Al-Quds Al-Arabi

السودان: حول اعترافات السفير البريطاني

- *كاتب سوداني

فــي تعليقي علــى التظاهــرا­ت التي شــهدتها روســيا عقب احتجاز المعارض نافالنــي، والتي قرأهــا البعض كموجة ثورية مهددة لحكم الرئيس بوتين، كتبت أن مما يمكن أن يوحي بمآلات الأحداث هناك هو، مدى ثقة الناشطين بالدول الغربية، أو ما يســمى بـ»المجتمع الدولي» الذي، إن كان يتفق مع هؤلاء الثــوار حول هدف الإطاحة بحكم بوتين، إلا أنه بلا شــك يملك رؤية ليســت بالضرورة متطابقة مع ما تنشده هذه الجماهير الطامحة في بيئة سياسية واجتماعية أكثر عدلاً.

لا يمكن للمــرء أن يجد دليــاً على السياســة البراغماتي­ة وغير المبدئيــة لذلك «المجتمع الدولي» أوضــح من تعاطيه مع سلســلة الثورات العربيــة، فقد ظلت هذه الــدول تمثل داعماً رئيساً للأنظمة التسلطية. وقفت الولايات المتحدة، على سبيل المثال، مع حسني مبارك حتى تأكدت أن نظامه تهاوى، في حين عرضت فرنســا على بن علي إرســال تعزيزات أمنية من أجل تثبيت حكمه، قبل أن يستســلم ويــرى أن لا فائدة من مقاومة الإرادة الشــعبية. رغــم هــذا الواقع الواضــح، إلا أن النخب السياســية والثورية ظلت تتعلق بالغــرب، كما ظلت تتنافس في ما بينها على كســب وده، ما سمح له بالتدخل والنجاح في تشــكيل الواقع الجديد بعد أن كان فشل في التنبؤ بحدوث أي نوع من التغيير في المنطقة التي ظلت مجمدة سياســياً لعقود طويلة.

اليوم، وبعد مرور كل هذه السنوات، ما يزال البعض يشكك في أنهــا كانت ثورات حقيقيــة، معتبرين أنها لم تكن ســوى مؤامرات كبيرة لإحداث تغييرات مقصودة على مستوى القوى الحاكمة. الرؤية الموضوعية تدفع لتجاوز هذا السؤال ولاعتبار أن النتيجة واحدة في الحالتين، فالأمور بخواتيمها، وليســت بالبدايــا­ت الثورية الرومانســ­ية التي انطلقت، فــي غالبها، بطريقة عفوية مســتصحبة تضحيات أليمة. الخواتيم تحدّث عن الاختطاف والتآمر والإحباط الذي أصبح ســمة غالبة لمن كانوا يحلمون بتحســن أحوالهم، في حين ذهبت الأمور لأسوأ من ذلك في أكثر من بلد بعد شيوع الفوضى واحتدام الحروب، حتى أجبر الناس على الحنين لعهد ديكتاتورهم القديم.

الحقيقة هي أن دوافع الدول الغربية لدعم حركات الاحتجاج والتغيير كانــت تختلف اختلافاً جذرياً عــن دوافع الثائرين، كانت المصلحة هي التي تجعلهم يتحالفــون مع ديكتاتوريا­ت المنطقة التي تقدم لهم الكثير مما لن يتوفر لهم بسهولة في عهد ديمقراطية ممثلة لصوت الشــعب، كمــا أن المصلحة هي التي كانت تقــف وراء تخليهم عن هذا الزعيم أو ذاك، والبحث عمن يمكنه أن يخدم طموحاتهم بشــكل أكبــر، أما الولايات المتحدة فمضت لمــا هو أبعد من ذلــك لتكون الراعي الأممي لعشــرات الانقلابات، التي شاركت في بعضها بشكل سافر، ليس لإزاحة المســتبدي­ن وإنما لإزاحة مــن رأت أنهم يعرقلون مســاراتها. في عوالم الجنوب، خاصة المنطقــة العربية، لا يمكن أن تكون الديمقراطي­ــة هي الهدف الحقيقــي وراء التحركات الأوروبية والغربية، فالأنظمة الديمقراطي­ة ستأتي في الغالب بأشخاص غير مرغوب فيهم من الرافضين للهيمنة الاقتصادية والسياسية الغربيــة، أو الداعمين للحقوق العربية وعلى رأســها القضية الفلســطين­ية، كما أنها ســتأتي لا محالة بالإسلاميي­ن الذين لا ترى تلك «الديمقراطي­ات» أن مصلحتها يمكن أن تكون معهم.

كل ما ســبق ليس مجرد وجهــة نظر، بل حقائــق يؤكدها الواقع، فالغرب الذي يعلن فــي كل محفل أن تعامله مع الدول الأخرى سوف يكون بناء على مدى احترامها لحقوق الإنسان والمواطنة، يعد الشــريك الأهم لأكبر الأنظمة القمعية في داخل المنطقة وخارجها. قبيل مغادرته الخرطوم نشر عرفان صديق الســفير البريطانــ­ي، رســالة وداع أرادها أن تكــون لطيفة وصريحة. كانت الرســالة التي تم نشرها على موقع السفارة، وعلى كثير مــن المواقع الإخبارية المحلية أكثــر من مجرد كلمة طيبة لسفير في نهاية فترة خدمته، حيث حاول عرفان أن يرد بها على الناشطين والمحتجين الذين كانوا يتهمونه بالتدخل في الشأن الداخلي، فقبل أيام فقط من نشر هذه الرسالة كان عدد كبير من الشباب الســوداني يتجمعون خارج أبواب مسكنه، منددين به ومطالبين بمغادرته. كانت رســالة الوداع بالنسبة لعرفان، الذي أنهيت مدة ابتعاثــه قبل وقتها المفترض، فرصة من أجل مخاطبة هــؤلاء المعترضين، والتذكيــر بالأدوار التي لعبتها بلاده، والتي لعبها هو بشكل شخصي في سبيل إنجاح التغيير والعبور نحــو حكومة انتقالية، وبــدا وكأنه أراد أن يقول إنه، وإن كان غير سوداني، إلا أنه لا يقبل المزايدة فلولاه لما تمت هندسة التنحي والتغيير.

فــي حقيقة الأمر فــإن دور عرفان كان أوضــح من أن ينكر منذ مرحلة الاعتصام الذي شــارك فيــه مثمناً دور المعتصمين، مروراً بلحظة الابتهاج بســقوط البشــير والضغط في سبيل تكوين حكومة مدنية، ونهاية بمفاوضات الوثيقة الدســتوري­ة والتشــاور حول إنشــاء البعثة الأممية الجديدة، وغيرها من المراحل التي مرّ بها النظام الجديد.

لم يكن عرفان يشعر بأن عليه أن يعمل بشكل مستتر، فكان دائم الحضــور من الناحية الاجتماعية والسياســي­ة، كما كان لا يكتفــي بالتعبير عن رأيــه بين جنبات الغــرف المغلقة التي كان يجتمــع فيها مع الفاعلين السياســيي­ن، وإنما على الملأ في تغريــدات صريحة تتحدث عن مواضيع مــن قبيل، تقييم أداء الحكومة وأحياناً، ما يشــبه توبيخها، كما حدث حين عبّر عن استيائه من تسريب خطاب اســتقدام البعثة الأممية، أو حين تحدث عن أهمية رفع الدعم عن السلع، أو إبعاد الإسلاميين، أو ضرورة التوصل إلى اتفاق ســام مع حركات عبد الواحد نور وعبد العزيز الحلو وغيرها من الإشارات.

أحد الأسباب التي كانت تجعل تدخلات عرفان سافرة هي، إحساســه بقبول القيادة الجديدة بهذا التدخل. كانت النخبة الحاكمة تقرأ هذا «الاهتمام» كدليل على العلاقة الحميمة، وعلى الانفتــاح على المجتمع الدولي، كما كانت تــرى فيه تعبيراً عن القطيعة مع النهج الســابق المتشــكك في نوايا الغربيين، الذي كان يتعامل مع ممثلــي الولايات المتحدة والــدول الأوروبية بحذر مفرط، جعلت البشير يتباهي في أحد لقاءاته الجماهيرية بأنه أسمع الســفيرة البريطانية الســابقة ما لا يرضيها، حين حاولت تقــديم النصح حول طريقــة إدارة البلاد. المعترضون على تمدد هذا الســفير أطلقوا عليه عدة صفات أشــهرها صفة «الحاكم العام» المتهكمة، لكن للأمانة فالرجل لم يكن الشخصية الأجنبية الوحيدة، التي لعبت دوراً في التطورات السياســية اللاحقة لســقوط البشــير. كان الفارق بينه وبين غيره فقط هو أنــه لم يكن يرى في تدخله هذا ما يشــن. الغربيون كانوا يرغبون في إســقاط نظام البشــير، هذا أكيد، لكن ذلك لم يكن بدافع حب أهل السودان، بقدر ما كان بدافع حماية مصالحهم. هذا يفســر الحماس تجاه القيادة المدنية الحالية، وهو حماس لن يســتمر طويلاً إذا ما أبدت هذه القيادة بعض الاستقلال، أو وقفت في طريــق مصلحة داعميها، ففي هذه الحالة ربما يتبدل الأمر، ليراهن أولئك الداعمون على العســكر، أو على أي طرف ثالث يظهر رضوخاً أكبر، وإن كان النظام القديم نفسه.

هذه الجملة الأخيرة ليست على سبيل المبالغة، فقد سبق أن دعمت هذه «الديمقراطي­ات» البشير في انتخابات 2010 ونفت عنه شبهة التزوير، حينما اقتضت المصلحة، التي تعلقت حينها بفصــل الجنوب، ذلك. هذه هي الحقائق التي يجب أن نذكّر بها أنفسنا قبل أن نستسلم للوعود البيضاء.

دوافع الدول الغربية لدعم حركات الاحتجاج والتغيير تختلف عن دوافع الثائرين، فمصلحتها بالتحالف مع الديكتاتور­يات

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK