في مبادرات التسوية. وامتدت حالة الفوضى أيضاً إلى البنى التقليدية في المجتمع كالقبيلة في ليبيا، فثمة اتجاه يرى أن سمات القبيلة المرتبطة بالقيادة وقدرتها على السيطرة على أعضائها لم تعد قائمة بالشكل المعتاد، وربما هذا ما يفسر عدم صمود العديد من اتفاقات وقف إطلاق النار التي تم التفاوض بشأنها من قبل وجهاء القبائل بسبب فقدانهم القدرة على السيطرة( .)

وتضفي هذه السيولة زخماً على "صراعات التسوية" وتثير شكوكاً حول مرحلة ما بعد التسوية المحتملة. وفي هذا الصدد، يشير بيير أطلس وروي ليكليدر إلى أن التوترات التي تنشأ في مرحلة ما بعد التسوية غالباً ما تقع؛ لأن بعض المجموعات تشعر أنها لا تحصل على ما تستحقه من مزايا مقارنة بالمجموعات الأخرى، وهو الأمر الذي قد يدفعها إلى تبني العنف مجدداً كخيار يحقق لها ما ترنو إليه( .) 4- التدخل الخارجي: تتسم الصراعات العربية بحضور مؤثر للمتغير الخارجي، ففي سوريا توجد شبكة من الفاعلين الخارجيين المنخرطين في الصراع لأهداف ومصالح مختلفة وأبرز هؤلاء الفاعلون إيران وتركيا وروسيا والولايات المتحدة، وفي ليبيا يتصاعد التنافس بين فاعلين دوليين رئيسيين وفي مقدمتهم فرنسا وإيطاليا. ويزيد استدعاء العامل الخارجي في الصراعات العربية من تعقيدها نظراً لما تمتلكه الأطراف الخارجية من أجندات وتحالفات مختلفة ومتعارضة ورؤى متباينة لتسوية الصراعات.

ثانياً: اأنماط «�سراعات الت�سوية»

تؤسس الأبعاد السابقة المدخل لفهم أنماط "صراعات التسوية" الراهنة بالمنطقة العربية، وهي الأنماط التي شملت صراعات مسلحة بين فصائل وميليشيات تطمح إلى تعزيز مكاسبها في الصراع، وتعظيم ما يمكن أن تجنيه في أي مفاوضات قادمة، علاوة على الصراعات بين القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في مشهد الحروب الداخلية بالمنطقة. 1- صراعات الفصائل المسلحة: يعرف الصراع بأنه "وضع اجتماعي يكافح فيه الفاعلون للحصول على الموارد المحدودة في اللحظة نفسها في فترة زمنية معينة"(7(. وتبدو ثمة مساحة لتفعيل هذا التعريف في السياق العربي، وعلى وجه التحديد في الحالة الليبية التي أصبحت منذ سقوط نظام القذافي مشهداً لبزوغ العديد من الميليشيات المسلحة المتصارعة فيما بينها، وفي خضم الصراع أضحت سرديات الحرمان النسبي ومطالب إعادة توزيع الموارد والسلطة تحظى بأولوية مركزية وبدورها تغذي "صراعات التسوية".

وتطمح العديد من الميليشيات المسلحة، بامتداداتها المجتمعية إلى إعادة توزيع الموارد الاقتصادية للدولة، لاسيما النفط، ويتجلى هذا التنافس على الموارد النفطية في الصراع العسكري على "الهلال النفطي"، والذي يقصد به المنطقة تقع على الساحل الشرقي لخليج سرت تضم منصات تصدير النفط والغاز في ليبيا والتي يصدر من خلالها أكثر من 50% من النفط الخام( .)

ولقد كانت منطقة الهلال النفطي ساحة لمواجهات مسلحة، ومن ضمنها الهجوم الذي وقع في يونيو 2018، حينما شن تحالف من المقاتلين بقيادة "إبراهيم الجضران" - القائد السابق لحرس المنشآت النفطية – هجوماً للاستيلاء على منصتي تصدير النفط في السدرة ورأس لانوف والبلدات المحيطة بهما، إلا أن هذا الهجوم قد أخفق في تحقيق أهدافه( .)

ويتوازى مع هذا الصراع على الموارد، صراع للسيطرة على العاصمة طرابلس بين الميليشيات التي تهدف كل منها إلى تعزيز نفوذها، ناهيك عن معضلة الشرعية التي تهيمن على المشهد الليبي في ظل تواصل الصراع بين حكومتين إحداهما حكومة الوفاق الوطني في العاصمة طرابلس )غرب(، والأخرى في مدينة البيضاء )شرق( وهي الحكومة المؤقتة الممثلة لمجلس النواب الليبي في طبرق والداعمة لقائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر.

وتنسحب معضلة الشرعية على المؤسسات الاقتصادية في الدولة، والتي كانت محوراً للصراع على موارد الدولة، فالجيش الوطني الليبي يلوح بين الحين والآخر بأنه سيتوقف

عن العمل من خلال المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، وأنه سيوكل مهمة إدارة المنشآت النفطية في الشرق إلى المؤسسة الوطنية للنفط التابعة له في بنغازي؛ بسبب استغلال حكومة الوفاق للموارد النفطية في دعم الميليشيات المسلحة والتنظيمات المتطرفة. 2- صراعات القوى الدولية: انخرط عدد من القوى الدولية في الصراعات القائمة بالمنطقة وسرعان ما كشفت هذه القوى عن أجندات متعارضة ساهمت في تعميق الصراعات، ففي ليبيا يتخذ صراع التسوية صبغة دولية من خلال التنافس بين إيطاليا وفرنسا بشكل رئيسي. وترتبط إيطاليا بليبيا بحكم التاريخ الاستعماري، ومن ثم فهي تعتبر ليبيا إحدى مناطق نفوذها التقليدية، كما تسعى إلى وقف تدفق المهاجرين من الأراضي الليبية إلى السواحل الإيطالية، وتشارك إيطاليا في سوق الطاقة الليبي من خلال شركة إيني التي تمتلك عقوداً مع قطاع النفط الليبي.

سعت فرنسا أيضاً إلى تعزيز وجودها في ليبيا، بعد أن قامت بدور مهم في تدخل حلف الناتو ضد نظام القذافي، لاسيما أن ليبيا تحولت إلى ساحة لتصدير التهديدات لمناطق النفوذ التقليدي الفرنسي في أفريقيا جنوب الصحراء، ناهيك عن مصالحها الاقتصادية في قطاع النفط الليبي، خاصة من خلال شركة توتال التي تنافس شركة إيني 10).)

ولقد تزايدت التوترات بين فرنسا وإيطاليا التي تتوجس من الدور الفرنسي المتزايد في الملف الليبي وتعده تقويضاً لدورها، خصوصاً مع تقارب باريس مع المشير خليفة حفتر ودفع الرئيس الفرنسي "ماكرون" لإجراء الانتخابات في ليبيا قبيل نهاية عام 2018.

وتعارض روما إجراء الانتخابات باعتبار السياق الداخلي في ليبيا غير مواتٍ لذلك الإجراء، وعلى الرغم من انفتاح روما مؤخراً على المشير خليفة حفتر، واستضافته في مؤتمر باليرمو حول ليبيا في نوفمبر 2018، فإنها لا تزل تتعامل مع الصراع في ليبيا بدرجة من الحذر، لأن الكثير من مصالح إيطاليا مرتبطة بمناطق غرب ليبيا، وهو ما يدفعها للحفاظ على علاقات وثيقة مع القوى في الغرب الليبي 11).)

وظهرت صراعات القوى الدولية أيضاً في سوريا، فقد استغلت روسيا الصراع لإثبات حضورها في الشرق الأوسط، وتدخلت لتعزيز موقف بشار الأسد ومنعت مجلس الأمن من اتخاذ قرارات من شأنها أن تقوض من موقف النظام السوري، وحتى حينما تولت قيادة مسار التسوية السياسية في جولات أستانة بدا أنها تدعم بقاء النظام، وهو ما يسري أيضاً على اتفاقيات خفض التصعيد التي تزعمتها موسكو في عدة مناطق سورية، والتي منحت للنظام السوري فرصة لالتقاط الأنفاس والتعامل المرحلي مع جبهات القتال المختلفة.

وفي المقابل، كانت تهديدات "داعش" وإيران ضمن دوافع التدخل الأمريكي في سوريا، بيد أن واشنطن لا تتعامل مع التواجد الروسي في سوريا بدرجة كبيرة من الارتياح، خصوصاً مع وجودها في معسكر واحد مع إيران ووكلائها الإقليميين، ولعل هذا ما دفع واشنطن إلى الوجود في المناطق التي تخضع بشكل رئيسي لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في شمال سوريا)12.)

وهكذا يبدو الصراع بين موسكو وواشنطن في سوريا حول مناطق النفوذ، والدور الإيراني، فالإدارة الأمريكية لن تتقبل التوصل إلى تسوية للصراع تحقق مكاسب لطهران وحليفها نظام الأسد.

ثالثاً: ق�سايا ال�ستباك الإقليمي - الدولي

تحولت الصراعات العربية إلى ساحة للاشتباك بين قوى إقليمية ودولية بما تضمنه ذلك من تعارض في المصالح والرغبة في تقاسم مناطق النفوذ، ويتجلى هذا الاشتباك من خلال نموذجين أساسيين: 1- تحديد المساحات المحظورة: يرتبط ذلك بدخول إسرائيل على خط الصراع السوري، حيث لجأت تل أبيب إلى تعزيز انخراطها العسكري في سوريا؛ لأنها رأت في تفوق نظام الأسد تجاوزاً للمساحات المحظورة المتعلقة بتمدد إيران وحزب اله داخل سوريا وما يتضمنه من تهديدات لإسرائيل.

وقد كان اهتمام إسرائيل الرئيسي منذ اندلاع الصراع متركزاً في جنوب غرب سوريا بهدف منع حزب لله أو الميليشيات الشيعية من الاقتراب من خط الهدنة لعام 1974 وإقامة بنية تحتية هجومية قربه 13).)

هذا التجاوز للمساحات المحظورة، أو الخطوط الحمراء على حد تعبير وزير الدفاع الإسرائيلي السابق "أفيجدور ليبرمان"، شكل محفزاً لإسرائيل لتنفيذ هجمات عسكرية مكثفة ضد أهداف داخل الأراضي السورية على غرار الهجوم على مطار "تي فور" العسكري في أبريل 2018، وهجمات مايو 2018 التي صرحت بعدها تل أبيب بأنها "ضربت خلالها معظم البنى التحتية العسكرية لإيران" داخل سوريا.

وعلى الرغم من توصل إسرائيل إلى اتفاقات وتفاهمات مرحلية مع روسيا حول الوضع في سوريا والعمليات العسكرية الإسرائيلية هناك، فإن ثمة قضايا إشكالية في العلاقة بين الطرفين، تساهم في إنتاج نمط من "صراعات التسوية"، إذ لا تنظر تل أبيب بعين الارتياح للتدخل العسكري الروسي في سوريا؛ لأنها تعتقد أنه منح إيران وحزب اله دفعة جديدة.

وعلى الرغم من تصاعد الخلافات بصورة مرحلية بين موسكو وإيران حول الوجود العسكري في سوريا، ظلت قضية المناطق الفاصلة بين القوات الإيرانية والقوات الإسرائيلية مناط خلاف، خصوصاً بعد رفض تل أبيب مقترحاً روسياً بإبقاء القوات الإيرانية على مسافة 62 ميلاً من الحدود الإسرائيلية) 14 .)

تبدو قضية المظالم المجتمعية، وسرديات إعادة توزيع الروة والسلطة، المرتبطة بالصراعات العربية ذات أهمية في دول لها بنى تقليدية تولي اهتماماً بالغاً لمسألة الثأر والتعويضات، ومن ثم تتعين معالجة هذه القضايا في إطار أي تسوية كضمانة لعدم تجدد الصراعات.

ويثير المقترح الروسي شكوكاً قوية لدى إسرائيل، فهو يبعث برسالة مفادها أن موسكو غير مستعدة في الوقت الحالي لتحجيم النفوذ الإيراني بصورة كاملة داخل سوريا، وكل ما هنالك أنها تسعى لإدارة هذا النفوذ، كما أن قرار روسيا بتزويد النظام السوري بصواريخ "إس 300" يضفي المزيد من الغموض على العلاقة بين موسكو وتل أبيب، لأن هذا القرار ينطوي على إمكانية الحد من الهجمات الجوية الإسرائيلية على سوريا. 2- تقاسم مناطق النفوذ: أثار الصراع السوري تخوفات كثيرة لدى تركيا بفعل تنامي النفوذ الكردي في شمال سوريا، وهو النفوذ الذي تزايد نتيجة لدعم الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية ومكونها الرئيسي وحدات حماية الشعب الكردية، التي تحتفظ بعلاقات تنظيمية وشخصية وأيديولوجية بحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تركيا منظمة إرهابية( .) وعطفاً على ذلك، تدخلت أنقرة عسكرياً لتعزيز وجودها في شمال سوريا للقضاء على ما ترى أنه "تهديد كردي"، وأكدت في الوقت ذاته عدم إمكانية استبعادها من صراع النفوذ داخل سوريا.

وفي المقابل، وظفت واشنطن ورقة الإرهاب والحملة ضد "داعش" لتكريس وجودها في سوريا عبر تقديم الدعم لقوات سوريا الديمقراطية، وهو ما يبدو عاملاً ضاغطاً، ليس فقط على أنقرة، ولكن أيضاً بالنسبة لروسيا والنظام السوري وطهران التي تجمعها علاقة عداء استراتيجي مع واشنطن، ولا يمكن إغفال أن الوجود الأمريكي في سوريا مدفوعاً في جانب منه بالرغبة في تطويق أهداف إيران بتحويل سوريا إلى منطقة للنفوذ الإيراني يمكن استغلاله كجسر واصل بين إيران وحلفائها في العراق ولبنان، وبالتالي إمكانية استخدامه لتهديد إسرائيل.

وبوجه عام، يبدو صراع مناطق النفوذ الراهن منقسماً بين الشمال الشرقي الذي يمثل منطقة النفوذ الأمريكي عبر انتشار قوات سوريا الديمقراطية، والشمال الغربي الذي يمثل منطقة النفوذ التركي المباشر وغير المباشر عبر الوجود العسكري لفصائل المعارضة، فيما يبدو أن أغلب أقاليم سوريا تقع تحت السيطرة الروسية الدبلوماسية والعسكرية الجوية، أما النفوذ الإيراني الميداني الظاهر فيتركز في وسط سوريا، لاسيما الجزء الجنوبي من البادية من شرقها حتى غربها ومحيط دمشق( .)

رابعاً: احتواء �سراعات الم�سالح

تستدعي "صراعات التسوية" القائمة في المنطقة العربية عدداً من القضايا المهمة التي يتعين التعامل معها، يتمثل أولها في قضية المصالح الدولية والإقليمية المتعارضة وكيفية التوصل إلى صيغة توافقية بين القوى الدولية والإقليمية تضمن إنهاء الصراعات وعدم تجددها بشكل أو بآخر.

ومن جهة ثانية، تبدو قضية المظالم المجتمعية، وسرديات إعادة توزيع الثروة والسلطة، المرتبطة بالصراعات العربية ذات أهمية في دول لها بنى تقليدية تولي اهتماماً بالغاً لمسألة الثأر والتعويضات، ومن ثم تتعين معالجة هذه القضايا في إطار أي تسوية كضمانة لعدم تجدد الصراعات.

ختاماً، تتمثل القضية الأهم في المسارات الراهنة لدمج الفصائل والمليشيات المسلحة، والكيفية التي يمكن من خلالها تفعيل مقاربة نزع التسلح والتسريح وإعادة الدمج بوصفها مقاربة تستهدف في نهاية المطاف استعادة الطابع المدني لأطراف الصراع، وفي هذا الإطار، سيكون من الضروري معالجة معضلة التنازع بين خياري الاستبعاد أو الدمج الشامل للقوى المسلحة، وتحديد ماهية القوى التي يمكن إعادة دمجها وضمانات منع الارتداد للعنف المسلح.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.