Al-Quds Al-Arabi

تربية المحن

- *كاتبة أردنية

«ما أشــبه النكبــة بالبيضة، تُحســب ســجناً لمــا فيهــا وهي تحوطــه وتربيــه وتعينــه على تمامه، وليس عليه إلا الصبر إلى مدة، والرضى إلى غاية، ثم تنقف البيضة فيُخرَج خلقا آخر.»

عبارة أوردها الأديب الرافعي في وحي قلمه عن أحــد البلغاء، تُجسّــد حالة مطردة في الأمم على مرّ الزمان: إن المحن دائما تُســفر عن مِنح، ففــي حرّها وســمومها تتربى الأجيال، فإذا هي الظلام الدامس الذي ينبلج منه ضوء الفجر، وهي العسر الذي يتمخض عن اليسر.

لطالما نظرنا إلى المحن والأزمات التي تكتنف حياتنا على أنها نهاية التاريخ، نتعاطى معها على أنها السطر الأخير فــي رواية العنــاء، وتجد هذه النظــرة أقلاما وأصواتا مؤازِرة، تُربي بذور اليأس والتشــاؤم بقصد أو بغير قصد. فلئن كنا مطالبين بالموضوعية والشفافية في توصيف الواقع، وعدم إغراق الجماهير في الأحلام الوردية، إلا أننا بالتوازي مــع ذلك مطالبون بالتعامل مع المحن والأزمات بشــيء من التفاؤل، نبث الأمل في القانطين، انطلاقا مــن ذات الموضوعية والشــفافي­ة، المستلهَمة من صفحات التاريخ، التي أنبأت بميلاد المنح من قلب المحن، على مســتوى الأفراد والأمم، فالحقيقة الظاهرة أن المحــن والأزمات تربي الشــعوب، فتغدو أكثر صلابة وصلادة ونضجا بما يكفي لعملية النهوض والانبعاث. التيه الذي دخله بنو إســرائيل على مدى أربعين ســنة، رغم أنه جاء عقوبة علــى تمردهم على أوامر اللــه وأنبيائــه، إلا أنــه في خلال عقــود هذه المحنة، تربى جيل جديد منهم على الإيمان والانضباط والجدية والشــجاعة، كانت المقومات اللازمة لدخول الأرض المقدســة، التي نكص آباؤهم عــن دخولها بما لديهــم من ضعف إيمــان وخور وفوضى، ولم يشــهد نبيا الله موســى وهارون هذا الدخــول، إلا أن الثمرة قطفها الجيل اللاحق. وفي بطحــاء مكة تلاقت الرمال الملتهبة مع الحديد المحميِّ والسياط المرعبة والحجارة الثقيلة، لتجتمع على قهر بشرٍ من لحم ودم، لا لشيء إلا لأنهم تنكــروا للموروثات الباطلة، واتبعوا النور الذي نزل من الســماء، وفي خضم المحنــة والأزمة، وفي ظل الصرخات التي تتســاءل عن النصر، كانت البُشريات بانقشاع الظلمة وولادة النور، وإتمام الأمر، وبلوغه ما بلغ الليل والنهار، فكانت بعدها دولة الإســام الأولى، التي نفذت أشعتها إلى العالمين، وصارت حضارة فريدة استفادت منها البشرية جمعاء.

تربت الشــعوب بين أنياب محنة غياب الأقصى عن حضن الأمة، في ظل تســلط الحــكام العملاء الخونة الممالئــن لأعداء الأمــة، قبيل ظهور صــاح الدين، إذ كانوا يســتنصرون بالصليبيين على أقرانهم، فتشتت شمل الشــعوب، لكن هذه المحنة هي التي أنبتت أمثال الســلطان نور الدين محمود زنكــي، وتلميذه صلاح الدين الأيوبي، والتي كانــت وحدة الأمة وفصم أغلال الأقصى مهمتهما الأســمى، لينطلق الأخير لاستكمال ما بدأه قائده، وعبر إلى فلسطين من خلال تطهير مصر من حكامها العبيديين الخونة، واســترد الأقصى بعد قرابة مئة عام، لم يرفع منه الأذان، ولا ننســى في هذا المقام أن نشير إلى دور المدارس النظامية التي أنشأها الوزير نظام الدين قبل ذلك، والتي أخرجت جيل صلاح الدين، بما عرف عنها من انتشار في المدن والعواصم والقرى، واشتمالها على مناهج تؤسس لنهضة مجتمعية شاملة، تُوّجت باســتعادة القــدس. ومن كان يظــن أن الأمة ســتقوم لها قائمة إبان الاجتيــاح التتري، فقد ضربت الهزيمة النفسية أطنابها في النفوس، وأضحى الناس يتداولون أن التتار يأكلون لحوم البشــر، ويشربون دماءهــم، حتى أن الرجل منهم ربما دخل حانة وقيّد كل من فيها، من دون أن يحركوا ساكنا، اعتقادا منهم بأنهم لا قبل لهم بالتتري، ويكفي أن نعلم بأن بلاد مازندران في إيران، لم يستطع المسلمون دخولها إبان الصراع مع فارس، ولم يدخلوها إلا في زمن سليمان بن عبد الملك، لكن التتار دخلوها في زمن قياســي، وسهولة عجيبة، بسبب الهزيمة النفسية التي تمكنت من أهلها.

لقد كان المــؤرخ ابــن الأثير يعرض عــن ذكر هذه الحوادث اســتعظاما لها كما ذكر فــي كتابه «الكامل»، لكنــه لم يكن حيــا حين بــدأ التتار هجمتهــم الثانية واجتاحوا حاضرة الخلافــة وقتلوا فيها مئات الآلاف. رغم كل ذلــك إلا أن صحوة ما قد بــدأت، قادها علماء أمثال الإمام العز بن عبد الســام والقــادة أمثال قطز وبيبرس، جعلت الجماهير تدرك خطر الفرقة والعمالة وضرورة دفع ضريبة المواجهة، قبل أن يدفعوا ضريبة الــذل، فكانت عين جالوت هي الصخرة التي تكســرت عليها شوكة التتار، وجاءت الأحداث التي تليها تطهيرا للأمة من درن الاحتلال. وإنها لحالة مطردة بين الأمم أن تربيها المحن، فالشعب الألماني خرج من الحرب العالمية الثانية مهزوما منكســرا، لا وجود فيه ســوى للأطفال والنســاء وكبار السن، أما الشــباب فمنهم من قتل في الحــروب ومنهم من ســيق إلى معســكرات الاغتيال، لكــن فترة الســقوط كانت محنة، ربت هــذه النفوس على العطاء والبــذل، من دون انتظار المقابل، فقام ذلك الشعب المنكسر من جديد، وبنى بلاده حتى صارت من القوى الاقتصادية والعســكري­ة والعلمية ذات المواقع المتميزة في الترتيب العالمي.

الشــعب الياباني الذي تربى في محنة الاستسلام بعد نجازاكي وهيروشــيم­ا التي يجد آثارها إلى اليوم، هو الشــعب ذاته الــذي أذهل العالم بعدهــا بانبعاثه ونهضتــه، وأصبح رمــزًا للصناعــات والتكنولوج­يا المتقدمة، إلى درجة أن كثيرا من الناس عندما يتناولون طرفا من حياة اليابانيين يقول: «كوكب اليابان.»

إننــا بحاجة إلى نظرة جديــدة إلى المحنة، تضاهي نظرتنا إلى الدواء الذي نلتمســه فــي أنياب الثعابين وذيول العقــارب، بحاجة إلى شــيء مــن اليقين في الموعود الربانــي، بحاجة إلى الاعتبــار بأحوال الأمم وصفحات التاريخ بنقلاته البعيــدة، بحاجة إلى عدم الســأم من النظر إلى نصف الكوب الممتلئ، بحاجة إلى التفاؤل الإيجابــي الذي يصاحبه العمــل والجدية لا انتظار المعجزات وظهور الُمخلِّصــن. لم تكن الصفحة الأخيرة ليوســف في ظلمة البئر، ولــم تكن في الرق، ولــم تكن في الغربة، بل لم تكن في الســجن، بل كتبت حين قال «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِـَـن الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.»

تلك الســطور ربمــا لا تحمل الجديــد، لكنها تذكرة بالقديم المنسـِّـي الذي غطاه ركام النكبــات، وجدتُني مدفوعــة لطرْقه وأنــا أرى اليأس قد بلــغ من الناس مبلغه، وجلسوا ينتظرون المعجزات أو الممات، من دون إعمال الفكــر والعقل وصرف الهمة إلى العمل بســبب سوء الأوضاع على الأصعدة كافة، فالنكبات وإن كانت تتوالى، فالفرج كذلك يتوالى، واليســر يغلب العسر، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK