Al-Quds Al-Arabi

يانيس ريتسوس: الشعر لا ينتهي ويعيش من خلال الآخرين

- ترجمة ـ إبراهيم قازو:

احتفــظ الشــاعر الراحــل يانيس ريتســوس من ســنواته المضطربــة بتحفظه الكبيــر من آلة التســجيل، «هذه الآلة المستعملة أثناء الاستنطاق في المكاتب العسكرية، والتي بفضلها يحاول رجال الأمن تأويــل كل كلمة، وكل جملة بهدف الإمســاك بتهمة ضده.

ومن هناك الحصول علــى إدانته» لذلك يفضل اعتبــار اللقاء محادثــة بدلا من اعتبــاره مقابلة. وفي نهاية نقاش حول ميزات التصوير يقبل بأخذ صور لبعض لحظات المحادثة.. «الشاعر يشتغل في الصمت ـ هذه هــي حالته الطبيعية ـ وليس حينما يتكلم» يقول ريتسوس.

■ لماذا تكتب، ولمن؟

□ أســباب الكتابة ليست محسوسة. هناك عدة عوامل غامضة تتدخل في إبداع عمل فني. لا نعرف إلى أي حد هي بيولوجية، وراثية، عائلية، دينية. يقال إن الشــرط الأول لأي فنان هــو الموهبة. لكن ما هي الموهبة؟ مــا مصدرها؟ من الطبيعة، العائلة، التربيــة، المجتمع؟ إنها مزيج مــن كل هذه العوامل التي تؤثر في الإبداع، وعلى ضرورة الإبداع.

■ وهل هذه الضرورة كذلك غامضة بدورها؟

□ هنــاك مــادة للتأويل، لنســمي ذلك ضرورة تجاوز حاجــز العزلة، ضــرورة التواصل، فحتى قبل وجود الكلام المكتوب، وجد الرســم والإشارة والرقص. فالرســوما­ت داخل الكهــوف تبين كيف يصطاد الإنســان الحيوانــا­ت، وكيــف يحتمي، فالحاجــة الطبيعية الأصيلة تســتثمر في شــكل جمالي في اللحظة التي تستقر فيها على لوحة، في كلام، في مسرح. فالتجربة تنتقل أيضا من جيل إلى جيــل. وضرورة التواصل هذه، هــي بالتحديد مدّ الــذات نحو الموضوع. فالفنان، ربما، ليس ســوى موضوع مُذَوًّت، أو ذات وموضوع في الوقت نفسه. لكن، وكما أن المعرفة الجمالية لكل ما تحول إلى فن غير قابلة للتحديد، فالجمالي يبقى منطقة شاسعة وغير محددة، كما الحياة تماما.

■ لقــد ســاهمت الأغنيــة فــي الانتشــار الشــعبي لشعرك، هل كان ذلك اتفاقا؟

□ يجب أن لا ننســى أنه في الماضي كان الشعر في الغرب كما في الشرق، مرفوقا دائما بالموسيقى وبالرقــص، لنفكر مثلا في المســرح القــديم الذي ينضد الشعر، الرقص، الغناء، الموسيقى، الإخراج، الفضاء، التلوين، والهندسة في مجموعة متعادلة، ثم جاء وقــت القطيعة والاختصــا­ص، ليس فقط

في مجال الفن، ولكن في مجــال العلم أيضا. وهذا لا يمنع الاختصاصات المختلفة مــن الانتماء لجذع مشــترك، يحتــاج بعضهــا بعضا، وسيكتشــف الفنانون ـ على ما أظن ـ مرة أخرى ضرورة تعانق وتناغــم الفنون. لقــد كنت ـ رغم ذلك ـ مندهشــا لأن ميكيــس ثيودوراكيس كتب موســيقى )رثاء الموتى Epitaphios) ســنة 1957 أي بعد عشرين ســنة من إبداع المجموعة الشعرية. لقد كنت متأثرا بالموسيقى ومسرورا جدا بمعرفة أنه بهذه الوسيلة سيصل شعري إلى الشعب.

فعوض إجبــار الناس على الذهــاب إلى مكتبة ما، يذهب الشــعر عند الناس البســطاء في شكل موسيقى، بينما هم يأكلون، يحلمون، يعشقون. إن الشــعر يضطلع بدورين في آن واحد: دور جمالي ودور تربوي.

■ تقــوم بســاطة كتابتــك أيضــا علــى الرغبة في الوصول إلى الكثير من الناس؟

□ إن البعــض يقول بأن شــعري صعب جدا، بالنســبة لي، الكتابة البســيطة هي الأكثر تطلبا. فالشــعر ينطلق من التجريد ليصــل إلى الواقعي. فأنا أنتروبــوس anthropos أي كائن بشــري، لكن ذلــك بالنســبة لي يعنــي ســينانترو­بوس

synanthrop­os، أي كائــن ملتــزم فــي الهوية مع جميــع كائنات العالــم الأخرى. ففــي ما وراء الاختلافــ­ات، الإكراهــا­ت، الحواجــز، الأحقــاد المصطنعة، يبحث الشاعر (الفنان( عن استكشاف الروابط الســرية بين البشــر، إن أي تحقيق فني وجمالي للأخوة الكونية هو تأكيد للحياة. الشاعر يقول نعم للحياة وذلك استجابة عميقة لكل جمال. باسم الجمال نناضل من أجل تطوير العالم.

■ أفكارك السياسية تظهر بوضوح في شعرك، هل لذلك تأثير سلبي في تقدير عملك الإبداعي؟

□ نعــم ولا. أظــن أن معظــم قرائــي ينظرون إليّ كمناضــل، إنســان مناضل من أجــل مصالح الشــعب اليوناني، ومن أجل مصالح المســتغلي­ن، والمضطهدين فــي العالم، لأني تحدثــت في عملي كذلك عن فيتنام، السلفادور، بلغاريا، ورومانيا.

واعتقالــي ســنة 1948 زاد من اهتمــام الناس بشعري، فمعظم المعجبين بي لا يعرفون ما إذا كانوا يحبون الشاعر أم الإنسان؟

يعني الــذي كان حاضرا فــي المظاهرات، الذي عذب ونفي، لكن حقيقة، لقد اســتقبلت بمحبة منذ خطواتي الأدبية الأولى.

■منعت لزمن طويل من النشر؟ □ صحيــح، فعلى مدى عشــرات الســنين كان اسمي ممنوعا في اليونان، بينما في الوقت نفسه، كانت هناك إصدارات لقصائدي في فرنسا وإنكلترا وألمانيا.

■ بدون أن تكون على علم بذلك؟ □ لم تكن لديّ أي فكرة، فقد وصلتني هذه الكتب بعد عشرين ســنة من إصدارها. فقصيدتي الأطول في 140 صفحة الموســومة بـــ «أحياء العالم Les

‪quartiers du monde‬ « نشــرت في ألبانيا سنة 1962 لم تكن لدي ولا نســخة واحدة منها إلا سنة !1982

■ بسبب أفكارك السياسية؟

□ طبعا. ففي هذه الأثنــاء كان هناك تحيز ضد شعراء آخرين، لكن ليســت للأسباب نفسها، مثل إمبيريكوس وإيغونوبول­ــوس اللذين لم يكن لهما في بداياتهما أي تقدير.

■ وهل كان ذلك نتيجة الجهل بالتيار السيريالي؟

□ صحيح. فلم يكن في اليونان أي تأثير للحركة المستقبلية، ولا الدادا، لم يكن لدينا كذلك رسامون تكعيبيون، وفجأة جاء إمبيريكوس وفاجأ القراء.

الناس يضحكون. لم يفهموا شــيئا. لقد كان شعرا مختلفا كليا.

■ هل تمثل جائزة لينين قمة مسارك؟

□ لقد حصلــت على عــدة جوائز حتــى الآن. والجائــزة تمنحني الإحســاس بالوجــود خارج الحواجــز واللغات، إنهــا تقوي أيضــا اعتقادي الراســخ بوجود إمكانية التجاور والتعاون. هذه الجائزة ليست إذن موضوع مجد بالنسبة لي.

■ في عدد من ترجمــات أعمالك، نعثر على طبعات تركيــة. هــل يعرفون هنــاك أنك كنت صديق الشــاعر ناظم حكمت؟

□ لقــد ترجم عملــي إلى اللغــة التركية في ظل ديكتاتورية أورن Euren! حينئذ كان الشاعر ناظم حكمت ممنوعا. ولم يعد كذلك الآن. الديكتاتور­يون أذكياء، فقــد فهموا أنهــم بمنعهم شــاعرا عظيما ســيثيرون نزاعات عبر العالم، ما يجعل منه بطلا. وإذا وضعوا مئة نقابي في الســجن، لا أحد يحتج. يصعب عليّ أن أعــرف ما إذا كان عمــل ما يرتبط بالقيمة أو الأســطورة، التي تحيط بمبدعه. لا أظن أن كل هــذه الترجمات، وكل هــذه الجوائز ناجمة عن قيمــة عملي الإبداعي فقط، فأنــا أحب أن يُقيَّم عملــي يوما ما، مســتقلا عن الأســطورة المرتبطة بشخصيتي.

■ وهل يمكن لشــاعر مــا أن يعيــش من عمله الإبداعي؟

□ في بلدان أوروبا الشرقية يعيش الشعراء من إبداعاتهم. أما أنا فقد اشــتغلت حتى سن السابعة والخمســن، ومنذ ذلك الحين، يمكــن أن أقول إني أعيش من شــعري، لكن يجب الأخــذ بالاعتبار أن مجموعــة إبيتافيــو­س Epitaphios صــدرت منها 36 طبعــة، ومجموعة الهيلينية ‪La Grécité‬

32 طبعة، ومجموعة ســوناتا فــي ضوء القمر La

‪sonate au claire de lune‬ 29 طبعة.

■ هل الدولة تعتني بشعرائها هنا؟

□ بعض الفتــات، فجوائز الدولة أو الأكاديمية ـ بالكاد ـ تسمح بالعيش شهرا واحدا.

■ وهل تظن أن عملك الشعري قد انتهى؟

□ مــا دام الشــعر يتماهــى مع معنــى الحياة والتاريخ، فهو لانهائي. إنه يســتمر من خلال عمل شعراء آخرين، وبهذا المعنى فالشعر لا نهاية له. المصــدر: ‪Nuit Blanche ( Le Magazine‬ ‪.Mars/Avril 27 du livre) Numéro‬ ٭ شاعر ومترجم من المغرب

 ??  ?? يانيس ريتسوس
يانيس ريتسوس

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK