Al-Quds Al-Arabi

الأدب العربي المعاصر ... التجاهل الاستشراقي

- ٭ كاتب أردني فلسطيني

■ الأدب العربي شديد التّجذر في التاريخ، وبناء على ذلك فثمة نوع مــن الحدود التي أقرتها الأكاديمية من حيث تقســيم الأدب العربي إلى أدب قديم، وآخر حديــث، على الرغم من التحفظات التي تتصل بمفهوم الحداثة على مســتوى الرؤية والتشــكيل، كونها معضلة فلســفية، غير أن هذا التقســيم يخضــع لمنطق زمني، أو تاريخــي، فمفهوم الحديث أو منطق )التحديث( يعلــق بتلك التحولات، التي بــدأت مع حملة نابليون بونابــرت على مصر، أو الشــرق ـ على الرغم من طابعها الاســتعما­ري ـ وبناء عليه، فإن مفهوم الحديث يبــدو نتاجاً خارجياً، أو أنه نتاج وعي الغربي بتمكين حكمٍ ما.

وعلــى الرغــم مــن الجــدل حول هــذا الموضوع فــإن مفهــوم الأدب الحديــث، كما المعاصر يتســلل إلى ســياق مــأزوم، في عمليــة تعريف الــذات العربية فــي ارتطامها مع ســؤال الحداثة، وقيــم التحديث، وما طــرأ بعد ذلك من قلــق العولمــة، وتداعيات الثــورة الصناعيــة الرابعة، التــي أنتجت أدبــاً مغايراً، لا في العالم العربي فحســب، إنما في العالم أجمع، وهكذا فإن وقائــع الأدب العربي )الحديث المعاصر( زمنياً يبقى في حدود التعبير عن وقائع الأحــداث في تزامنها مع التاريخ، أو رهين التحولات المســتجدة، غير أن العناية الغربيــة، أو التي تصدر من الآخر تبدو مسكونة فقط بالنموذج الموروث.

إن تمثــات الغــرب تجــاه الأدب العربــي بــدأت ضمــن ســياقات استشراقية، مع التأكيد على أن الاحتكام للعوامل الأكاديمية والمعرفية والاستشــر­اقية، بمنظورها الســلبي هي أيضا مثار جــدل، وكما يمكن القــول بأن الوعــي الغربي لا يرغب في أن يتخذ مــن نتاجات النصوص العربية الحديثــة، أو المعاصرة بوصفها فعلاً منجــزاً للتعبير عن الذات العربيــة الحديثة، في حين لا يلتفت إليه بالزخم أو الحماس عينه، الذي تتولاه الآداب الكلاســيك­ية، فالمنظــور الغربي يرى فــي الآداب العربية الكلاســيك­ية ربما الصيغة الوحيدة لتمثيل الآداب العربية، أو ربما يرى فيه التصور النقــي أو الحقيقي للذات العربية، التي تجمدت في القرون التي مضت، حيث ارتهنت هذه الرؤية لخلفية تاريخية بدت سكونية في قراءة الشــخصية العربية، تبعــاً لتلك التصورات التــي تتصل بمخازن النــص العربي، بدءاً مــن العصر الجاهلي وانتهاء بحملــة نابليون على الشرق.

في لقاء جمعني مع بعض النقاد والأكاديمي­ين الغربيين، استوقفتني عبارة لأحدهم، فحين ســألته عن اهتمامه بــالأدب العربي المعاصر، بدا اهتمامــه خجــولاً، ولكن اســتدرك قائلاً: إننــا في الجامعــات الغربية، أو فــي الغــرب عامة تثير اهتمامنــا النصوص الكلاســيك­ية العربية، أو الأدب العربي القديم، فضلاً عن الاهتمام بالتاريخ، ولاســيما الإشكالي منــه. وهذا مــا جعلني أتتبع بعض الرســائل التي تشــرف عليها بعض الأكاديميا­ت الغربية، التي تحتوي على كراســي لدراســة اللغة العربية والدراســا­ت الشــرق أوســطية، حيث وجدت أن معظم تلك الدراسات تــكاد تكون عالقــة في قراءة المرجعيــا­ت الثقافية لقيــم الطائفية، حيث تنشــط دراســات حول الشــيعة والســنة، وغيرها، كما دراســات في الحقل الصوفي، والشــعر الكلاسيكي، أو الفلســفة الإسلامية، والنثر العربي القديم، وهي تكاد تســتهلك معظم تلك الرســائل والبحوث، فلا توجــد عناية حقيقية بمنجز الأدب العرب المعاصر، إلا قلة من الباحثين، وكأن ثمة اختزالاً لا واعياً تجري ممارسته تجاه المنتج العربي الحديث، وإذا كان ثمــة بعض الدراســات، فهــي تبقى قليلة أو محدودة نســبياً، بغية اكتشــاف هــذا التجاهل أو القصور، وبناء علــى ذلك، فثمة حاجة ماســة لتتبع هذا الأمر، ضمن النطاق الإحصائــي، ولكن الأهم التنقيب عن الأســباب الجوهرية التي تحــول دون أن تتلقى النتاجــات العربية المعاصرة هــذا القدر من لدن الطــاب أو الباحثين، ســواء أكانوا طلاباً غربيــن، أم طلابا عرباً يدرســون في الجامعات الغربية، ولاســيما مع إحجام بعض المشرفين عن استثار الحماس تجاه هذه الآداب المعاصرة، وتوجيه طلابهم نحوها. ولعل هذا ما يقودنا إلى الســؤال عن ســر هذا المكنون العميق لهذا التحيز تجاه النماذج الكلاسيكية، فهل ثمة نفور من مقاربــة الأدب الحديث أو المعاصر من منطلق أنه لم يرتق إلى مســتوى الآداب الكلاسيكية من ناحية فنية او موضوعية؟ أم أنه انعكاس لواقع الثقافــة العربية، أو الواقع العربي الحضاري بعامة، كونه يتعالق بأحد أشــكال انحطاط الوجود العربي في هذا الزمــن؟ أم هو تقصير تتحمل مسؤوليته المؤسســة العربية باختلاف أشكالها سواء أكانت أكاديمية أم ثقافيــة؟ أم أن الأديــب العربــي، أو المثقف بعامة لــم يتمكن من إنتاج نصــوص أو أفكار ترق إلى مســتوى الاهتمام من لــدن هؤلاء الباحثين الغربيــن أو المترجمين؟ وهذا ما ينســحب أيضاً علــى اهتمام الثقافات الأخرى بالآداب العربية.

ربما نحيل الأمر إلى الأزمــة الحضارية في المقام الأول، وهي تتصل بتســربات الوعي الاستشــرا­قي، الذي قــارب إدوارد ســعيد فيضاً من فيوضــه، فعلى الرغم مــن كل الانتقــاد­ات التي وجهت لــه، وآخرها ما جــاء في كتــاب وائل حــاق بعنوان «قصــور في الاستشــرا­ق» فضلاً عن دراســات ســابقة لجمع من الدارســن، بيد انه لا يمكن أن ننكر بأن ثمة قناعات تســكن الوعي الغربي تجاه بعض القضايا، وهي تسربات ثقافيــة انتقلــت تاريخيــاً نتيجة التشــكيلا­ت أو الســياقات التي نشــأ فيها هذا الإنســان الغربي، فالثقافة نموذج حياتــي يتأثر بالمرجعيات، وبقايا الخطابات، وبناء عليه، فإن المثقفين الغربيين ودوائرهم العلمية تخضع لتســربات تلك الخطابــات وآثارها التي جعلت من الشــخصية العربية أســيرة متخيل قوامه عصور الازدهار، وحين تنهض أي مقاربة معاصرة، فســنجد أن الصــورة الماثلة للشــخصية العربيــة في الوقت الراهن في الوعي الغربي، تبدو هي نتاج أزمة حضارية معاصرة، فضلاً عن نكوص نحو الخلف، وبناء عليه ســتبقى العقلية الغربية مســكونة باجتــرار خطابات ألف ليلة وليلة، والشــعر الجاهلــي، والمتنبي، وأبي حيــان التوحدي وابن عربــي والحلاج وغيرهم الكثيــر، في حين أن أي أعمــال عبقريــة من لــدن شــعراء وروائيين عــرب معاصرين، ســتبقى مرهونــة بهذا المزاج الاستشــرا­قي. ولعل هذا ما يفســر أن جائزة نوبل معادية للنتاجــات العربية المعاصرة، كــون الأدب العربي لا يؤخذ على محمل الجد في الوعي الغربي، وكأن ثمة منظوراً شــديد الارتياب تجاه مكانــة الإبــداع العربــي، وقدرتــه على أن يكــون حاملا لرســالة كونية او إنســانية. ولعل المتأمل في هذا الجانب ربما يســعى إلــى إقامة نوع مــن المقارنات بين بعض الأســماء التي تحصل على عديــد الجوائز من قطاعات هامشــية من العالم، في حين يتجاهل نتاج ضخم من الكتابات المعاصرة، غير أن المقارنة ربما تكشــف عن أن ثمة مقصدية واضحة في تهميش هذا الإنتاج، أو أن ثمة أمراً كامناً في لاوعي العقل الغربي، وهنا لا يمكن لنا أن ننكر شيئاً من الاحتفاءات ببعض الأعمال التي تترجم هنا وهناك، والتــي في معظمها ينهض على بناء وشــراكات فردية، ولكننا نبقى مرتهنين لهــذا الانحراف عن قراءة المتلفظ الإبداعي العربي، بفعل نزعــة ربما تبدو استشــراقي­ة، حيــث لا يمكن للغرب الاحتفــاء بالمنجز الحضاري العربي، وهنا لا يمكن أن نبرئ بالكلية هذا الســلوك الغربي، قياســاً على التراجع الحضاري الذي تعاني منه القطاعات العربية على أكثر من مستوى، سواء أكان اقتصادياً أم اجتماعياً أم ثقافياً حضارياً.

إن غيــاب مناخــات الحريــة ربمــا تخلــق نوعاً مــن التبريــر، ولكن هنالــك الكثير من الآداب الأخــرى، التي تنتمي إلــى قطاعات مماثلة تم الاحتفاء بهم، ومــن هنا أعتقد بأن التوجهات الغربية ما زالت عالقة في الترســبات الاستشراقي­ة، وكأنها مسكونة بتكوين الشخصية العربية، التــي تجمدت في نطاقات تاريخية، وكأنها غيــر قادرة على إنتاج إبداع حقيقي، فلا جرم أن تحتفي الدراسات الغربية فقط بمنتج العقل العربي الألمعي، الذي صاحب مرحلة الازدهار الحضاري للأدب العربي القديم، فــي حين لا يمكن تجاوز هــذه الحضور في الوقت الراهــن، وهنا نلحظ أنّ ثقــل التاريخ يبــدو عميقاً، فكم ينبغي أن تمضي مــن قرون كي ينظر إلــى الأدب العربي في زمننا هذا، على أنه يمثل تجربة خاصة لنضالات المثقف العربي وعقله؟ مع ســعي إلى توصيف مرحلة من مراحله الأكثر جدليــة في التأريخ، حيث تناوشــته قوى الاســتعما­ر والنخب الوطنية التي نتجت بفعل الاســتعما­ر، وما أفرزته من فساد، وما أنبثق بعد ذلك من ثورات مضادة على ما يمكن أن ننعته بالربيع العربي المجهض!

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK