شوارع العراق... قراءة اجتماعية في رحلة الأسماء

Al-Quds Al-Arabi - - Opinion رأي - *كاتب عراقي

ترتبــط ذكرياتنــا بالعديــد مــن الأماكــن التــي مررنــا بهــا أو كانت مســرحا لحدث شهدناه. اسم الشارع الذي ضم سكننا، اسم الشارع الذي ضم مدرستنا، أو مكان عملنا وغيرها مــن الأمكنة تصبح ذات دلالات عميقة الغور في ذاكرتنا، فهل تتأثر ذكرياتنا، أو عواطفنا بتغيير أسماء الشوارع والساحات والأحياء؟ هل نفقد جزءًا من ذاكرتنا بتغير أسماء الأماكن؟ أم ان للمكان ماهية مستقلة لا ترتبط كثيرا بالاسم؟

مدننا القديمة اكتســبت أســماء أحيائها وشــوارعها وميادينها بطريقة غير محــددة تاريخيا بدقة، لكن الكثير من محلات المدن وأســماء الأســواق والســاحات كان لها علاقــة بالوظيفة أو البنيــة التي يؤديها المكان، فأســماء الأســواق تتبع المهــن الموجــودة فيه، وأســماء المحلات ارتبطت بشكل كبير بأســماء التجمعات السكانية المقيمة بها، فحملت المحلات أســماء قبائل أو أقليات دينية تعيش فيها ضمن مجتمع المدينة.

التغيــر الواضح ابتدأ مع دخول انمــاط الحداثة لحياة العراقيين، بعد الحرب العالمية الاولى، إذ افتتح أول شارع كبير ممتــد على طول المدينة القديمة أيــام الحرب العالمية الاولى، وعرف حينها باسم الوالي العثماني الحاكم لولاية بغداد، إذ سمي الشارع الرئيس والوحيد في المدينة باسم شــارع خليل باشــا أو بالتركية «خليل باشا جادة سي،» وهو الشــارع ذاته الذي شهد اســتعراض دخول القوات البريطانية في 11 مارس 1917 معلنا انتهاء سيطرة الدولة العثمانية على العراق.

تســارع التحديث والنمو الحضري بعد خروج العراق من عهــد الانتداب، ودخــول المملكة العراقيــة الى عصبة الأمم، كبلد مســتقل عام 1932، فقد شهد عقدا الثلاثينيا­ت والاربعيني­ات نمو المدن، وفي مقدمتها العاصمة بغداد، وقد بنيــت الأحياء الجديدة جنوب المدينة القديمة وشــمالها، حتــى امتدت المدينــة القديمة لتصل الــى ضواحيها التي كانت تفصلها عنها الأراضي الزراعيــة، إذ ارتبطت بغداد بضاحيتي الاعظمية والكاظمية شمالا، وبضاحية الكرادة جنوبا.

ابتدأت ســمات الشوارع تٌظهر ســمات المملكة الوليدة، فسميت الشــوارع الرئيسة باسماء رموز الدولة الجديدة، إذ اطلق على الشــارع الموازي لشارع الرشيد، الذي حاول مخططوه أن يكون توأما للشــارع العتيــد، فاطلقوا عليه اســم شــارع غازي، وكذلك المتنزه الكبير الــذي مثل رئة بغــداد ومتنفس عوائلها ســمي حديقة غــازي في الباب الشــرقي، كذلك كان اسم اول جسر حديث في بغداد يحمل اسم القائد البريطاني الذي احتل بغداد وهو الجنرال مود، كما تم إنشاء جسرين حديديين على نهر دجلة عام 1939- 1940 وأطلق عليهما أسماء فيصل والمأمون، وعندها ركزت أمانة العاصمــة بعض الاهتمام على جانب الكرخ، الذي لم يكن يحظى بالاهتمام اللازم قبل ذلك، إذ افتتح شــارعان في الكرخ يمتدان من مطلع الجسرين المذكورين الى خارج المدينة، سمى أحدهما شــارع الملك فيصل، وكان من أوسع شــوارع العاصمة وأجملها في ذلك الوقت، وهو أول شارع افتتح بممرين، احدهما للذهاب والآخر للإياب ويتوسطهما رصيــف زرع بأشــجار النخيل وأنــواع مختلفة من زهور الزينة، أما الثاني فيمتد من مطلع جسر المأمون إلى مسافة قصيرة، وعرف بشارع الأمير عبد الإله.

كما تم افتتاح الشارع الذي ســيتحول الى مركز المدينة التجــاري الحديث الذي ينافس مركزها العتيد في شــارع الرشيد، وأطلق عليه اســم عبد المحسن السعدون، رئيس الوزراء العراقي المنتحر، رفضا للضغوط السياســية التي تعرض لها إبــان توقيع المعاهــدة البريطانيـ­ـة العراقية عام 1929، وقد كلف نحات إيطالــي بصنع تمثال بالحجم الطبيعي للســعدون، ليتصدر الشــارع الجديد. كما جاء افتتاح الشارع الذي يمتد من شمال بغداد من الباب المعظم الى جنوبها في الباب الشــرقي عــام 1957 ليقلل من زخم وزحام المدينة النامية، إذ تم شــق الشــارع الجديد الذي توسط شــارعي الرشــيد وغازي، وأطلق عليه اسم الملكة عالية، تيمنا باســم ملكة العراق المحبوبــة التي كانت قد توفيت منذ فتــرة وجيزة، وربما كان آخر الجســور التي شــيدت في العهد الملكي هو جســر الملكة عالية الذي ربط الباب الشــرقي بكرادة مــريم. نلاحظ أن الأســماء كانت متســقة مع الحقبة التي عاشها العراق، وابتدأت التغيرات بعد يوليو/تمــوز 1958 وإطاحة تنظيــم الضباط الأحرار بالنظام الملكي، إذ تم تغيير كل الشوارع التي حملت أسماء رموز العهد الملكي، فتغير اسم شــارع عالية وجسر عالية مثلا إلى شــارع الجمهورية وجســر الجمهورية، وشارع غازي وحديقة غازي اصبحت شارع الكفاح وحديقة الأمة، كذلك تغيرت اســماء الجسور بإســقاط الاسماء التي تدل على العهد البائد لتبدل باســماء اختارهــا القائمون على الأمر من العهد الجديد.

أســماء الجمهورية الأولى كانت تركز على رموز وطنية وعراقية أطلقت على الشوارع والجســور والميادين، لكن بعــد إطاحة الجمهورية الأولى بانقــاب عام 1963 ظهرت ســمة جديدة على أســماء الأمكنة انطلاقا من وجهة نظر من تسنموا ســدة الحكم من البعثيين أولا والقوميين تاليا، ثم البعثيين مرة أخرى، لنشــاهد أســماء المــدن والبلدان والشــخصيا­ت العربية تطلق على أحياء وشــوارع مدن العراق، مثــل حي القاهــرة وحي الجزائــر وحي تونس وســاحة عدن وشــارع جمال عبد الناصر وحــي جميلة )نســبة للمناضلة الجزائرية جميلة بوحيــرد( وبالتأكيد هنالك الأســماء الثورية المســتمرة منذ الجمهورية الاولى مثل مدينة الثورة ومدينة الشــعلة ومدينة الحرية، وهي اســماء أحياء الضواحــي الجديدة تم انشــاؤها في عهد الجمهوريات.

مع بــدء جمهورية البعــث الثانية فــي يوليو 1968 تم اعتمــاد نظــم التخطيط الحضــري الحديثة في ترســيم الأحيــاء والشــوارع والمياديــ­ن العامــة، اعتمــادا على الاستشارات والخطط التي قدمها الخبراء البولونيون في تخطيط العاصمة بغداد، وترسخت في هذه الحقبة وجهة النظــر القومية العربية. وهنا يمكننا أن نشــير الى بعض المفارقات التي حدثت، إذ أطلقت أســماء قادة وسياسيين عرب على الشــوارع والميادين في بغــداد، مثال ذلك أطلق على ساحة مهمة في الكرادة بعد منتصف السبعينيات اسم ســاحة كمال جنبلاط، عندما اغتيل الرجــل واتهم النظام الســوري بالوقــوف وراء جريمة الاغتيــال، لكن بعد أن تغيرت المعطيات في الصراع الأهلي اللبناني وتغير موقف الحزب الاشتراكي بالوقوف إلى جانب السوريين، تم تغير اسم الساحة لتصبح ساحة أحمد عرابي.

وشــهد عهد رئاسة الرئيس الأسبق صدام حسين تركيز صورة الحاكم المتفرد عبر إطلاق اسمه على العديد من المدن والشوارع والساحات والمستشفيا­ت والمؤسسات العامة، إذ تغير اســم مدينة الثورة في الضاحية الشرقية لبغداد، التي أنشــأت لإســكان مهاجري الريف في الســتينيا­ت، ليصبح اســمها مطلع الثمانينيا­ت مدينة صدام، كما ان كل مستشفى في محافظات ومدن العراق كان قد تغير اسمه من المستشفى الملكي وتحول الى المستشفى الجمهوري في عهد الجمهوريات اللاحقة، أصبحت اسماء كل هذه المستشفيات في عقد الثمانينيا­ت تحمل اسم مستشفى صدام. كما تجدر الإشــارة إلى بعض المفارقات التي لا يعلم احد ســرها أو كيفية تعامل الناس معها، إذ إن بعض التســميات القديمة تبقى راسخة بدون أن يشيع استعمال اسمها الجديد، بينما نجد بعض التســميات ســرعان ما يتقبل المواطن تغيرها. مثال ذلك اســم مدينة الثورة التي بقيت تحمل اسمها، رغم التغيرات التي طرأت على الاسم مرارا، أو محاولات الحملة التي أطلقت في الثمانينيا­ت لتغيير اسم شارع مهم جدا في قلب بغداد هو شــارع ابي نؤاس المحاذي لنهر دجلة، الذي كان يحتضن البــارات والمقاهي وأماكــن اللهو المتواجدة في حدائقه، إذ اطلقت الدولة مشــروعا مطلع الثمانينيا­ت لتغيير اســم الشــارع، باعتبار ان الشــاعر ابونؤاس ذو أصول فارســية، وهو شــاعر ماجن لا يفتــرض ان يحمل احد اهم شوارع بغداد اســمه. واقترح القائمون بديلا هو الشارع العباســي، إلا ان الفكرة فشلت فشلا ذريعا. كذلك من المفارقات أن شارعا يحمل اسم أحد رموز الحقبة الملكية هو شــارع الســعدون يكاد يكون الوحيد الــذي لم يطله التغيير منذ ثمانــن عاما، رغم كل التغيرات المتعاقبة التي مرت بها المدينة، بدون أن يعلم أحد السر في ذلك.

كما أن التغيير طال شــوارعنا وســاحاتنا، بعد إطاحة نظام صدام عام 2003، لتمسح ذاكرة جيل عاش في أماكن حملت اسماء شوارع الحقبة السياســية السابقة، لتطلق عليها اســماء جديدة متســقة مع العهــد الجديد، لتصبح مدينة صدام مدينة الصدر على سبيل المثال، وجسر القائد ذو الطابقين جســر الحسنين وهكذا، ليبقى دولاب تغيرات هويات الأمكنة عبر تغيير اسمائها يدور ويلعب بمسميات اعتادت ذاكرتنا الارتباط بها.

هل نفقد جزءا من ذاكرتنا بتغير أسماء الأماكن؟ أم ان للمكان ماهية مستقلة لا ترتبط كثيرا بالاسم؟

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.