تحد أممي:

طرد جواتيمالا ونيكاراجوا لجان الأمم المتحدة

Trending Events - - المحتويات -

طرد جواتيمالا ونيكاراجوا لجان الأمم المتحدة أدريانا كوبيلوس جارسيا

أثارت تقارير لجنتين تابعتين للأمم المتحدة وما توصلت إليه من نتائج حول الأوضاع في جواتيمالا ونيكاراجوا غضب حكومتي البلدين، والتي عدت هذه التقارير تدخلًا في شؤون بلادهما الداخلية، وانتقاصاً من سيادتهما واستقلالهما الوطنيين، وقامتا بوقف عمل اللجنتين على أراضيهما، الأمر الذي تسبب في اندلاع أزمة دبلوماسية كبيرة بين الأمم المتحدة والبلدين. أوقفت حكومة جيمي موراليس في أغسطس 2017 ولاية اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا، ومنع موراليس مفوض اللجنة، الكولومبي إيفان فيلاسكيز من الدخول إلى البلاد، معتبراً إياه تهديداً للأمن الوطني لبلاده)1.)

وبعدها بعام واحد، قام دانييل أورتيجا، رئيس نيكاراجوا، بطرد لجنة الحوار الوطني من البلاد عقب مناقشة مجلس الأمن أزمة بلاده، وإصدار اللجنة تقريراً تدين فيه القمع والانتهاكات التي ارتكبتها حكومته في مواجهة التظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها نيكاراجوا في أبريل 2( 2018.)

ويسعى هذا التحليل إلى بيان أسباب الصراع الدبلوماسي بين منظمة الأمم المتحدة وحكومتي هاتين الدولتين، فضلاً عن الخلفية التاريخية للحروب الأهلية التي شهدتها البلدان، والتورط الأمريكي فيهما، بالإضافة إلى السياسة الأمريكية تجاه تحدي البلدين للجان الأمم المتحدة.

اأولً: اأ�سباب طرد لجان الأمم المتحدة

عملت حكومت جواتيمالا على إعاقة دور "اللجنة الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب في جواتيمالا" التابعة للأمم المتحدة، كما منعت مفوض اللجنة، الكولومبي إيفان فيلاسكيز من دخول البلاد، بعد مطالبة اللجنة البرلمان والنيابة العامة برفع الحصانة عن رئيس الدولة، على خلفية تمويل غير شرعي لحملته الرئاسية، حيث عرضت البعثة أدلة جديدة على أن حزب موراليس، لم يعلن عن نحو مليون دولار من الأموال التي حصل عليها)3(. بل وقام موراليس بتحدي قرار المحكمة الجواتيمالية، الذي ألزمه بالتراجع عن طرد فيلاسكيز)4.)

وعلى الجانب الآخر، قام الرئيس أورتيجا بطرد فريق مكتب حقوق الإنسان في البلاد، بعد يوم من نشر تقرير حول انتهاكات حقوق الإنسان في نيكاراجوا منذ أبريل 2018، حيث أشار التقرير إلى قيام القوات الأمنية بتجريم الاحتجاجات واعتقال الأفراد والجماعات المنظمين لها)5.)

وتعاني كل من جواتيمالا ونيكاراجوا تراجع النمو الاقتصادي، وانخفاض الإنتاجية، والفقراً المزمن، مع ارتفاع في معدلات العنف. واقترن هذا الوضع بزيادة معدلات الفساد والإفلات من العقاب، الأمر الذي زاد من معدلات الهجرة غير الشرعية سنوياً، خاصة إلى الولايات المتحدة.

ثانياً: ا�سطرابات �سيا�سية واأمنية ممتدة

لاتزال العملية الديمقراطية في كل من جواتيمالا ونيكاراجوا في

بداياتها، إذ شهد البلدان فترات طويلة من الحكم الديكتاتوري، الذي تمت الإطاحة به من خلال احتجاجات مدنية وانقلابات عسكرية، وبالإضافة إلى ما سبق، فقد أعاقت الولايات المتحدة نمو النظام الديمقراطي في البلدين بسبب دعمها لحركات انقلابية ضد حكومات منتخبة، أو مساندتها لأنظمة قمعية غير ديمقراطية، الأمر الذي أثر سلباً على عملية التحوّل الديمقراطي.

ففي جواتيمالا، حافظت الولايات المتحدة على علاقات قوية مع الحكومات الديكتاتورية التي توالت على حكمها طوال الفترة الممتدة من عام 1898 وحتى عام 1944، وتحكمت الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات مثل "الشركة المتحدة للفاكهة" ‪United Fruit Company(‬ ) في سياسة جواتيمالا واقتصادها، حيث سيطرت على أكثر من 40% من أراضي البلاد وموانئها)6 .)

وأصبحت هذه الشركة بمنزلة دولة موازية، واعتبرت جواتيمالا إحدى "جمهوريات الموز"، وهو مصطلح أطلقه "ويليام بورتر"، الكاتب الروائي، لوصف الدول التي يعتمد اقتصادها على عدد محدود من الموارد الاقتصادية، والتي تعمل الشركات الكبرى، أو الأجنبية على احتكار إنتاجه)7.)

وعندما حاول الرئيس اليساري المنتخب ديمقراطياً "جاكوبو أربينز" الحد من هيمنة الشركة على اقتصاد بلاده في الخمسينيات من القرن العشرين، وتوزيع الأراضي الزراعية على المزارعين المحليين، ضغطت "الشركة المتحدة للفاكهة" على الحكومة الأمريكية لهندسة انقلاب عسكري ضده، وتمكنت من الإطاحة بحكمه في عام 1954.

ودخلت نيكاراجوا في سلسلة من الحروب الأهلية التي امتدت على مدار 36 عاماً خلال الفترة من عام 1960، وحتى عام 1996، وتورطت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في دعم وتسليح القوات الحكومية، التي قتلت آلاف من المدنيين، خلال تلك الحرب الأهلية)8(. وقد ترتب على هذه الحرب انهيار الاقتصاد، فضلاً عن وقوع جرائم إبادة جماعية.

وعلى الرغم من إجراء أول انتخابات في عام 1985، فإن اتهامات الفساد والقمع واستغلال النفوذ ظلت تلاحق كل الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم البلاد حتى انتخابات 2015، والتي أجريت في أعقاب اتهام الرئيس السابق "أوتو بيريز مولينا" )2012 – 2015( بعدد كبير من قضايا الفساد، فقد تعهد الرئيس المنتخب جيمي موراليس، والذي حصل على 67.4% من أصوات الناخبين بالقضاء على الفساد المستشري.

وعلى النقيض من جواتيمالا، تميزت العلاقات الأمريكية مع نيكاراجوا بالتوتر في بعض الفترات، فقد قاد رئيس نيكاراجوا الحالي، دانييل أورتيجا، في عام 1979 "الجبهة الساندينية للتحرير الوطني"، للإطاحة بنظام حكم آل سوموزا الديكتاتوري، المدعوم أمريكياً. وعندما أجريت انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة في عام 1984، تمكن أورتيجا من الفوز بالانتخابات ليتولى رئاسة البلاد لأول مرة )1985 – 1990.)

وشرع في إدخال سلسلة من الإصلاحات الديمقراطية وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما انعكس على تراجع الأمية، وتبني سياسات الإصلاح الزراعي، والتي ترتبت عليها إعادة توزيع ملكية الأراضي الزراعية الكبيرة بين الإقطاعيين والفلاحين، غير أنه واجه خلال فترة رئاسته الأولى تلك حركة تمرد، موّلتها الاستخبارات المركزية الأمريكية ضد نظام حكمه)9(، وترتب عليها مقتل حوالي 30 ألف شخص، وتدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد)10.)

فقد رأى الرئيس الأمريكي حينها رونالد ريجان أن وصول أحزاب ذات توجهات يسارية إلى السلطة في أمريكا الوسطى، على غرار كوبا، سوف يمثل تهديداً لنفوذها في هذه المنطقة. وترتب على الدعم الأمريكي اندلاع واحدة من أعنف الحروب دموية في تاريخ البلاد، وأثرت هذه الحرب على شعبية أورتيجا، كما أنهكت اقتصاد البلاد، الأمر الذي جعله يخسر الانتخابات الرئاسية التي أجريت في عام 1990 أمام المنافس الليبرالي فيوليتا باريوس دي شامورو، الموالي للولايات المتحدة، كما خسر أورتيجا انتخابات عامي 1995، و200111((، قبل أن يعود إلى رئاسة نيكاراجوا في انتخابات عام .2006

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومات الليبرالية الجديدة لم تفلح في إخراج نيكاراجوا من وضعها الاقتصادي المتدهور، فبعد ستة عشر عاماً من تطبيق السياسات الليبرالية الجديدة، زاد تدهور الأوضاع المعيشية للطبقة الفقيرة في البلاد، وذلك في الوقت الذي زادت فيه حالات الفساد الحكومي.

وفي ظل هذه الأوضاع وافق أورتيجا، بصفته زعيماً ل "الجبهة الساندينية للتحرير الوطني"، على تكوين ائتلاف واسع ضم الأحزاب المحافظة ورجال الأعمال في البلاد، الأمر الذي مكّنه من الفوز في انتخابات عام 2006، حيث حصل على 38% من الأصوات مقابل 29% لأقرب منافسيه، وينص الدستور في نيكاراجوا على أن الفائز لابد أن يحصل على 35% من أصوات الناخبين، بالإضافة إلى حصوله على زيادة في عدد الأصوات تقدر بحوالي 5% عن أقرب منافسيه من أجل حسم الانتخابات من الجولة الأولى)12.)

وقد أكد أورتيجا عقب فوزه في هذه الانتخابات تبنيه سياسات اقتصادية معتدلة، إذ أكد أن هدفه الأول سيكون القضاء على الفقر، بالإضافة إلى طمأنة رجال الأعمال بأن سياساته الاقتصادية لن تضر باستثماراتهم)13(، وتمكن أورتيجا من الفوز في الانتخابات الرئاسية عامي 2011 و2016، حتى واجه أزمة احتجاجات عنيفة في عام 2018.

أعاقت الولايات المتحدة نمو النظام الديمقراطي في جواتيمالا ونيكاراجوا بسبب دعمها لحركات انقلابية ضد حكومات منتخبة، أو مساندتها لأنظمة قمعية غير ديمقراطية.

ثالثاً: اأبعاد الأزمة الراهنة

لم يمض على حكم الرئيس الجديد في جواتيمالا جيمي موراليس خمسة أشهر، حتى طاردته اتهامات بالفساد، واتهم

بتلقيه تمويلاً غير قانوني أثناء حملته الانتخابية. وهكذا تحوّل موراليس من داعم لمكافحة الفساد إلى متهم بالتورط في شبكة فساد تضم أفراداً من عائلته.

وقام موراليس في سبتمبر 2018 بتبني إجراءات تصعيدية، حيث أعلن عدم تجديد عمل "اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا"، والتي تعمل جنباً إلى جنب مع "مكتب المدعي الخاص لمكافحة الإفلات من العقاب"، والتي تحقق في قضايا الفساد في الدولة، بل أرسل موراليس دبابات عسكرية إلى مكاتب اللجنة في مدينة جواتيمالا لترهيبها، الأمر الذي أثار احتجاجات شعبية ضده)14.)

أما نيكاراجوا، فقد شهدت ابتداءً من أبريل 2018 احتجاجات قوية نظمها الطلبة والمتقاعدين، وذلك رداً على اقتراح أورتيجا خفض معاشات المتقاعدون، لخفض العجز في الميزانية الحكومية، وتسببت سياسات أورتجيا هذه إلى انشقاقات داخل حزبه، الجبهة الساندينية للتحرير الوطني.

وعمد أورتيجا إلى قمع هذه الاحتجاجات، الأمر الذي أدى إلى مقتل حوالي 300 من المحتجين، كما دعا أنصاره إلى التظاهر تأييداً له في وجه مطالب المحتجين بإنهاء حكمه وإجراء انتخابات مبكرة)15(. كما قام بطرد لجنة الحوار الوطني في البلاد بعد إصدارها تقريراً يدين حكومته.

رابعاً: تباين الموقف الأمريكي

تبنت واشنطن مواقف متباينة حيال تحدي الدولتين للأمم المتحدة، فقد قامت بفرض عقوبات على ثلاثة من كبار المسؤولين في نيكاراجوا اتهمتهم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، بل وسعت الولايات المتحدة عبر مندوبها في مجلس الأمن الدولي إلى مناقشة الاحتجاجات الداخلية في نيكاراجوا باعتبارها تهديداً للأمن الإقليمي، أي أنها تستحق تدخل مجلس الأمن وفرض عقوبات على الدولة بموجب الفصل السابق من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يفرض عقوبات متدرجة تصل إلى حد التصريح بالتدخل العسكري. ورفضت روسيا وعدد من الدول الأعضاء في مجلس الأمن مناقشة هذه القضية باعتبارها تهديداً للأمن والسلم الدولي)16.)

وفي المقابل، لم تبادر الولايات المتحدة إلى فرض أي عقوبات على جواتيمالا، وإن أكدت الولايات المتحدة لموراليس دعمها للجنة الأممية لمكافحة الفساد، ودعته لمواصلة جهوده لمكافحة الفساد)17 .)

ويمكن إرجاع الموقف الأمريكي المتباين من الدولتين إلى علاقة نيكاراجوا بالقوى الكبرى المناوئة للولايات المتحدة، إذ تعد روسيا أكبر شريك تجاري لنيكاراجوا، بالإضافة إلى تقديمها مساعدات للجيش هناك. ومن جهة ثانية، يسعى أورتيجا على إعادة تنشيط المفاوضات مع الحكومة الصينية لإقامة قناة تربط بين المحيطين الأطلنطي والهادئ، الأمر الذي يمثل خصماً من النفوذ الأمريكي في أمريكا الوسطى. ويتعارض ذلك مع المحاولات الأمريكية لإدامة سيطرتها على اقتصادات أمريكا الوسطى، ليس فقط لتأمين الولايات المتحدة من خطر تدفق المهاجرين وتجارة المخدرات، ولكن كذلك ضمان عدم صعود النفوذ الصيني والروسي على حدودها الجنوبية.

وفي الختام يمكن القول إن البلدين سيواصلان سياساتهما الرامية إلى تحدي الأمم المتحدة، وفيما يبدو، ستفقد لجنة الأمم المتحدة مكانتها في حالة جواتيمالا، وسوف يتم استبدالها لأن ذلك يصب في المصلحة الأمريكية. أما في نيكاراجوا، فمن المرجح أن تعجّل تقارير الأمم المتحدة من الدعوة إلى إجراء انتخابات لإنهاء فترة رئاسة أحد أعداء واشنطن، غير أنه لا يتوقع أن تنجح هذه الجهود ما لم تقم واشنطن بزيادة دعمها للمعارضة في وجه أورتيجا.

أدريانا كوبيلوس جارسيا دكتوراه في الاقتصاد، متخصصة في السياسة العامة الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.