Al-Quds Al-Arabi

فيلم «مالكولم وماري»: حوارات تخلو من الثرثرة!

- ٭ كاتب فلسطيني

■ قد تكــون، لبعض المشــاهدي­ن، أفلامُ الفرنســي إيريك روميــر غاية فــي الملل، البعض يســميها ثرثرة. وهــذه «الثرثرة» ليســت عابرة في فيلم أو اثنين، بل ممتدة وفي عمــوم منجَز رومير الســينمائ­ي، ما جعلها أســلوباً لــه مميزاً لأعمالــه. لكن، إحالاتهــا إلى الأدب، وتحولهــا مرات إلى حوارات أدبية، يمكن أن تُقرأ )كما يمكن أن تُشاهد في فيلم( خلع عنها سمة الثرثرة، فليســت الحوارات الطويلة والكثيرة في الفيلم ثرثرة، وليس الفيلم، على كل حال، تصويراً لأحداث وحســب، بــل هو عمل فني/سينمائي مبني على كلمات تماماً كما هو على صور.

الكلمات تصنع الخيال

يُحضِــر هذا الكلام إلــى الذهن، أحدَ أهم الأفلام فــي تاريخ الســينما، وهو «بيرسونا» للسويدي إنغمار بيرغمان، المعتمد على حوارات في عمومه، فقصته تجري، في معظمها، في مكان واحد، في بيت واحد، بشــخصيتين، امرأتين، تتحادثان، ما يشبه تماماً Malcolm ‪& Ma-(‬ فيلم «مالكولـ�م ومـ �اري»( rie

) المعــروض أخيراً علــى نتفليكس. ومن فيلم بيرغمان، أخص مشهداً تحكي فيه إحدى الامرأتين تجربةً جنســية على الشــاطئ. هو مشهد طويل نسبياً، الكاميرا على هذه المتحدثة وتلك المنصتة، والكلمات تصنع الخيــال، أو القصة الفرعية التي نسمعها. ما جعل الفيلسوف السلوفيني سلاڤوي جيجيــك يصف فــي واحد مــن تحليلاتــه )في ‪The pervert's guide to cinema‬ برنامجه ) المشــهد بأنه واحد من الأكثر أيروتيكية في تاريخ الســينما، وتحديداً لأن بيرغمان قاوم الرغبة في تصوير فلاش باك لهذه المشاهد، واعتمد كلياً على الكلمات.

في الفيلم الجديد إخراج ســام ليفنســون، لا أحداث راهنة ولا فلاش باك لأحداث ســابقة. فقط كلمــات.. لا ممثلون، لا أمكنة. فقط مالكولم وماري، في بيتهما، يتحادثان، يتجادلان، يتحابان، فكان التنويع في الكلمات، في ما يقولانه وكيف يقولانه، وكان على المشاهد التقاط أشكال الحوارات هذه، كلمة كلمة، يدركها ويتخيلها ويحسها، ضمن صعود وهبوط في النبــرات والمشــاعر المرافقة لهــذه الكلمات. ليست هذه ســينما تقليدية، حيث لا بد من تغيير في الصورة، كــي لا يمل المشــاهد، حيث لا بد من اســتراحات من الحوارات، لتأمــلٍ صامت لحركة داخــل الإطار، أو لضجيــجٍ أو موســيقى مرفقة. نحن هنا أمام فيلم في زمنه الواقعي، بموســيقاه الواقعيــة، كأن الكاميــرا حلّت على هــذا البيت، صدفةً، وصورت ما دار مــن حوارات بين مالكولم وماري، وخرجت فانتهى الفيلم.

مَن تجذبه الحوارات، الحالات النفسية، وكذلك السينماتوغ­رافيا الجميلة بالأبيض والأسود، فكما أن لا شخصيات تشوش على الشخصيتين

الرئيسيتين والوحيدتين، لا ألوان تشوش على لونَي الصورة، لن يجــد، الباحث عن الحوارات، في هذه ثرثرةً كما لم يجد فــي أفلام رومير، وإن كان الأخيــر، وكذلك بيرغمان في «بيرســونا» قد عوض غياب الأحــداث والتصويــر­ات الداخلية المنزليــة، حيث تدور الحوارات، في اســتراحات من الحيطان الأربعــة بجعلها مقابلة للبحر، لأفق واســع يريح الُمشــاهد بين حوار طويــل وآخر. ورومير تحديداً، حيث كانت قصص بعض أفلامه تجري خــال الإجازات الصيفية، عنــد البحر أو الريف. وهــذا ما لم نجده في الفيلم الجديد، الذي لم يمنح لمشــاهده تلك الفرصة لالتقاط الأنفاس، وكيف فعل ذلــك؟ بحدة الحــوارات، وعنفها في لحظات منها، ضمن موضوعها.

الموضوع هو مــا قدمه الفيلم في الربع ســاعة الأول: مُخرجٌ وصديقته يعودان من العرض الأول

لفيلمه الأول، كان ســعيداً لردود الأفعال، وكانت منزعجــة لأنه لم يشــكرها في كلمته وقد شــكر الكثيريــن، خاصة أن الفيلم يــدور حول قصتها، وقد شــفيَت من الإدمان. هذا مــا أدخلنا إلى عالم الشــخصيتي­ن، إلى ليلتهما، وكل مــا تلا ذلك كان استتباعاً له، كان مبنياً عليه.

«قصة زواج»

ذكر الفيلم في مجمله، في مشهد لفيلم جيد آخر أنتجتــه نتفليكس )على ندرة أفلامها الجيدة( هو «قصة زواج» حيث ينهــش كل من الزوجين الآخر بنبشٍ لمشــاعر وذكريات أليمة، يبدو أنها تعفنت في داخــل كل منهما، فخرجت مــن فميهما لتؤذي وحســب. هذا ما نسمعه )ونشــاهده كذلك( على طول الفيلم/الليلة على لســانَي مالكولم وماري، فــي محاولــة كل منهما اســتعادة أزمنة ســابقة بينهما، أو سبقت علاقتهما، لإيذاء الآخر وحسب، في تصاعد استغرق وقتَه اللازم لذلك، فلا مَشاهد أخرى في الفيلم على كل حال.

كان إذن الموضــوع مولــداً لأحاديــث مــن كل الجوانــب: تعليقــه على مقالــة نقديــة للفيلم، انزعاجه من النقد، رغم إيجابيته، تعليقها الساخر على ذلك. حديث مستطال عن السينما والسياسة والعنصرية، استدراك لســؤال لمَ لمْ يجعلها هي تقوم بتمثيل الدور، اســتنتاجا­ت ســيكولوجي­ة من كل منهما لهــذه التفاصيل ولغيرها، وجدالات وصراخ، و «ســلبية عدوانية » قــد تكون حاضرة علــى طول الفيلــم، الذي بنــى كل مضمونه على حــوارات، على كلمات لم تكن، لمــن لم يبحث عن الأحداث، أكثر من اللازم. لم تكن ثرثارة.

 ??  ?? لقطة من الفيلم
لقطة من الفيلم
 ??  ?? سليم البيك٭
سليم البيك٭

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK