أسطورة «روبن هود» وأهميتها في التراث الثقافي الإنكليزي

Al-Quds Al-Arabi - - ثقـافـة Culture - زيد خلدون جميل٭

في الإمكان تقييم ثقافة الإنســان بشكل عام عن طريق معرفة ما يحب أن يقرأ، فما يحب الإنسان أن يقرأه يتوافق مع مفاهيمه ومستوى ثقافته، وما يعتبره معقولا أو عادلا. ولا تختلف الشــعوب في هــذا المضمار، حيث نســتطيع معرفة الكثير عن معتقدات أي شعب بشكل عام عن طريق معرفة نوع القصص الشــعبية، أو قصــص الأدب العالمي الأكثر انتشارا في أوساط ذلك الشعب. وقد تكون أسطورة «روبن هود» أفضل مثال على هذا.

«الســرقة من الثري والعطاء للفقير» هذه الصفة التي التصقت بشخصية «روبن هود» في مخيلة الناس جاعلة إياها أهم شــخصية أســطورية في التاريــخ البريطاني، ولا تنافســها سوى أســطورة «الملك آرثر» في هذا المجال. ويعــرف الجميع غابة شــيروود التــي كان يلجــأ إليها «روبن هــود» وأصحابه ليجتمعوا تحت شــجرة كبيرة معينــة، ويواصلوا صراعهم ضد الحاكم الظالم «شــريف نوتنغهــام»، ولا علاقــة لكلمة «شــريف» Sheriff() هنا باللغــة العربية، حيث إنهــا كلمة مشــابهة باللفظ فقط، وكانت تعني موظفا حكوميا بارزا في إنكلترا. وقد تطورت شــخصية «روبن هــود» وتأثرت بالتغيرات السياســية والاجتماعي­ة التي حدثت في بريطانيا، حيث إننا نرى هذه الشــخصية تتغير مع الوقت، ولكن السينما كانت العامل المؤثر الأكبر في تشــكيل الصورة الحالية لتلك الشخصية التي تمثل دائما رجلا وســيما ورياضيا يحمي الفقراء من ظلم الحاكم المتســلط وتعجب به الفتيات. وتكشــف هذه الأســطورة ولع بعــض المجتمعات، على مــدى التاريخ، بالمجرمــن وقطاع الطــرق وتحويلهم إلى رمــوز للعدالة وتحدي الســلطة الظالمة وكأنهم ثــوار. وإذا تمعنا النظر في مفهوم الســرقة من الثري والعطاء للفقــــــ­ـير فإنه يخفي جانبا لا يلاحظه الكثيرون، وهو أن أمنية الفقير أن يهبه «روبن هود» ما يسرقه، دون أن يتحمل الفقير نفسه عواقب عملية السرقة، على أســاس أنه لم يقم بها، بينما يتحمل «روبن هود» مســؤولية الســرقة كاملة، بدون أن يستفيد منها بأي شكل. وقد يمـــثل هذا أمنية خيالــــية للكثير من الفقراء في إنكلترا القديمة والبلدان جميعا.

ويتضمن هــذا المفهوم أيضــا عدم وجــود أي احترام لقدســية الممتلكات، وأن الثري لا يســتحق ما يملكه حتى إن كان إنسانا شــريفا، فذنبه الحقيقي كونه ثريا. وإذا تم تحقيق هذا المفهوم علــى أرض الواقع، فلن تظهر حضارة في التاريخ البشري.

لا يعرف أحد كيف بدأت هذه الأسطورة، ولكن المؤرخين يتفقــون على أنهــا بدأت فــي مناطق شــمال إنكلترا في العصور الوســطى. ومما يزيد مــن صعوبة توثيق تاريخ الأســطورة هو عدم ثبوت الاســم، فهو أحيانا «روبرت» وأحيانا أخرى «روبن»، وهو نســخة أخرى للاسم، الذي كان أحد أكثر الأسماء شــيوعا في إنكلترا انذاك. أما اسم العائلــة «هود»، فقد كتب بطرق مختلفــة نظرا لعدم كون اللغة الإنكليزية قد اكتســبت الصيغة القياسية الموجودة حاليا، وهو اســم شــائع أيضا. ولذلك فإنه من المتوقع أن تذكر الوثائق القديمة هذا الاســم. ويعتقد بعض المؤرخين أن «روبن هود» كان اســم كنية يطلق على المجرمين الذين يقاومون السلطة في إنكلترا. وقد تغيرت القصة مع الوقت بالنســبة لتفاصيل كثيرة وأضيفت شــخصيات جديدة إليها، كما تغيرت صفات «روبن هود» نفسه كذلك.

ويعتقــد المؤرخون أن أســطورة «روبن هــود» كانت قد ظهــرت لأول مرة في القرن الثالث عشــر، حيث أن من أوائل من ذكر الاســم كان قرار محكمة صدر عام 1226 في شــمال إنكلترا ضد شــخص يدعى «روبــن هود» وينص على مصادرة أملاكه لتســديد ديونه، ولكن الأمر قد يقتصر على تشابه في الاسم، حيث لم يكن ذلــك الرجل لصــا أو قاطع طريق. وكذلك نجد قــرار محكمة آخر يعود إلى عام 1262 ويذكر شــخصا يحمل اســما مشابها كان عضــوا فــي مجموعة مــن الخارجين عــن القانون، ولا يعني ذلــك أنه كان قاطع طريــق، لأن كلمة «خارج عــن القانون» قد تعني أشــياء كثيرة مثل عدم دفع الضريبة. وتستمر الوثائق بالظهور بين فترة وأخرى، ولا يمكن أن تشير إلى الشخص نفسه. وفي القرن الرابع عشــر كتب الكاتب الإنكليزي وليام لانغلاند أنه كان يعرف شــعر «روبن هود» ولكنه لم يحدد أي شــيء عن صفات الرجل التي بــدأت في الظهور في القرن الخامس عشــر، حيث نجد قصة قتله لقس وخادمه بشكل متوحش. وتبين هذه أن «روبن هود» لم يكن سوى زعيم لعصابة إجرامية عادية لم تكن تتردد في قتل كل من يتحداها وتقتل الشهود الأبرياء لإخفاء الجريمة، وكان ضحاياها من علية القوم. وتصل وحشية «روبن هود» إلى درجة الاستمتاع بالتمثيل بجثث ضحاياه. وتبين القصص في تلك الفترة أن «روبن هود» كان قاسيا مع أتباعه أيضا، حيث إنهم كانوا يركعون أمامه عند تحدثهم إليه. ولا يعني ذلك أنه كان شــخصية حقيقية، بــل يبين أن الخيال الشــائع بــن العامة آنذاك كان يدل على مدى حقدهم علــى النظام الحاكم وحلفائه. وحولت إحدى القصص «روبن هود» حينذاك إلى شخص متدين، على الرغم من وحشيته، بل إن قصة أخرى حولته إلى بطل ديني، وإن انتصاراته تمت لكونه متدينا. وتجمع كل هذه القصص حتى هذه المرحلــة على أن «روبن هود» بدأ حياته خادما لإحدى الشــخصيات المهمة المحلية. وفي القرن الخامس عشــر ظهرت فكرة ســرقة الثري وإعطاء الفقير، وكأنها رخصة لقطع الطريق. وقد يكون سبب هذا الاتجــاه أن بريطانيا كانت قد عانت آنذاك من اضطرابات داخليــة دامت مئتي عام تقريبا، بســبب ثورات الطبقات الفقيــرة التي كونــت أغلبية الشــعب الإنكليزي، وكانت مشاهدة أناس مشنوقين في المدن والريف الإنكليزيي­ن أمرا مألوفا تقوم به السلطات آنذاك.

وكان الشــعب الإنكلــــ­ـــيزي في تلــك الفترة مكونا من الأنغلوسكس­ــون بينما تكونت الطبقة الحاكمــــ­ـــة من النورماندي­ين الذين قدموا مع الملك وليــــم الفاتــــح (1028 ـ 1087( عندمــا احتل إنكلترا عــام 1066 قادما من فرنســا، وهذا ســبب اعتقاد بعض المؤرخــن أن قصص «روبن هود» تمثل مقاومة الأنغلوسكس­ون للنورماندي­ين، ولكن هذه النظرة قد تكون غير صحيحة. وفي تلك الفترة كذلك ظهرت غابة شــيروود كمسرح عمليات «روبن هود» والشجرة الضخمة التي كان هو وعصابته يجتمعون في ظلها.

تغيــرت قصص «روبن هود» بعض الشــيء في القرن الســادس عشــر، حيث اســتقرت الأوضاع السياســية وأصبحــت ثورات الفقراء شــيئا من الماضي فــي إنكلترا وأصبحت الســلطات بالغــة القوة وقــادرة على فرض ســلطتها في جميع أنحــاء البلاد، ولذلــك أصبحت تلك القصــص أقل عنفا وأكثــر مرحا، وتحــول قاطع الطريق إلى شخصية شــعبية محبوبة، كما تغيرت علاقته برجال عصابتــه الذين تحولوا إلى رفاق النضــال، بعد أن كانوا تابعين له.

واتخذت القصص منحى رومانســيا بظهور شخصية حبيبة «روبن هود» وشــخصيات أخرى ، كما اخذت تُمَثّل كجزء من احتفالات الربيع في شهر مايو/ أيار، حيث يقوم البعض بتمثيل قصص «روبن هود» أمام الجمهور بحضور النبلاء الذين اعتبروا هذه الاحتفالات مناســبة ترفيهية مهمة، ويكون هناك من يمثل دور «روبن هود» كشــخصية أساســية في هذه العروض. واســتمر التطــور في هذه الشــخصية في ذلك القرن حتى دخلت المسرح الإنكليزي حيث قام الكاتب المســرحي أنتوني مَندَي )1560 - )1633 بكتابة مســرحيتين عن «روبن هود »، جاعلا إياه من طبقة النبلاء. ويمثل هذا تغيرا مهما في المجتمع الإنكليزي، حيث إنه يدل على أن الجمهور أخذ يعجب بالقصص التي يكون بطلها مــن النبلاء، ما يعني أن تغيرا كبيرا قد حدث لنظرة العامة تجاه الطبقة الحاكمة. وهناك احتمال وجود سبب آخر لدى الكاتب المســرحي أنتوني مَنــدَي لترقية «روبن هود» إلى مســتوى النبلاء،، ألا وهو كســب تأييد النبلاء لــه، فقد كانــوا يمثلون الطبقــة الحاكمة ومصــدرا مهما للأموال بالنســبة للكتاب في تلك المرحلــة. وبذلك اقترب «روبن هود» من المفهوم الحالي له، ولكن التغيير اســتمر حيث أخذت القصص تضم أشخاصا جددا، وأصبح «روبن هود» يرتدي اللون الأخضر الذي اشتهر به بعد ذلك. ولكن التغير الأهم حدث عام 1819 عندما قام الكاتب الأسكتلندي وولتر سكوت )1771 ـ 1832( بكتابة قصة «إيفانهو» التي ضمت الملك «ريتشارد قلب الأسد» (النورماندي( و«روبن هود» (الأنغلوسكس­وني( والشخصية الجديدة «إيفانهو» )الأنغلوسكس­وني( حيث يشترك الثلاثة معا في تخليص الشــعب الإنكليــز­ي من الظلــم ويدافعون عــن إنكلترا، واصبــح الثلاثــة رمزا لوحدة الشــعب. وقــد لاقت هذه القصة رواجا هائلا وحولت «روبن هود» والملك «ريتشارد قلب الأســد» إلى رموز وطنية مهمة فــي التراث والخيال الإنكليزيـ­ـن. وقد يكون ظهور تلك القصة ليســت محض صدفة، بل جــزءا من التطور السياســي والاجتماعي في بريطانيــا، حيث كانت قد خرجت من الحروب مع نابليون منتصــرة عام 1815 وأصبحت الدولــة الأقوى والأغنى و الأكبر في العالم آنذاك، وبدون أي منافس حقيقي. ولذلك فإن قصــة «إيفانهو» تمثــل نوعا من الدعاية والشــعور الوطنيــن. وتعتبر نســخة وولتر ســكوت لشــخصية «روبن هود» النســخة التي تعتمد عليهــا المخيلة الحالية بكل جوانبها. ونجحت قصة «إيفانهــو» نجاحا كبيرا في الولايات المتحدة وتحولت هناك إلى قصص مصورة، ومع بداية القرن العشــرين انتقلت شخصية «روبن هود» إلى عالم الســينما في هوليوود في الولايات المتحدة بشــكل خاص، حيث عــرض أول فيلم عنه عام 1908 وكان صامتا وتلاه أكثر من خمســة وســتين فيلما ومسلسل تلفزيوني عن هــذه الشــخصية، وكان آخرها قد أنتج عــام 2018. ومثل الشــخصية مجموعة من أشهر الممثلين العالميين مثل شون كونري وكيفن كوســتنر ورسل كرو وآخرين. ومما ســاعد تنوع القصــص والأفلام حاليا عــن «روبن هود» كونه شــخصية خيالية ذات مؤلف غير معروف، ما يعطي المجال لكل كاتب أن يكتب عنها، وبذلك ظهرت مؤخرا أفلام ســينمائية ضعيفة العلاقة بالقصة الأصليــة. ولا تنتهي قصة «روبن هود» هنا، بل إنها ستســتمر لتخدم أغراضا مختلفة وتُمتِع الجمهور. ٭ باحث ومؤرخ من العراق

لقطات من الفيلم

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.