الموت مقصلة العارفين

إلى أمجد ناصر واقفا على قدميه مسننا في الأبهاء كشجرة السنديان

Al-Quds Al-Arabi - - ثقـافـة Culture - ٭ شاعر وإعلامي من المغرب

الخطر حتى الموت

الأعمال الصالحة هي الإرادة المكينة التي توثق الصلة بالعالم الآخر، بل إنهــا العزيمة التي تبدل عند الوقت الحاســم. وإذا كانت الأعمال الصالحة رهينة النيات الحســنة فقط، فلــن تبلغ ثمارها المرجــوة. ولهذا لن يكون التحري البديل في دخول الجنة/ السعادة قائما على الصلة الحقة بين الأمل والواقع، ما دام عقد الوجود موئلا إلى فكرة إعادة الإحياء والتجلي.

وقد ترجم الشــاعر الإيطالي دانتي اليغيرا هذا الإحســاس إلى حكمته الشهيرة «الطريق الذاهبة إلى جهنم مفروشة بحجارة ذات نوايا حسنة.» إن مبدئية التقيد بالأخلاق قيمة معيارية تمثل جوهر انكفائنا على تحصيل ســبل لإدراك معنى الصلاح وعمل الخير. وهي مبدئية ترتقي لتعلو سماء المحبــة والبحث عن الحيــاة. كيف بالرغبة أن تكــون فضيلة والفعل الحر خارج ســيطرتها؟ كيف تنجو الروح من حبســها وهي غافيــة عن إدراك الكمــون؟ هل تســتحيل البذرة إلى محصــول إيجابي بــدون معرفة كنه ما تحبل به فــي قاع الرحم؟ ذلــك أن تقدير العمل بالنيــة لا يخالف الثقة بالحصول على ما نريد، شــريطة أن نحذو فكرة الله في النفس الساجدة.. الله بما هــو معتق، طاقة معجزة تمدنا بالإيمان والقدرة على تحويل القول إلــى عمل نافع. معادلة تليق بتفتيق نادر لفكــرة أن تعني الحياة من ضمن ما تعنيه أن نعيــش في خطر. يضيف أحد الحكماء «صدقوني إن الســر الذي يجعل الوجود ممتعاً ومثمراً هو أن تعيشوا في خطر.. فلتبنوا مدنكم تحت بركان فيزوف.. ولترسلوا ســفنكم إلى البحار المجهولة.. ولتعيشوا في حرب مع أندادكم ومع أنفســكم.. ولتكونوا غزاة ما دمتم لا تستطيعون أن تكونوا حكاماً ومالكــن». المصاعب والأخطار المحدقة بالحياة، الصورة النقيضة للإيمان بالمعنى؛ بدون أن نطيل النظر في ما ليس حقيقا بالوقوع، أصار ملكا للقدر أو مشاعا لإرادة النفس! *

كأمر فاصل بين أمرين

هناك طفرة جسور لتأويل هاجس الموت عند أحد أهم مترجمي وباحثي فكر محيي الدين بن عربي، وهو المفكر الاستشــرا­قي الأمريكي، الذي كتب مؤلفا يقارب فيه مسألة )عوالم الخيال: ابن عربي ومسألة التنوع الديني(، ويطرح من خلاله جملة من البراهين على اتصالية الموت بعالم الخيال، وأن معظم تعاليم الصوفية هو خروج عما يســميه بالإسلام التقليدي، ولا غرو فقد اتكأ تشــيتيك في تفسيره لهذا الاتجاه الفلســفي الصوفي على نظرية ابن عربي القائلة باســتحالة إفراز الفهم الحقيقي للوحي الإسلامي، لمن لم يعرف مرتبة الخيال الوجودية. وهو ما يؤكده قطعا في الفصوص قائلا «لا موجود ولا معدوم ولا مجهول ولا منفي ولا مثبت». إذا اســتجبنا محتملين قوة إدراك الموت الخيالي، بالمعنــى الأنطولوجي، على خلفية كون الخيال المراد عند ابن عربي وغيره هو الواقع ما بين الجســماني والروحاني، وهو «البرزخ»، فإن التقاطــع بينهما يحدث عند مغادرة عالــم الغيب إلى عالم الشــهود، والعكس صحيح، يحتمل أن يخيل العبور إلــى منطقة الخيال، ولهــذا يكون الاعتقاد بتقريــب صورة الملائكة في المخيــال موقوفا بالنظر الاعتبــار­ي للصور الحســية المنقولة من النص، كمثل رؤيــا الأولياء التي يختبرونها روحانيــا، ويتخطونها لتصبح أرواحا مجــردة. وأقصى هذه الخيالات ما رواه ابن عربي نفسه، أن النبي رأى ربه في صورة شاب. كون الخيال يجسد ما ليس من شأنه أن يكون جسدا. ومن أجمل ما قرأت له في هذا الشأن: إنما الكون خيال وهو حق في الحقيقة والذي يفهم هذا حاز أسرار الطريقة

* من مات عن هواه فقد حيي بهداه

حتمية المــوت هي الحقيقة الوحيــدة التي يمكن تصديقهــا على حالة الغليان التي تــرزح تحت نيرانها فلســفات اللامعنى والإلحــاد الديني، والتصنيفات الأخــرى للتفكير. وما عــداه يظل مجرد كوابــح أو قضبان ســجنية لمن يريد التحلل من وظيفته الوجودية وسؤاله في الخلق الكوني ونظامه القيمي. الموت أكبر التئام للنفس قبل صعودها، وأعلى قيمة للحرية بعد انقضائها. وما أبلغ باروخ سبينوزا وهو يصف هذه الوقفة، كون العقل البشــري لا يمكن تدميره بصورة مطلقة مع الجســم، لكن ثمة شيئاً خالداً يبقى منــه. وهي نفس الإحالة على ارتقاء الوجــود الآخر إلى حياة أعذب وأبهــى. يقول ديكارت: «اعتقد أنني أعرف بوضــوح بالغ أن الأنفس تبقى بعد الجسم، وأنها قد ولدت من أجل ضروب للفرح والغبطة، أعظم كثيراً من تلك التي نتمتع بها في هذا العالم، وأنني لا أستطيع التفكير في أولئك الذين ماتــوا إلا باعتبارهم ينتقلــون الى حياة أكثر ســاماً وعذوبة من حياتنا، وإننا سننضم إليهم يوماً ما، حاملين معنا ذكريات الماضي، ذلك لأنني أتبين فينا ذاكرة عقلية من المؤكد أنها مســتقلة عن الجسم». إنها وحدة الاعتقاد الصوفي نفســها، حيث الموت هو الحجاب عن أنوار المكاشــفا­ت والتجلي، وقيل هو قمع هوى النفس، فمن مات عن هواه فقد حيي بهداه.

* ينبغي ألا نرهب الموت

هذه الحكمة الأبيقورية تكاد تنزوي في الملاذ النائي عن كل ظن إنساني! كيف بالموت أن يكون مرهوبا بحدســنا، بوجوديتنا النبيلة؟ ذلك أن الغاية من الفكرة أساســا الوصــول للحياة الســعيدة والمطمئنــ­ة. إذن لا بد أن التخلص من الخوف وتغييب الألم والاكتفــا­ء الذاتي محاطين بالأصدقاء، ســيبدد الرهان على تفويت فرصة للموت كي يكون مســتبدا وحاقدا! فما بالك إذا كانت نهاية الجســد والروح مربوطة بالتمــادي مع حتمية الموت، عبر تقليص حدة الاضطراب والتغول والمواجهة.

المفاهيم الأبيقورية تتعالى مع كل المفاهيم الفلســفية المصيرية، بل إنها تجســد رؤية فاخرة ومســتنيرة، حيث يصير عنوانها الأبــدي الإفضاء بوجود قيم ما ورائية هي مآلية الارتقــاء بالحياة إلى مدارج أكبر من قيمة الزمن ومشــاغله. ومن تلك المفاهيم المحــددة للكينونة والترقي الوجداني والروحي الإيمان بثمانية حقول معرفية: - لا تخف من الآلهة - لا تخف من الموت - لا تخف من الألم - عش ببساطة - إبحث عن المتعة بحكمة - إعقد صداقات وابحث عن أصدقاء وكن حسن المعاملة - كن مخلصا في حياتك وعملك - ابتعد عن الشهرة والطموح السياسي

* أتعرف عليه بالكرم

مع أن صفة الكــرم تطلق على ما يحمد من الأفعــال، فإن النفري عظمها ضمن أنســاق معرفة الإنســان بالخالق الأكرم؛ فقال: «وقــال لي أوليائي الواقفون بين يدي ثلاثــة: فواقف بعبادة أتعرف إليه بالكرم، وواقف بعلم أتعرف إليه بالعــزة، وواقف بمعرفة أتعرف إليــه بالغلبة. أما نطق الكرم بالوعد الجميــل، ونطقت العزة بإثبــات القدرة، ونطقت الغلبة بلســان القرب». أقول : مع أن الكرم بالوعود عند العرب هو أتفه أنواع الكرم وأقلها عناء وكلفة، وللحقيقة فالرؤية هــا هنا تنبت طوقا من الإغضاء عن عنصر مهم في ما يدل على الإيثار والســخاء، وهو الحيــاء الذي يظهر بعد البدل والتقدير الذي يســلك بعد التبليغ. وقد قال الجنيد فــي ذلك: «رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فتتولّد بينهما حالة تسمى الحياء». إذ كيف ينزع شعورنا الســخي بوفرة الحمد لمن له القدرة والنعم، دونما حاجة إلى تثبيت قدرتنا على احتمال القناعة وإسباغ الشكر.

عظيمة هــذه العجينة الصوفية الجامعة، «العزة بإثبات القدرة والغلبة بلســان القرب». وأما ســنامها فبين الإثبات والتغليــب، وصبيبها يتصدر الاســتطاع­ة أو الحرية على تحقيق مناط القــرب والإصغاء. وإنني لم أجد لهذا التــوارد أقرب من جواب أحد أقطاب العرفان عندما ســئل عن مبتغى الوجود، حيث قال: «الضَّلالَةَ حَقَّ الضَّلالَةِ أَنْ تَعْرِفَ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ، وَأَنْ تُنْكِرَ مَــا كُنْتَ تَعْرِفُ، وَإِيَّاكَ وَالتَّلَوُّنَ، فَإِنَّ دِينَ اللَّـِـه وَاحِدٌ، قُلْتُ: الْعِزَّةُ إِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الشِّدَّةِ، وَهِيَ الْقُوَّةُ فَمَعْنَاهَا يَرْجِعُ إِلَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ بِمَعْنَــى الْغَلَبَةِ، فَمَعْنَاهَا يَعُودُ إِلَى الْقُدْرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى نَفَاسَــةِ الْقَدْرِ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى اسْتِحْقَاقِ الذَّاتِ تِلْكَ العزة».

بليغة تلك العبارة.

كــــاف المعــــنى

تفكرت اليوم نجوى الأيقونة الحكمية مولانا أبو الحسن الششتري كافُنَا الإلهيُ لاَ يَفْنَى إِنْهُ إِلى لَفْظِكُم مَعْنَى كُلَّ مَنْ يَهِيمُ بِما هِمْنَا فقلت : ذلــك الكاف المهيب الذي يســور اللفظ بالرضوان، ويعدل من ســجدة الجســد كي تنثني الروح بالأشــواق المثمــرة والأرزاق المنتظــرة. الكاف الإلهية المســتنفر­ة، التي تحجب اللقيــا؛ حتى تدين النفــس وتتطهر من أدران الشــكوك! وهو معدوم الفناء مستحيله، مقسوم مقسم عليه الطاعة والتطوع، والاستسلام والخضوع الأزلي.

وكما يكون للكاف حب وتشبب بالعاشق المعشوق؛ يكون للفظ المتجاسر للبدل والعطاء معنى ومبنى؛ لأمانة الأمانة وفضل البوح واحتذاء الســاق للصــاة والدعوة إلى التفكير والتأمل والخشــوع المســتكين المتذلل. وإذا المهيم ســفر وعبور إلى الماوراء! حجة لمن يشتد شغفا بمن يحب ويتحبب. وكأني بالشاعر ينشد: يَهِيمُ وَلَيْسَ اللهُ شافٍ هُيامَه ... بِغَرّاءَ مَا غَنَّى الحَمامُ وأَنْجَدا وفي قول أحدهم يخطف أبصار الحقيقة: رَمى قلبَه البَرْقُ الُملالِيُّ رَمْيةً ... بذكرِ الحِمَى وَهْناً فباتَ يَهِيمُ فيا ليتني كنت البرق حيث أرمي بسهم غير رام!

مصــطفى غَــلْمَـان٭

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.