ماذا فعلت بنا يا جورجي زيدان؟

Al-Quds Al-Arabi - - Opinion رأي -

الرواية التاريخيــ­ة، موضوع لا ينتهي أبداً. لهــذا، العودة إلى هذا النــوع من جنــس الرواية واختبــاره يفرض علينــا ضرورة الفهــم وصياغــة ليس التاريــخ، وليــس الرواية، ولكــن العلاقة الرابطــة بينهمــا. وقــد وفــرت الأيديولوج­يــة العربيــة القومية السبل لممارســة هذا النوع الروائي في سياق الصراع مع الغرب وإثبات الــذات المهزومة أمامه. فقد كانت هذه الأيديولوج­ية هي الحاضنــة التي تربى فيها هذا النوع المشــبع بالتاريخ، والذي لم يكن مرفوضاً مطلقاً بالخصوص في استعمالاته التربوية، التي لم تعط ثماراً كبيرة كما سنرى مع جورجي زيدان.

يجمــع مؤرخــو الأدب العربــي علــى أن ســليم البســتاني، وجورجي زيدان، وأنطون فرح، ويعقوب صروف، وأمين ناصر وغيرهــم هم من تنبـــــه لجــدوى هذا النــوع في الحقــل الأدبي العربي.

فجعلــوا مــن التاريخ مادتهــم الأدبية، مع العمــل على عنصر الترويــح والتســلية. قبل أن يســير على خطاهــم الجيل اللاحق الذي جعل من التاريخ العربي الإســامي مادته المرجعية، دفاعاً عــن الــذات القومية فــي مواجهة غــرب اســتعماري كان في عز تطوره وأطماعه الاستعماري­ة.

وهــو ما فعله عــادل كامل، ونجيــب محفوظ، وعبــد الحميد جــودة الســحّار، ومحمد فريد أبــو حديد، وعلي أحمــد باكثير، وعلــي الجــارم وغيرهم. لكن وعــي وظيفــة الروايــة التاريخية كان محــدوداً، لأن ذلك كان يحتاج إلى قــدر كبير من التخلي عن الأيديولوج­يــة القومية حتى لا تتحول الروايــة إلى مجرد وثيقة دفاعية عن تاريخية هذه القومية وأهليتها.

هذا ما جعل الرواية التاريخية عربياً تواجه إشــكالات عديدة ومعقدة، مرجعها فهــم ليس دقيقاً بتعريــف الرواية التاريخية. كثيــراً ما طُلب من الروائــي العربي الوفاء للوثيقــة أو للمعلومة التاريخيــ­ة وكأن وظيفته هي حراســة التاريخ وتوصيله للنشء تعليمياً كما هو، أو كما دوِّن، وكأن الذي دون التاريخ كان وفياً؟ ولم يكن تحت سطوة المنتصر.

نعــرف جيــداً أن التاريخ العربــي غير موضوعــي مطلقاً لأنه محكــوم بالســالات الحاكمــة التــي يهمهــا تبييــض صورتها، والمؤرخ حاضر للقيام بذلك، ويطلب من الروائي بشــكل مباشــر أو غير مباشــر أن يكون وفياً لما قاله المــؤرخ، فيتحول إلى مجرد مــردد للمعلومة أو الوثيقــة، وفي هذا هدر للجهــد الروائي؛ لأن ذلك ليــس عمل الروائي ولا علاقة له به، فهو لا يردد التاريخ، بل يصنــع من منطلق المادة المختبرة معماره التخييلي الذي لن يكون فــي نهاية المطــاف إلا رواية، بــا مرجع ثابت يهــدف من خلال الرواية إلى اختبار صدقه من كذبه. يرى في هذا الســياق الناقد التونســي محمد القاضي، فــي كتابه عن الروايــة التاريخية، أن التاريخ في نهاية المطاف له وظيفة نفعية لتفســير الظواهر التي تغيرت بموجبها المجتمعات، بينما الســرد في الســياق الروائي والقصصــي تحديــداً هــو خطــاب جمالــي تقــدم فيــه الوظيفة الإنشائية على الوظيفة المرجعية.

فالمؤرخ يظل متحركاً في مجال المرجع، أما الروائي فإنه، وإن رجع إلى الواقع ماضياً أو حاضراً، يظل خطابه مندرجاً في حقل التخيل. فالتاريخ يقدّم نفســه على أنــه انعكاس وصياغة لفظية لأحداث واقعة، أما الرواية فتقدّم على أنها إبداع وإنشــاء لعالم محتمل. على الصعيد النظري يمكن للأمر أن يستقيم.

ويطــرح علــى بعــض نقادنا العــرب الذيــن كثيراً مــا نصبوا المشــانق للروائــي وطلبــوا بمــا ليس مــن اختصاصــه أو فعله الإبداعــي. وربما كان هنا مقتل جورجي زيدان الذي يعتبر عربياً المؤســس الكبير لهــذا النوع مــن الرواية. من منطلــق الوظائفية والتعليمية أنشأ هذا النوع لتعليم النشء الذي ابتعد عن تاريخه. ونســي أن التاريــخ الــذي كان يحــاول تعليمــه لم يكــن تاريخاً حقيقياً، فليس إلا صيغة/ صيغ المنتصر في النهاية.

وحاول من باب إغراء القارئ أن يدس قصة عاطفية في عمق النــص، يمكنهــا أن تجعل هذا الأخير يطلع على المــادة التاريخية وكأنــه جرعة دواء لا بد من شــربها مع قليل من الســكر. الخطأ فــي فهــم الروايــة التاريخية العربيــة كان منذ تلــك اللحظة. في التســعيني­ات أجريــت اســتبياناً في جامعــة الجزائــر المركزية وأشــركت فيــه بعض أعضــاء فرقــة البحــث RASEF (الرواية العربية، المجتمع والأشــكال(، التي كنت أديرها وأشــرف عليها مــع طلبتــي وبعض زملائــي الأســاتذة، وقمنــا بعمــل إجرائي يتوخى قدراً من العلمية، ولكن بشكل أمبريقي، تجريبي بسيط.

ســلمنا السلســلة الروائية لجورجي زيدان كاملــة للطلبة من الســنة الأولى حتــى الثالثة، حتــى في بعض الأقســام النهائية فــي الثانويــا­ت، وطلبنا مــن كل طالــب أو تلميذ أن يقــرأ رواية واحــدة، ويجيــب عن الســؤال التالــي» ماذا بقي فــي ذهنك من الرواية؟ وبعــد الانتهاء، جمعنا وثائق الطلبــة والتلاميذ وبدأنا في فرزهــا وقراءتها، ودراســتها. النتيجة فــي المحصلة، والتي كانت مجرد فرضيــة، ركزت الإجابات على أمرين: أولاً، التركيز على المــادة العاطفية وتوصيفها بدقة وكأنها هي الرواية. ثانياً، الإهمــال الكلي للمــادة التاريخية وكأنها مــادة ثقيلة على النص ولا وظيفــة عملية لها. بهذا المعنى، فقد فشــل مشــروع جورجي زيــدان كليــاً، ولم تؤد هــذه الطريقــة التي اعتمــدت الفصل بين كتلتــن افتراضيتــ­ن في عمق النــص الواحــد، التاريخ والقصة العاطفيــة، إلى أية نتيجة تربوية. لم تفــد العملية، على الرغم من نبلها، الطالب أو التلميذ في شيء. فقد كان هدف جورجي زيدان تعليمياً لا أكثر، مع افتــراض أن ما تم تدوينه من التاريخ العربي صحيح، فهزم المشروع من أساسه.

هذا الوضع لم يتم التخلص منه حتى اليوم. بعد تأمل شــديد للرواية التاريخية في العالم، من الصين إلى اليابان، من بريطانيا إلــى أمريكا، ومن الســويد إلى روســيا، مــن ألبانيا إلــى العالم العربــي، ومن التقاليــد الروائيــة الأوروبية المعروفــة بمنجزها الروائــي الكبير، يبــدو لي أننا ما زلنا نتأرجــح بين، هل ما نكتبه تاريخاً، أم هو نســف للتاريخ بالوســيط التاريخي الإبداعي؟ إن وظيفة المتخيل الأساســية هي تحرير التاريخ من نفسه، تهويته مــن كذبه، ومــن انضباطه الأفقــي، والنزول به عميقــاً نحو قاع الــذات الإنســاني­ة المعقــدة التي يقــف التاريــخ حيالهــا مرتبكاً وعاجزاً، إذ لا تهمه في التحليل إلا قليلاً، تاركاً إياها لعلم آخر هو علم النفس، أو حتى لــأدب، معترفاً بحدوده الموضوعية، ولكن أيضــاً تحريره من يقينــه وخطاباته التي اســتقرت على حقائق ليســت في النهاية إلا احتمالات المنتصر الذي دوّن التاريخ وفق إملاءاته.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.