Al-Quds Al-Arabi

زاهر عزام: باحث وطبيب فلسطيني من الكازية للأستاذية

- الناصرة ـ «القدس العربي» من وديع عواودة:

زاهــر عزام طبيب فلســطيني من مدينة شــفاعمرو داخل أراضي 48 ، صاحب اختصاصين في القلب والأمراض الباطنية، وهو مسؤول عن جناح الأقســام الباطنية في مستشفى حيفا الحكومي، دائــم البحث عن خبايــا العلم ومعانــي الحياة، ومحاضر كبيــر في كلية الطب لكن اهتمامــه المهني المتواصل بالأرقام لم يأت على حساب الحروف، فهو عاشق للغة العربية والكتاب خير جليس له في الزمان منذ عقود.

يحظى هــذا الطبيب الباحــث )60 عاما( بتقدير الأســرة الطبية والعلمية في مجاله ويعتبر من الأطباء البارزين جدا، لكنــه لم يفرط بتواضعه. وهناك من يدعوه " بروفيســور في التواضع" كما يقول ابن مدينته الصحافي أسعد تلحمي.

في حديث مع «القدس العربي» وفي سياق الحديث عما جاء به لمهنــة الطب يقول متندرا إن " أكثر مــن ثلثي الولد لخاله". ويكشــف أنه تأثــر بخاله وكذلــك ابن خالتــه الدكتور أكرم جروس في ألمانيا وابن خالتــه الدكتور كميل عزام في البلاد، وكلاهما أصبح طبيبا مختصــا متأثرين بالخال الملهم إبراهيم فريد الــدرّ" . ويبدو أن عملية الإلهام اســتمرت داخل العائلة فقد عشق أبناء البروفيسور عزام الثلاثة: وردة المسماة على اسم والدته وشفيق على اســم والده و أمير، هذه المهنة وهم يدرسون العلوم الطبية الآن.

حلم بيروت

كما يكشــف مدى تأثرّه بخاله الراحــل الباحث العالمي في مجال البيوكيميـ­ـاء إبراهيم فريد الدّر رغم أنــه التقاه للمرة الأولى فقط بعد 28 سنة من ميلاده.

وتســتبطن ســيرة خاله الراحل الكثير من معاني الحياة التــي مــا زال الطبيب زاهــر عزام يســعى للقبــض عليها، ومنها أثمان موجعة دفعها الفلسطينيو­ن وبقيت طيّ الكتمان بل لم يتناولها الباحثون كفاية. عن ذلك يوضح الطبيب عزام بالقول إن خاله ولد في شــفاعمرو لأســرة مباركة الأبناء في 1928 وكان متفوقا في تعليمه واســتعد لتحقيق حلمه الكبير بالســفر لبيروت والالتحــا­ق بالجامعة الأمريكيــ­ة فيها لكن النكبة الفلســطين­ية عام 1948 أغلقت الحــدود وأغلقت عليه الأفق دفعة واحدة.

لكن الخال الشــغوف بالحلــم والعلم صمّــم على اختراق حدود المســتحيل والتســلل إلى لبنان رغم المخاطر، ورغم أن الطريق ســتكون على ما يبــدو في اتجاه واحــد دون عودة بسبب قيام الدولة الإسرائيلي­ة".

ويتابــع "بعدما اقتنعــت عائلة جدي بــأن خالي إبراهيم مصّمم على الســفر أعدوا له ما خــفّ حمله فانطلق على عجل من شــفاعمرو دون أن يســتكمل وداع كل أفراد أسرته إذ كان بعضهم قد نام في تلــك الليلة ومنهم والدتــي وخالتي وهما طفلتان بالعاشرة من عمريهما تقريبا" . موضحا أن خاله وصل قرية فسوطة الحدودية داخل أراضي 48 في تلك الليلة ومنها تسلل إلى لبنان حتى وصل بيروت سائرا على الأقدام تارة أو في " توصيلة "تارة أخرى" .

الخال الملهم

بعدما أنهى تعليم الصيدلية في منتصف خمسينيات القرن الماضي في بيروت انتقل إبراهيم فريد الدّر إلى جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة، وهناك خــرج منها باحثا كبير ودكتورا فــي البيوكيميا­ء وعمل مــع فريق أمريكي علــى تطوير دواء للكوليســت­رول الزاائد في الجســم. وفي خضم ذلك قرر الدرّ كما يكشف عزام، أن يلبي نداء الأمة فعاد لجامعته في بيروت وأســس فيها فرع البيو كيمياء وصار محاضرا فيه حتى عام 2000 . وبعــد مغادرته للولايات المتحدة بقليل توصل زملاؤه في طاقــم العمل الأمريكي مــن الوصفة الطبيــة لإنتاج دواء للكوليسترو­ل وتقديرا لهم حازوا على جائزة نوبل للعلوم.

وردا على سؤال يؤكد البروفيســ­ور زاهر عزام أن خاله لم يندم على ســفره للبنان وخسارته مشاركة الطاقم في جائزة نوبل، وقد قال له على مســامعه في لقاء أخيــر في الولايات المتحدة عــام 2006 إنه فخــور بفتحه فرع البيــو كيمياء في الجامعة الأمريكيــ­ة في بيروت، وإن ذلك بالنســبة له يعادل جائــزة نوبل. فــي ذاك اللقاء أغلــق الدّر واحــدة من دوائر تجربته كما يقول عــزام: "في ذاك اللقاء كان أولادي وزوجتي معي في زيــارة الولايــات المتحدة وزيارة بيــت خالي الذي استوقفه مشــهد أبنائي الأطفال يغطون في النوم في واحدة من الليالي ونحن عنــده بعدما انتهى برنامج تلفزيوني كانوا يشــاهدونه للتو فقال منفعلا : يا الله .. تعيدني هذه الصورة لعام 1949 فهي تذكّرني بصور شــقيقاتي وأشقائي النائمين في البيت ولم أتمكن من توديعهم عندما خرجت في تلك الليلة الليلاء من فلســطين إلى لبنان بحثا عــن الالتحاق بالجامعة الأمريكية في بيروت" .

فسطاط صلاح الدين الأيوبي

ويكثر البروفيســ­ور عزام من الحديث عن خاله، فكل شيء يذكره فيــه: "خالي إبراهيــم هو أكبر أخوالــي وقدوتي. في تلك الزيــارة وفي ذاك اللقاء الأخير معه قال لي وأنا اســتعد للمغادرة : "انبســط فيك كثيرا يا خالي ويــا ليتك ما جئت".. لأنني فتحــت له جراح الماضــي وفجرت فيــه ينبوع الحنين والذكريات".

ويكشف عزام أن خاله شكّل مصدر إلهام له بإجادته اللغة العربية بمستوى عال جدا ويشير لكونه صاحب ثقافة واسعة لدرجة أنه وضع مؤلفات مهمة خــارج مجال اختصاصه منها حتى في تاريخ شــفاعمرو بعنوان "شفاعمرو فسطاط صلاح الدين الأيوبي"، وكذلك كتاب في الصرف والنحو أيضا.

عزام عاشــق كخاله للغة العربية يجــد ضالته في قراءة الروايات، ورث حب العلم والتعليم منه ومن والده شــفيق عزام الذي عــرف هو الآخر بإتقانها حتــى لقب بـ "خطيب شــفاعمرو الأول". ويعتز البروفيســ­و بعطــاء والده الذي أمضى أربعة عقود في التعليم في مدينتي شفاعمرو وطمرة المجاورة.

ويؤكــد احترامه للمعلمــات والمعلمين ويقــول إنه لو لم يكن طبيبــا لأحب أن يكون معلما، مشــددا علــى أن مربية الروضة أهم منه كمحاضر في الجامعة وكطبيب مسؤول عن الأقسام الداخلية في مستشفى "رمبام" في حيفا )مستشفى حمزة( بفعل حساسية عملها وأثره على شخصية تلاميذها ومشــاركته­ا في بناء الشــعب والأمة. عــاوة على التعليم يشرف عزام في معهد العلوم التطبيقية في حيفا "التخنيون" على مختبر أقامه قبل ســنوات للأبحاث فــي مجال قصور القلب والرئات داخل كلية الطب وتخرج عنده سبعة طلاب بدرجة ماجســتير ودكتــوراة مما يثلج صــدره كل مرة من جديد.

الطبيب الباحث

لم يكتــف الطبيــب زاهر عــزام باختصاصــن طبيين فاســتجاب لعرض جامعة نورث ويســترن في شــيكاغو والتحــق بها لمــدة عامــن للانخــراط في مجــال أبحاث البيولوجيـ­ـا الجزيئيــة والخلايا والانزيمــ­ات حتى صار بعض زملائه يدعونه بـ "رجل العلوم الأساسية في الطب". والطبيب عزام المســؤول عــن جناح الأمــراض الباطنية بكل أقسامه في مستشــفى حيفا محاضر في كلية الطب في "التخنيون". وفي هذا الســياق يقــول إن الدرس الأول في السنة الدراســية يخصصه للحديث مع طلابه عن التعامل الإنساني والأخلاقي مع المتعالج كونه ليس رقما بل عالم له مشاعر ومعتقدات وكرامة. ويكشف أن هناك 30 % من طلاب " التخنيون" من فلسطينيي الداخل وأن نسبة الطالبات من بين الطلاب العرب فــي كلية الطب في هذا المعهد تبلغ اليوم 70 ٪ مما يشــي بالثــورة العلمية ـ الاجتماعية للنســاء العربيات الفلسطينيا­ت داخل أراضي 48.

الطبيب العاشق للأديب

ويوضح عزام أن مهنة الطب ورغم اســتهلاكه­ا وقتا كبيرا يحرص ألا تأتي على حســاب أســرته وعلاقاته الاجتماعية واهتمامــه بهواياته وأبرزها المطالعة، منوها أنه يوشــك في هذه الأيام على إنهاء قراءة رواية الكاتبة العراقية إنعام كجه جي )طشاري( وهي رواية تروي فيها وجع العراق بعد نكبته وشــتات أبنائه في العالم. كما يفصح أنه يستعد الآن لقراءة كتاب سلام الراسي للمرة الثالثة فهو يثير فيه الضحك ولا يمل به من تكرار مطالعته له.

وبســيرة الأدب وروايات السفر يشــير عزم لحبه للسفر في الواقع، معتبــرا أن حيفا مدينة ســاحرة بجمعها الجميل للجبــل والبحر بكبرياء نــادر، غير أن شــقيقتها عكا تحظى بزاوية دافئة جدا في فــؤاده كونها أجمل المدن القديمة وأقدم المدن الجميلة كما قال محمود درويش، وفي العالم أحب مدينة شيكاغو رافضا وصمها بصورة العنف.

رحلة جبلية صعبة وممتعة

كالكثيرين من المهنيين والمثقفين الفلســطين­يين فإن مسيرة البروفيسور زاهر عزام عصامية وهي أشبه بالرحلة الجبلية الصعبــة، فقد اضطر بعد إنهاء المرحلة الثانوية من دراســته للعمــل في محطة وقود)الكازية( طيلــة عامين حتى تمكن من جمع ما يوفر له تسديد القســط الدراسي الجامعي في السنة الأولى ليخفف أعباء عائلته مباركة الأبناء.

عزام الذي لم ينجح في إنقاذ زوجته من المرض يســتعيد تلك الفترة، ويشير إلى أن طلاب الجامعة اليوم لا يتمتعون بفــرص اقتصادية أفضل فحســب بل هم برأيــه أكثر إلماما ومعرفــة مهنية وعامة من أجيال ســبقتهم بفضــل الثورة المعلوماتي­ة المعاصرة.

 ??  ?? البروفيسور زاهر عزام
البروفيسور زاهر عزام

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK