الخامس من يونيو 2019: أوسلو إيرانية وهزيمة عربية

Al-Quds Al-Arabi - - ‪minbar Al-quds‬ مـنبر - مسار عبد المحسن راضي ٭ ٭ كاتب وصحافي من العراق

جفف خطاب يوم الأربعاء- 5 يونيو/حزيران لعلي خامنئي، المســؤول الأول عــن تحديد عدد الأصفــار، على يمــن الأرقام المعقّدة للسياســات الإيرانية، المحيطات والبحار الأيديولوج­ية، التي حلمت بازدراد إسرائيل، بعدما وعدها العرب بذلك. المحللون السياســيو­ن من نــوع القنفذ، أولئك الذين تســير تفســيراته­م، تحت ظل المعلومات الســائدة، بعيدا عن قيظ ظهيرة الأحداث الســاخنة، لــن يجدوا في تصريح مانح الأصفار، ســوى انحنــاءة إيرانية، لتخليص شــبّاك الصفــر خامنئي، من صــراخ التذمر الإيراني، المشــتبك مع صوت ريــاح العقوبات الأمريكية. أذكــى القنافذ، ربّما ســيرجع إلى ما ســجّلته الورقة رقم 216 في كتــاب )الحرس الثوري الإيراني(، لـ كينيث كاتزمان، عقب فشــل محاولة إيــران خلال حربها مع العراق، في الاســتيلا­ء على ميناء البصرة، الواقع جنوب البلاد: مجموعة من الحرس تظاهرت في أحد الشوارع الرئيسية في طهران، داعية الخميني للصفح عن الرئيس العراقي صدام حســن، وبعبارة أخرى طالبته بوقف الحرب.

القنفذ الأقلّ حجما، سيقوم باجترار، صورة الدموع والشموع التي غطّت طهران بعــد احداث 11 من ســبتمبر/ايلول، والتي حمّض ســتيفن كينزر، أجواءها، في كتابــه )العودة إلى الصفــر(، كدليل على النوايا الشــعبية الحسنة للإيرانيين، تجاه بلاد العم ســام، وكعلامة فارقة على ردود الفعل العربية، أمّا آخر القنافذ حجما، ســيهرول حتما إلــى تريتا بارزي، الكاتب الأمريكــي من أصــل إيراني، والذي ذكر فــي كتابه الذي يغــص بالوثائق والمقابلات مع مسؤولين: أمريكيين، إيرانيين، وإسرائيليي­ن، إنّ مجموعة من آيات الله، سافروا إلى تل أبيب، وحاولوا إقناع الملحق العسكري الإسرائيلي الذي زامن عهد الشــاه، بأنّ يقنــع الكيان بتزويد طهــران بما تحتاجه من أســلحة، أثناء الحرب العراقية – الإيرانية. وعند ســؤاله لهم: لتضربونا بها؟ أجابه الوفد الآياتي: نحن لســنا كالعرب. تصريح خامنئي فيما يخصّ فلسطين، أوسلو إيرانية، تشبه نظيرتها الفلسطينية، سنة 1993. الاختلاف الوحيد أنّ العرب، هم من سيدفعون ثمن الأوسلويّة الجديدة!

الرئيس اليانكي، دونالد ترامب، لجأ خلال الأيام الأخيرة، إلى خنق لاري )أيقونة تويتر(، ليسقســق له، بتغريدات، وجّه في أوّلها، صفعات إعلامية متتالية، إلى خدود النظام الإيراني، ليتقهقر بعدها، بموقف رسمي: لا نطمح إلى تغيير نظام الحكم في إيران!

الرئيــس ترامب، يتعامل مــع لاري تويتر، لأغراض عربيــة، كما تعامل الرئيس ليندن جونســون، مع كلبه المدلل من سلالة البيغل. هذا الكلب نقل تهكم وسخرية جونسون للســفراء العرب، من الجيش المصري، بعد نكسة يونيو/حزيران 1967، رغم أنه كان يســتطيع مخاطبتهم مباشرة. ربّما أراد الرئيس جونسون، من مسرحيته مع بيغل، أن ينقل فيما بعد، صورة مشوّقة عمّا حصل له، مع ســفراء بلادنا العربية، إلى صديقته الصهيونية، ماتيلدا كريم )العهدة على محمد حسنين هيكل في التفاصيل والتخمين عليّ(!

عجينة من فضائح الانتقام السياسي

أيضا لا بدّ أن نفْتن للقارئ العربي أن المشــاعر الســاخنة التي عبّر عنها الرئيس ترامب تجــاه النظام الإيراني، تشــبه خبز البيغــل هي الأخرى، المقرمشة قشرته، والمحمّصة جيّدا بتعابير التهدئة، لكن داخله عجينة طريّة من فضائح الانتقام السياسي، والتي اتهم بها، مدير تخطيط السياسات، في وزارة الخارجية، النفعي برايان هوك، حســب مــا ورد من تعابير في مقالة )الديلي بييســت( عنه، مع ما لا يقــل عن ثمانية من المســؤولي­ن الكبار في الوزارة، ضد الموظفين الذين كانت لهم علاقة، بصفقة الخمسة زائد ألمانيا مع إيران، سنة 2015. هوك، وبعد 16 يوما مما نشر عنه في 23 آذار/مارس، وفي 8 نيسان/ابريل تحديدا، حاول طعن تلك الاتهامات التي لم يكسوها الشحم واللحم، بسكّين مقالة له، في نيويورك تايمز، وذهب فيها إلى أن «التصالح»، هو الواقــع الذي يجب تحقيقه على الأرض، بين واشــنطن وطهران، مرددا نصيحــة الروائــي والصحافي المحترم، ورجــل المخابرات القــديم، ديفيد إغناتيوس، بكلمات شــبه متطابقة تقريبا: إنّ على النظام الإيراني أن يقرر أولا أنه يريد أن يكون بلدا طبيعيا وليس حالة ثوريّة.

بستان إسرائيلي وحديقة أمريكية

حافــظ معظم الرؤســاء الأمريكيين، علــى تلميع المكتــب البيضاوي، بنجاحــات في حديقة دول العالم الثالث، خاصّة دول الشــرق الأوســط العربية. إيان شــابيرو في كتابه )نظرية الاحتــواء/ ما وراء الحرب على الإرهــاب(، يوضّح أن الرئيس الأمريكي، جون كينيــدي، قام بتأجير تلك الحديقة الخلفية له، بشــكل كامل، قبل أن يمتطــي صهوة البيت الأبيض، بصفقة، تمّت بينه وبين 30 من أبرز الممثلين لجماعات الضغط الإسرائيلي­ة. محتوى الصفقة: أعطنا الشرق الأســط نعطك البيضاوي. سلف الرئيس ترامب، بــاراك أوباما، حــاول وبعد انــدلاع الحرب العالميــة الثالثة في سوريا، أن يقوم بإخراج الشرق الأوسط، من حظيرة الرئيس، إلى مرعى الكونغرس الأمريكي. إنّ النزاع بين الســلف والخلــف فيما يخصّ صفقة إيران النووية، هو صراعٌ بين الحظيرة التي قامت إســرائيل باستئجارها، والمرعى الذي أشّر أن العقد بحاجة إلى تعديلات!

الدليل الآخر، هو تعيين الرئيس الحالي لصهره، جاريد كوشــنر، ككبير مستشــاريْ البيت الأبيض، والذي لا يعدو كونه مديرا، لمحفظة سياســات الشــرق الأوســط، من قبل المســتثمر الأصلي! اللطيف، أنّ الإعلام العربي عموما، لم يتطرق إلى ملابســات دور الدين اليهودي ، ودعم كوشنر وأبيه اللا محدودين لإســرائيل، في تعيينه، أو أن زوجته وابنة الرئيس، إيفانكا ترامب، لم تســتطع إدخاله إلى القفص الذهبــي، إلا بعد أن أعلنت اعتناقها الديانة اليهودية.

لجنة مجلس الشــيوخ الأمريكي للعلاقات الخارجية، وجدت )حســب الديلي بييســت(: إنّ السياســة الإيرانيــ­ة لإدارة ترامب، تشــابكت مع مقاربتها الكاملة للشرق الأوسط. الكونغرس الأمريكي، وبسبب تحديات القرن الحادي والعشرين، لا يستطيع أن يوافق على تحوّل الملف الإيراني إلــى بطاقة خضراء، تضمــن الإقامة الدائمة لعائلة ترامب، في المســتقبل السياسي.

جردة الربح والخســارة العربية من كلّ ما تقدم، هي خسارة فلسطين، أمّا الإيرانيــ­ون، فقد تخلصت طائرة سياســاتهم الخارجية من حمولتها الإعلامية، ليكسبوا إعادة رسم الإنسان العربي بريشة المذهبية، وإيمان مســلميْ العالم، أن خسارة العرب كمســلمين، يريح دماغهم ولا يضرّهم في شــيء. إدارة ترامب بدورها، كسبت معرفة الممكنات الإيرانية، وباتت تســتعد لتحويل برايان هــوك، وباســتعار­ة وصف لـ كينيــث بولاك، مستشار الأمن القومي السابق، إلى «ضحية الطريق»، وتقليل خسائرها، بتحضير ديفيد شــينكر، المطبوخ في مؤسسة واشنطن البحثية، الموالية لإســرائيل، كي يمســك الملف الإيراني، بعد أن أصبــح، أوّل موظف رفيع )مســاعد وزير الخارجية لشــؤون الشــرق الأدنى(، فــي تاريخ وزارة الخارجيــة، بدون أصل أو فصل احترافي في الدبلوماسـ­ـية )العهدة على موقع بازفييد، منشور يوم 11 كانون الثاني/يناير 2018(، ليشبه رئيسه الخامس والأربعين، الفاقد لحمولات الحسب والنسب السياسية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.