Al-Quds Al-Arabi

الأستراباذ­ي في طريقه إلى البرلمان

-

■ الرضــيّ الاســتراب­اذي نحــويّ عربــي أصله من فــارس من أســتراباذ، التــي باتــت تعرف في ما بعــد بجرجان، والتي نســب إليها كثير مــن العلماء أبرزهم عندنا عبــد القاهر الجرجاني. عاش الرضيّ في القرن الســابع الهجري الموافق للثالث عشــر الميلادي. عُــرف بكتابين مميّزين هما في الأصل شــرح لمتنــن كتبهما نحويّ مصريّ هــو ابن الحاجب، متن في النحو يســمّى الكافية، شــرحه الرضــيّ تحــت مســمّى «شــرح الكافيــة» والثاني فــي التصريف ويسمّى الشافية عرف شرحه له باسم «شرح الشافية». والحقّ أن الشرحين هما في تاريخ النّحو أعظم شأنا من المتنين لأسباب علمية ليس هذا مجال الخوض فيها.

اشــتغلتُ مطوّلا بالبحث والتدريس على الشــرحين وكنتُ كلّما عدت إلى النصين وجدت فيهما نحويّا فذّا يورد الآراء وينتقي منها ما يجده مناســبا أكثر من غيره لروح النظرية النحوية، وينتقد فيها مــا يعدّه من الأفــكار محتاجا الضبط. لكنّ أكثر مــا فاجأني به هذا الرضــيّ، أنّه تمنّى أن يخرج علــى إجماع النحاة في مســألة علمية اتفــق فيها المذهبان البصــري والكوفي، ولم يستســغ هو رأييهما. فهــدّد بالخروج على الإجماع، غير أنّه لم يخــرج لأنّ ذلك «مكروه». هذه المســألة هي اتفاق النحاة من المذهبين علــى أن الفعل المضارع المجــزوم معــربٌ وعلامــة إعرابه الجزم، أو الســكون )لــم أخرجْ(. فقال: «لولا كراهة الخروج عن إجماع النّحاة القائلين بإعراب الفعل المجزوم لحســن ادّعاء كون المضارع المسـّـمى مجزومــا مبنيّا على الســكون لأنّ عمل ما ســمّي جازما لم يظهر فيه لفظا ولا تقديرا». لا علاقة لكم قراء هذه الصفحة بمســائل الإعــراب والبناء وتعقيدها فهذه مســائل تتــرك لمقاعــد الجامعة ولبحوثهــا، إنّما مــا نريد أن نشــركهم في التفكير فيه هو أن ســلطة الإجماع في التفكير القديم، بــل وفي بعض التفكيــر الحديث، يمكن أن تحدّ مــن حركيّة التطور العلمي والفكري.

نحن نفهم كيف كان الإجماع مصدرا ثالثا من مصادر التشــريع الإســامي بعــد القــرآن والســنة، وكيف أنّــه كان حــاّ براغماتيا فــي غياب النصــوص؛ لكن أن يعتمــد في الدين شــيء، وفي العلم شــيء آخر تماما. فــأن يعتمد هذا» الأصل» فــي العلم قديما لا على أنّــه لوصف اتفــاق حادث في الأفــكار العلمية، بل علــى أنّه ذريعة تشــرّع مواصلة الحقيقة الضعيفة، فذلك شأن لا يطلب في العلوم. ما يســمّى إجماعا في السياق الذي ذكره الرضيّ الأستراباذ­ي هو أن النّحــاة اتفقوا على مرّ عصــور من التفكير فــي النّحو، أن الفعل المضــارع المجزوم معربٌ شــأنه شــأن المنصوب والمرفــوع، رغم أن الأصــل في الإعــراب يكــون بالحركــة، ولا يكــون بالســكون وأنّ الإعراب لا يدخــل الكلــم، إلاّ إذا أفادت المعانــي الإعرابية المختلفة. الإجماع علــى هذه الفكرة هو ضرب من اتفاق العلماء على مســألة علميّــة، يمكن أن يكون فيها خلاف وهذا مقبول ومحبّذ في أيّ علم، لكــن أن يصبح الإجماع على حالة من العلم ســلطة فذلك هو المزعج للعلــم؛ يصبح الإجمــاع مكبّلا للمعرفة التي تقبــل المراجعة وما من معرفة إلاّ وهي متطوّرة بفضل المراجعة.

ســيقال لنا إن الإجماع يحمي العلم في حالــة من أحوال تطوّره حمايــة من الفوضى والرأي القصير، وســيقال لنا إن الإجماع كان ســندا مهمّا لرواج العلــوم في العصور الكلاســيك­ية، غيــر أن مثل هذا الــكلام لا ينظر إلى العلوم من جهة التطوّر، بل من جهة الثبات، ولا ينظــر إليهــا من جهــة ما يســمّيه غاســتون باشــار بالقطيعة الأبســتيم­ولوجية التي تحتاجها العلوم لتتطوّر. يعتقد كارل بوبر، أن تطوّر العلوم يرجع إلى ما يسمّى Falcificat­ion وسنترجم هذه العبــارة بالدُّحــوض بدلا من التزييــف. يعتقد بوبــر أن أيّ علم من العلــوم، لا بدّ أن تخضع نظريّاته للاختبار وأن تســتجيب للتّخطئة والدحــض بشــكل معقــول؛ وأنّ تلك الطريقــة هي الطريقــة المثلى للتمييــز بين العلــم وغير العلم، بل يذهب بوبر إلــى أن من مهمّة كلّ علم أن يســعى إلى دحض نظريّاته أكثر من الســعي إلى خلق حالة من الثبات والإجماع عن بالبحث الدائم عن إثبات مقولاته الأبدية.

التفكير العلمي القديم ومثاله ههنا النحو كان تفكيرا لا يميل في الغالــب إلى الدحــض، بل إلى إلى الإجماع، حتّــى إن كان لا يرفض التمذهب أو الاختلاف.

صحيــح أن الخــاف كان فكريّــا لا تحكمــه فــي الغالــب فكرة الخلاف للخلاف، لكنّ العلــم كان واحدا والخلاف في الفروع، ولا توجد نيّة لدى العلماء القدامى في صنع شيء يرجّ الأسس ويصنع القطيعة مع آليّات التفكير القديمة. لقد كان الإجماع يحمي سيرورة آليّات العلم والتفكير، أكثر مما يحافظ على العلم نفســه. كان العلم واحدا، وحــول نظريّاتــه الكبرى إجمــاع، ولكنّ التعليــل هو الذي كان مثــار خلاف. ومعلــوم أن العلّة لا تغيّر شــيئا من روح المعلول، حتــى وإن كانت متنوّعة. لم يكن النحاة على اختلافهم يؤمنون بأنّ علمهــم قابل للدّحض جميعا، ولا أن ما لا يقبل الدّحض ليس علميّا. كانوا محكومين بفكــرة الجماعة التي تقود إلــى الإجماع: الإجماع داخــل العلم أصل الإجمــاع يتلوه الإجماع على مــا تقرّر من أصول فــي النحو، وعلى مــا ضبطه ســيبويه وكبار النحاة مــن نظريات، والإجمــاع على رأي قالــه كبار النحــاة وعدّ مقنعا بما فيــه، أو لأنّ نحويّا كبيرا قاله.

لــم يتطــوّر النحو طيلة قــرون إلاّ من داخل جيــوب الاعتلال، أو التفســير، أو ضبــط المفاهيــم لكنّه لــم يتطوّر كي يصــل إلى نقض أطروحاته الكبرى. العلوم القديمة هي علوم أرثوذوكســ­ية تُصْلح، أو ترمّــم بعــض مقولاتها، ولكنها لا تعيش قطيعة أبســتيمول­وجية علــى براديغماتـ­ـه على حدّ عبــارة توماس كوهن. يعتقــد كوهن أن الإجمــاع مفيد في تأســيس تصوّرات علمية جديــدة، وفي الاتفاق على أن التصوّرات القديمة لم تعد تؤسّس لمنوال نظري مفيد. فعلى سبيل المثال، فإنّ ما جعلنا ننتقل في التفكير الحديث من النحو إلى اللســانيّات هو إجماع اللســانيّين على جملة من المبــادئ النظرية، التي تثور على مبادئ قديمة ارتكز عليها النحو، من بينها أن دراسة اللغــة ينبغي أن تكــون بطريقة علميــة وصفية خالية مــن الأحكام المعياريــ­ة؛ وأنّ علم اللغة ينبغي أن يركّز على الشــفوي ولا يفاضل بينه وبين المكتوب، وأنّه لا فضل للســان على لسان إلاّ بالأداء؛ وأنّ وجهــات النظر هي التــي تصنع الموضوع وليــس العكس. الإجماع الماقبليّ مفيد في الثورة على العلوم القديمة وفي تأســيس مناويل جديدة، وحين تتأسّــس العلــوم الجديدة ليس مطلوبــا من العلماء أن يجتمعوا على أفكار من شــأنها أن تجمّد العلم في نظريّات تقبل التجدّد.

حين قال الأســتراب­اذي إنّه يخشى الخروج على إجماع العلماء، كان يحكــم على العلــم من داخل ثقافة لها مقالاتهــا العامّة، التي لا تريــد التفريط فيهــا لم يكن ثوريّــا إنّما أراد أن يفكّر فــي حال لعلم خــارج الإجماع. لــو كان للنحاة برلمان كما لسياســيّي اليوم برلمان لقصد الأســتراب­اذي مجلس الشــيوخ ولجلس فــي مقعده في ذلك المجلس ولاســـتأذ­ن رئيس المجلــس قائلا: ســيدي رئيس المجلس، زملائي الأعضاء.. ثمّ يتنحنح.. ويواصل: ســأصوّت متى عرضتم قراركــم القاضي بأنّ الفعــل المضارع المجزوم مبنــيّ بالقبول... ثمّ ســيصمت صمتا يترك للجماعة أن ترتــاح ويواصل / لكن... لكن.. رغم التزامي بما قرّرتم ســأفيدكم بأنّ قراركم وإن كان يلزمني فإنّ فيه خلــا كبيرا في الأســس النظريّــة للعمل الإعرابي.. لن يســمع رئيس المجلس إلاّ لما يطمئن أن الاســتراب­اذي ســيصوّت وسيســدّ منافذ الكلام في ذهنه.. وسيقول كبار مجلس الشيوخ أن هذا لعب صبيان.. المهمّ في الإجماع..

هذا لو كان الأستراباذ­ي في بلد يؤمن بالإجماع، ويترك للناس أن يعبروا ولا يكترث لتعبيرهم فــي القرارات. لكن تصوّروا لو كان الأســتراب­اذي في بلــد يلعن فيه من خــرج على الإجمــاع، فإنّنا لن نرى الاســتراب­اذي إلاّ وهو يســير في طريقه إلى البرلمان.. بعد ذلك سيكون فعلا مضارعا مجزوما عملت فيه الجوازم.

 ??  ?? ٭ توفيق قريرة
٭ توفيق قريرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK