الأردن: شعب على حافة «مسلسل»

Al-Quds Al-Arabi - - Opinion رأي - ٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

■ لا يختلــف الجدل المثيــر والمؤلــم وطنيا حول مسلسل «جن» في الأردن عن ذلك الجدل الذي سمعنا عنه باسم «بيزنطة».

لكن بيزنطة على الأقل كانت تتناقش بالفلسفة فيما نحن «نتفلسف»، هو على الأرجح أقرب لحوار طرشان لا فائدة منه. لكنه صنف من الحوار يحتاج لتأمل وتعمق فأقرب صيغة للتحليل السياســي تقول بأن المزاج الشــعبي الأردني توقف فجأة عن التحــدث بالقضايا والملفات الكبيــرة مثل الضريبة وأســعار المحروقــا­ت وصفقة القرن ومؤتمــر البحرين وحتى الفســاد وتم التركيز حصريــا علــى مسلســل «مراهق» بكل شــيء يمكن تصنيفه بأنه محاولة ليس أكثر.

تكاثر فجــأة الذيــن خــدش المسلســل كرامتهم الوطنية...هذا من حقوق الأردنيين التي لا لبس فيها.

لكن الفساد أيضا يخدش كرامة الوطن والاستغلال واللــف والــدوران والحرامية واللصــوص وصفقة البحريــن المريبــة ومجرد عمــل فني بائــس يتعلق بمراهقين يتحدثون بجرأة عن بعضهم تحول إلى أزمة وطنية عارمة.

حتى المؤسسات الرســمية ركبت الموجة واضطرت للتفاعل مع الحــدث عبر بيانات رســمية وتغريدات ومؤسسات واجتماعات.

لا أعرف ســببا يدفع المفتي العام للمملكة طبعا مع الاحترام الشــديد له للتحدث في موضوع يفترض أن يتناقش به المعنيون بالقطاع الفني فقط.

لا أعرف سببا في المقابل يدفع وزارة الثقافة حصريا للصمت المطبق وعــدم التعليق على مســار الأحداث وكأن العرس عند الجيران رغم أن العمل الهدف المعلن له ترويج الأردن ســياحيا، وهو في النهاية عبارة عن عمل فني ينبغي أن تعنى به وزارة الثقافة والفنون.

المسلســل أبدع في إخراج كل ما هو سلبي في عمق المجتمع الأردني رغــم أنه من حيث بناء الســيناري­و والإخــراج والأداء ومضمــون الحــوار ضعيف جدا ويخلــو من الجرعــات الإبداعية الحقيقيــة وإن كان محاولة نســجل جرأتها في »دق باب الخزان » وســط مجتمع تســتقر ثقافته عند لزوم التواطؤ مع العيوب وإبعاد الأضــواء عنها وعــدم التحدث بالمشــكلا­ت العميقة.

لا يمكن توجيه اللــوم للأردنيين الشــرفاء الذين غاروا على ســمعة مجتمعهــم ووطنهم مــا دام الأمر يتعلق بمشــاهد حــارة وجريئة صورت فــي مدينة البتراء أو في مرافق وطنية.

لا يــام الأردنــي العادي علــى موقفــه الرافض للإيحاءات الجنســية حتى وإن كانت أعماق المجتمع تحفل بالعقد الجنسية.

ولا يلام الشــباب وهم يحاولون بجرأة إســقاط صورة اجتماعية يقاوم المجتمع أي محاولة لتســليط الضوء عليها فالحديث في المحصلة عن عمل فني له ما له عليه وعليه ما عليه وقد ينجح وقد يخفق.

طبعا كان يمكن للناقدين والســاخطي­ن التعامل مع بعض المشاهد في المسلســل بإعتبارها تنطوي تحت بند «العيب الاجتماعي» بدون تخوين وتكفير وبدون إنكار وجود ســيطرة للشــقاء الجنســي على عقول غالبية الشباب.

كان يمكن نقد المسلسل والتنديد به وإصدار فتاوى تؤكد عدم وجود صلة بينه وبين حقيقة المجتمع بدون مطاردة وملاحقة للمثليين أو إساءة لعائلاتهم وبدون تشويه أو تحريف أو ادعاء حذف مشاهد أو نشر المزيد من الشائعات.

والأهــم بــدون إيحاءات ســخيفة عــن مكونات اجتماعية محددة.

في الأزمات فقط يكتشــف المراقــب معدن المجتمع الحقيقي ووجود عمق وعقلاء.

الحملة في جزئها المتعلق بالتنديد بالعمل ونقده لا غبار عليها لكن في الجزء المتعلق بالتشــهير بعائلات الممثلــن وباتهامهم وإنــكار أردنيتهــم أو تخوينهم هي حملة ظالمة ومتســرعة وغير منصفة وليســت من الصنف الذي يحول مســتقبلا بــدون تكرار مثل هذه النماذج.

بطبيعة الحــال حصل نوع من المبالغــة والتهويل في التحدث عن مشــاهد جنسية وتبادل أحضان على صخــور البتراء وعن إســاءة للبدو وتميــز النقاش العام بتأزيم وتصنيف وانقسام رغم أن المؤهلين للنقد الفني أصلا تغيبوا عن المشهد وتحول عشرات الآلاف من الأردنيين فجأة علــى المنصات إلى خبراء في الفن وبناء الدراما والتصوير.

في المقابل كان يمكن للعمل نفسه أن يؤدي بصورة أفضل فالأردن مليء بالحكايــا­ت والقصص والملفات التي تتحدث عن شــعبه ومشــروعه وما يعيشــه أو يكابده.

ثمة في المسلســل مشاهد يمكــن لأي حصيــف أن يدرك أنهــا أضيفت لأغراض الإيحــاء بالانفتاح العاطفي والجســدي وهي مشــاهد لا مبــرر دراميا لها ووظيفتها علــى الأرجح القول لاحقا بأن في المملكة شــبابا منفتحين يستطيعون التحدث عن ملف الشقاء الجنسي في المجتمع الأردني المحافظ.

تلك بكل حال مشــاهد كان يمكن فعلا الاســتغنا­ء عنها أو تصويرها والتحــدث عنها بطريقة خالية من الإفراط بمعنى بنائها دراميا بطريقة ذكية أكثر وبدون التورط في استفزاز الناس وعاداتهم وتقاليدهم لأن الذهنية الأردنية بصرف النظر عن المناطق والمكونات الاجتماعية لا تقبــل فعلا التحدث العلني عن الإيحاء الجنسي والتعامل العلني مع الأحضان وتبادل القبل.

بوضوح أفهــم الأردنــي عندما يرفــض محاولة إدخاله للفــن العالمي عبر الإيحاءات الجنســية على صخور البتراء.. تلك كانت جرعة جارحة وزائدة ولا تخدم أي مسار فني في العمل.

بقليل من الذكاء الإبداعي وبنزر يســير من التعب على السيناريو كان يمكن للعمل أن يتجاوز «المطبات» التــي أثارت الجــدل بحيــث يصفق لــه الأردنيون جميعا وتحترمه المؤسســات المنتجة الدولية انطلاقا من الإغراق في «محليته» وإســقاطه لــروح الحالة الأردنية، الأمر الذي نقر بأنه لم يحصل.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.