عن التاريخ والثورة والثوار

Al-Quds Al-Arabi - - Opinion رأي - *كاتب سوداني

في جلســة الاســتماع الأولى لها أمام لجنــة العلاقــات الخارجية في الكونغرس الأمريكي، قامت كوندليزا رايــس الأكاديميـ­ـة، التــي كان قد تم اختيارها تواً لتولي منصب وزير الخارجية، بتقديم إحاطة حاولــت أن تجمع فيها رؤيتها وتصوراتهــ­ا المتعلقة بملف الشؤون الخارجية.

في تلك الكلمــة طرحت كونداليزا رايس عدة أفكار، كان من بينها قولهــا، إنها ترى أن من الضروري أن تســتبدل الولايات المتحدة حلفاءها القدامى بحلفاء وأصدقاء جدد. بحسب رايس التي استلمت زمام الدبلوماسي­ة الأمريكية، في وقت شديد الصعوبة، فإن حلفاء بلادها التقليديين، تم استهلاكهم واســتنفدو­ا أغراضهم، حتى أنه لم يعد لديهم المزيد ليقدمونه.

شــغلت رايس منصب وزيرة الخارجيــة خلال الفترة 2005 وحتــى 2009، أي قبــل وقــت مــن انــدلاع أحداث الانتفاضــ­ات التي شــهدتها المنطقــة العربيــة، لكن هذه المداخلة التي قدمتها وحديثها عــن ضرورة التغيير كانت في أحيان كثيرة محل استشهاد من قبل أولئك الذين كانوا يرون أن هذه الثورات ما هي إلا مؤامرة واسعة تم نسجها على مهل في دوائــر صنع قرار غربيــة. كان لأنصار رؤية المؤامرة دائماً ما يساند تصوراتهم بشأن القدرة الأمريكية الســحرية على التحكم في الظواهر الكونية، ويمكن القول إنه حتــى إن لم تكن رايس قد أدلت بهــذا الحديث، فإن لا شيء كان ســيعفي الولايات المتحدة من المسؤولية. موقف رايس كان شــديد الالتباس، وكثيراً ما كانت توضع ضمن دوائــر الشــك والاتهام، خاصــة حين تســتخدم عبارات غامضة وســهلة الإخراج عن ســياقها وظرفها، كتعبيرها الشــهير «الفوضى الخلاقة» الذي سينسب بسهولة إليها، رغــم أنه مقتبس مــن كتابات أخرى ومعــروف في مجال الفلسفة الاقتصادية وغيره من المجالات.

كل هذا لا يكفي دليلا علــى أن الأحداث العربية إنما هي محض انعــكاس للرغبات الإمبريالي­ة، فهــو أيضاً لا يعني أن الدول ذات المصالح والتطلعات، وعلى رأســها الولايات المتحدة، كانت تقف من هذه الأحداث موقف المتفرّج، الذي يحرص على عــدم التدخل، بــل إننا نعلم جميعــاً اليوم إن هذه الدول كانــت قريبة جداً وحريصــة على الوجود والمتابعة والتدخــل متى ما لزم الأمر، وهو ما وصل بالفعل درجــة التدخل الفظ في بعض الحالات التي شــعرت فيها بتهديد مصالحها المباشرة. الشــيء الذي يمكن أن تتباين حوله الآراء هو حدود ذلك التدخــل ومدى تأثيره الفعلي على مسار الأحداث، فحتى اليوم ما تزال الحقائق تتكشف كل يــوم حول طبيعة وحدود الــدور الخارجي في أحداث ما يعرف بالربيع العربي، واعتقادنــ­ا أن الصورة الكاملة لن تظهر، إن ظهــرت، إلا بعد عقود أو قرون، وهو أمر ليس حكراً على أحداث المنطقة العربية أو عالم اليوم، بل هو أمر يمكن تعميمه على ثورات كبرى كالثورة الفرنسية.

الإحالــة إلى الثورة الفرنســية كمثــال تاريخي ناجح للتغيير الجذري أمر شــائع، لكن الحقيقــة هي أن الغالب الأعم من المستشــهد­ين بتلــك الثورة لا يدركون بشــكل واثق ما كانت عليه تلك الأحــداث فعلياً. لا يعني هذا رمي أحد بالجهل، ولكنه يعنــي أن تفاصيل تلك الثورة ما تزال قيد الاستكشــا­ف، وما يزال المؤرخون يعيــدون بين فينة وأخرى ترتيب ســرديتهم بما يتوافق مع ثوابت الأحداث التاريخية، حتى إن تناقضت مع التمنيات الشعبوية التي تراكم بعضها حتى صار أشبه في مبالغاته بالأساطير.

لتوضيح الفكرة يمكن أن نشــير إلى الوثائقي الفرنسي الذي عرض قبل وقــت ليس ببعيد تحت عنــوان، «بماذا نحتفل في تاريخ الرابع عشــر من تموز/يوليو؟» كان ذلك الوثائقي واحداً من حلقات السلسلة الوثائقية التاريخية «ظلال شك»، التي تهدف لتسليط الضوء على أهم الأحداث التاريخية التي شــهدتها فرنسا وجوارها الأوروبي. هدف البرنامــج كان، كما هو واضح من عنوانــه، إعادة تحليل أحــداث الثورة الفرنســية، اعتماداً على ما تم كشــفه من وثائق لا تحتمل التشــكيك. من المعروف أن الرابع عشر من يوليو هو العيد الوطني لفرنسا، لكن سؤال ذلك الوثائقي كان حول ســر اختيار ذلك التاريخ بالذات، ليصبح عنواناً للثورة الفرنسية، ومن ثم عيداً قومياً ووطنياً للفرنسيين. الإجابة التي تتبــادر إلى الذهن هي أن ذلك التاريخ يوافق اليوم الذي تم فيه في عام 1789 اقتحام ســجن الباستيل الذي كان يرمز للاستبداد ولتجبر الأسرة الحاكمة. يسلّط الوثائقــي هنا الضــوء على ذلك الانفصــال والتباين بين الســردية الشــعبوية التي ظل يتناقلها الفرنسيون عبر العقود حول الســجن الكبير سيئ الســمعة، الذي يكتظ بداخلــه الآلاف من معارضــي الملكية في ظروف قاســية، والحقيقة التاريخية المجردة التي مفادها أن هذا السجن لم يكن في الواقع ســجناً، بل قلعة تاريخية لا تحوي بداخلها إلا عدداً لا يزيد عن السبعة من الموقوفين، لأسباب لا علاقة لها بالنشــاط السياسي، بل تكشــف الوثائق بشكل مثير أنه قد كان لدى الملك لويس الســادس عشــر بالفعل خطة لإلغاء هذه القلعة وتحويلها إلــى حديقة مفتوحة ومتنزه للمواطنــن، وهو ما وجدت خرائطه ضمــن التراث الملكي المحفوظ اليوم داخل خزائن الوثائق الفرنســية النادرة. لكن إنجاح الثورة كان يتطلب خلق سردية مغايرة من أجل أن يشعر الشــعب الثائر بالانتصار. الحشود الهادرة التي اقتحمت الســجن المفترض عنوة، والتــي وضعت إطلاق سراح المحبوســن البائســن ضمن أهدافها، لن تلبث أن تتأكد بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك القصص الدرامية التي نمّاها الخيال الشــعبي لا وجود لهــا، وأن غرف الاعتقال، على قلتها، كانت على عكس ما تخيّلوا مهيئة بشــكل جيد ولا تقترب من بعيد أو قريب من تلك الصور التي ترســبت في أذهانهم، رغم كل ذلك فإن الجموع لن تتراجع عما ظلت تؤمن به لعقود، حيث ســتتابع الحكــي وتبادل القصص المتخيلة الجماعية عن المساجين المعذبين، وسيجتمع الناس بشكل صارم على رفض تحطيم الصورة الشعبية المتوارثة عن الباســتيل الرهيب. هذا هو أحد الأمثلــة على إمكانية وجود سرديات متباينة كثيرة لحدث واحد، وهو ما يمكن، لولا ضيق المســاحة أن نورد له أمثلة أخــرى من الثورات ذات التأثير كالثورة الروسية والإيرانية وغيرهما.

مع أهمية قراءة التاريخ الذي يقص علينا قصصاً كثيرة حول المســارات الثورية التي شــهدها العالم، إلا أن على قارئــه أن يكون حكيماً، وأن لا يســقط في فخ استســهال إسقاط التاريخ على الواقع، وهو فخ شائع يكتفي صاحبه بترديد العبارة التــي يظنها كافية عن «التاريخ الذي يعيد نفســه». هذا النوع من الاستســها­ل كثيراً ما يكون مضراً ومجحفــاً للمحللــن لأنه لا يســمح برؤيــة الاختلافات والتباينات الدقيقة التي يميل العقل الراغب بتثبيت حقيقة «الإعادة التاريخية» إلى رفضها.

الحكمة التي نقصدها ومثلما أنها لا تعني الاستســها­ل أو النقــل غير الواعي، فإنها لا تعنــي كذلك تجاهل دروس التاريــخ الكبيرة والمتكــرر­ة والتي من أهمهــا أن الثورة، أي ثورة، لا تخلو من المفاســد والأخطــار العظيمة التي لا يستطيع أحد أن يتنبأ بحدودها مهما ادعى من قدرة وقوة. هذا الدرس الذي يؤكده التاريــخ وتجارب الواقع معاً هو الــذي لا يجعل من الثورة خياراً أولياً عند كثير من الناس، بل خياراً أخيراً لا يتم اللجــوء إليه إلا عندما يقفل الطغاة غيره من أبواب التغيير.

التاريخ وتجارب الواقع لا يجعلان من الثورة خياراً أولياً بل خياراً أخيراً يتم اللجوء إليه عندما يقفل الطغاة غيره من أبواب التغيير

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.